تجليات الذات بين الحماسة والاتزان

بقلم دكتور رياض كامل

تاريخ النشر: 06/07/22 | 8:40

أخذتني الشاعرة ميساء الصح في ديوانها “عربية وفاكهة الغربة” (2022) إلى قضية الشعر الذكوري والشعر الأنثوي، في ظل كبح هيمنة الأدباء من الذكور على مجال الأدب العربي عامة، وعلى الأدب الفلسطيني خاصة، بعد أن استمرت ردحا طويلا من الزمن. فقد بدأنا، في السنوات الأخيرة، نشهد نهضة في كل مجالات الإبداع الفني الأنثوي، بحيث باتت المرأة منافسة حقيقية للرجل في العديد من المجالات الفكرية، وذلك إثر دخولها مجال التعليم الأكاديميّ من أوسع أبوابه، بعد أن كانت المدارس حكرا على الذكور نتيجة عدم وعي نسبة كبيرة من الأهل أهميةَ انتساب الإناث لهذه المؤسسات التعليمية، ولم يتسنّ في حينه إلا لنسبة ضئيلة جدا منهنّ إكمال الدراسة الابتدائية والثانوية. فالديوان إضافة نوعية إلى مجمل الإبداع الأنثوي الفلسطيني، وليس مجرد إضافة كمية. وكي لا تختلط الأمور فإنّنا لا نرى أنّ هذا الديوان ينضوي تحت ما يسمى “الأدب النسويّ”، إذ لهذا النوع من الإبداع مميزاته الخاصة التي لا تتطابق في مواضيعه وطروحاته مع قصائد هذا الديوان.
لم يكن الأدب العربي يوما حكرا على الرجال، لكنّ ولوج هذا الميدان لم يكن ميسّرا للمرأة كما هو الحال للرجل، فقد كانت وردة من فتى مراهق، يقدّمها لطفلة عائدة من مدرستها، كفيلةً بمعاقبتها وحرمانها من متابعة الدراسة، ولنا في سيرة الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان خير مثال، إذ رغم شعفها بالأدب والشعر، منذ نعومة أظفارها، فرضت العائلة عليها عقوبة البقاء حبيسة البيت حتى أنقذها أخوها الشاعر إبراهيم طوقان وقام بتعليمها أصول كتابة الشعر. لذلك فإني أنظر بعين الرضا إلى أي إصدار أنثويّ أدبي مهما كان نوعه، نثرا أو شعرا.
إنّنا، اليوم، إزاء تحوُّل لافت فيما يتعلق بارتفاع نسبة المنتسبات من الإناث إلى معاهد الدراسات الأكاديمية، مما يؤثّر مباشرة على صورة الأدب العربي الفلسطيني المعاصر وعلى مواضيعه، وبالذات في بلادنا هنا، فقد سيطرت المرأة بشكل شبه كلّي، في السنوات الأخيرة، على حقل التربية والتعليم في المدارس العربية، كما أصبحت نسبة الجامعيّات العربيّات تعادل، بل وتتعدى نسبة الأكاديميين من الرجال في بعض المواضيع، وبات طبيعيا أن يكون لهذا التحوّل نتائج مباشرة في شتى المجالات. فقد اتّسع حقل الأدب بحيث دخلت المرأة العربية الفلسطينية هذا المجال من أوسع أبوابه. ما كانت هذه الفكرة لتراودني، هنا بالذات، لولا تلك النبرة الأنثوية القوية التي تبرز في شعر ميساء الصح، وهي التي تتحدث عن ذاتها، كشاعرة، باعتزاز وفخر كبيرين، كما سنرى لاحقا.
إنّ ما قيل أعلاه لا يعني أنّ المرأة العربية، في بلادنا، هنا، تنعم بقسط من الحرية يتيح لها أن تقول ما تشاء ساعة تشاء، فالقيد ما زال يشدّ على معصمها بقوة، كي لا تخرج عن إطار “المسموح” و”الممنوع”. وهي لا تزال تعاني من ظلم ذوي القربى، أولا، ومن ظلم البيئة ثانيا. ولذلك فإنّ صدور ديوان شعر حديث أمر يلفت الأنظار، لأن الأمر يتطلب جرأة وثقة بالنفس لولوج عوالم أكثر إتاحة للرجل الشرقي منها للمرأة، سيّما وأنّنا اعتدنا، على امتداد سنوات طويلة، على سيطرة الرجال على حقل الأدب، فيما كانت نسبة الشاعرات العربيات الفلسطينيات أقل بكثير من نسبة الرجال، أما اّلنهضة الأبرز، في مجال الإبداع الأنثويّ، فهي في حقل الدراسات الأكاديمية.
***
لن أدخل في ميزات وخصوصيات ما يطلق عليه “الأدب النسوي”، رغم اهتمام الكثير من الباحثين والدارسين بهذا الموضوع، بل سأنظر إلى المستوى الفني وإلى المواضيع التي شغلت الشاعرة، من خلال كونها أنثى لها ظروفها الخاصة، كغيرها من النساء اللواتي يعشن في مجتمع محافظ. فهل عملت ميساء الصح على اختراق المألوف في عالم الشعر؟ وإلى أي مدى؟
إنّ كل كتابة، مهما كان نوعها، هي محصلة تجربة إنسانية ذاتية أو عامة، ويبدو لنا أنّ الشاعرة ميساء الصح سريعة التجاوب مع ما يدور من حولها على الصعيد العام والخاص، فطرقت مواضيع عدة يمكن للقارئ أن يعثر عليها في طيّات القصائد. فقد لفت نظرَنا اهتمامُها بجيل الشباب، وقلقُها من ظاهرة البحث عن حياة جديدة بعيدا عن الأهل والوطن، وما يتعرض له المجتمع من عنف، فنراها تبحث عن الجميل في بيئتها ومجتمعها لتبرزه، دون أن تتناسى ظواهره السلبية التي تقضّ مضجعها. وهي لا تكتفي بالإشارة إلى تلك المساوئ والنواقص، إنما تعمل على إبراز العديد من الجوانب الإيجابية أيضا، بحثا عن التوازن، بعيدا عن الإحباط.
تطغى على معظم قصائد الشاعرة ميساء الصح النبرة الحماسية الخطابية التي تعيدنا، في بعضها، إلى أجواء شعر المفاخرة التي اعتدنا عليها في الشعر العربي الكلاسيكي، إذ طالما تفاخرَ العرب بالحسب والنسب، والمروءة والشجاعة والكرم والجود وإغاثة الملهوف، فارتبطت هذه المواصفات ارتباطا وثيقا بالرجل والرجولة في مفهومها العربي التقليدي، فعمدوا إلى المبالغة في ذلك بحيث ظهر الشاعر أو الممدوح بمظهر الخارق أحيانا، الشجاع الذي لا يشق له غبار، والكريم الذي لا يتردد في تقديم ابنه ذبيحة للضيف، وهو العفيف، الوفيّ والشريف الذي يصون عرض جارته وجاره. فبماذا تفاخر الشاعرة ميساء الصح؟
يلاحظ القارئ أنّ في شعرها ذكرا لبعض هذه الصفات التقليدية، لكنّها لا تتوقف عندها ولا تكتفي بها، بل إنّها تعمل على إبراز صفات ومزايا تشغل فكرها مثل الخَلْق والخُلُق والثقافة الواسعة وغيرها من الأمور، كما تتجلى في قصيدة “أتؤذيني هداياكم؟!”:
“لأَنّ اللهَ نَقّاني بِخَلْقٍ زادَني وَفْرًا
وخُلْقا مَدَّني عُمرًا
وَساقَ الْجاهَ في أصْلي
لأنَّ الخيرَ سَيَّالٌ كَنْهرٍ دائمٍ جارٍ
وَقَدُّ الزَّهْرِ مَمْشوقٌ وَسَهْمُ الْعَينِ بتّارُ
طَليقٌ حالهُ لَفْظي
هَدايا الرَّبِّ أَعْطاني
وَقَيْسي باتَ مَغْرومًا حَلالُ الْوَجْدِ أحْياهُ
لأنّي زُرْتُ مَوْجوعّا
قَطَعْتُ الصَّعْبَ في سَعْدٍ لألْقاهم وَأُعْطيهم
فَيُعْطيني إلهُ الْكَوْنِ أَفْراحًا
حَباني اللهُ عنْ غَيري فما ذَنْبي بِأنَّ الربَّ نَقّاني؟
كَخَنْساءٍ قَوافي الشِّعْرِ إنْ أَلْقَتْ”.
من اللافت فعلا هذا الجمع بين ما نهج العرب على التفاخر به من جاه وكرم، وبين ميزات مبتكرة تجعلها، كما ترى هي، متفردة ومتميزة. فالله كرم بعطاياه عليها، فكان ذلك مدعاة غبطة لها ودافع غيرة وحسد لغيرها، وهنا بالذات، تطل المرأة بشكل بارز من بين ثنايا النص، سواء من خلال بروز حالة العشق الذي تحياه بغبطة ومسرة، أو من خلال تفردها بشعر طليق حباها الله به، فكانت قوافيها كقوافي الخنساء منسابةً. والخنساء شاعرة مخضرمة عاشت نصف عمرها في الجاهلية والنصف الثاني في الإسلام، وحققت نجاحا متفرّدا حتى رويت عنها الحكايات والروايات التي جعلتها من أشهر النساء العربيات اللواتي نظمن الشعر، وقد قيل إنها رفضت حكم النابغة حين قال لها إنها أشعر النساء، فأجابت بثقة أنا أشعر النساء والرجال. فهل قصدت ميساء الصح أن تدخل في منافسة خفيّة مع الشعراء والشاعرات على حد سواء؟! ما نستطيع أن نؤكّد عليه هو حرصها على إبراز ثقتها بذاتها وبإنجازاتها، وفي أكثر من مجال. أما التشديد على كونها “شاعرة” أو “الشاعرة”، فلا بدّ أن هناك دوافع ذاتية هي تعلمها جيدا. فإن كان الحديث، كما جاء أعلاه، عن التقليد والتجديد، في مجال الفخر فنحن ممن يرون أن المفاخرة بالإبداع الأدبي، بالذات، من باب التجديد، وهي لديّ أكثر قبولا من الفخر بالجاه والحسب والنسب.
يستطيع القارئ بسهولة أن يعثر على كم كبير من المفاخرة والحماسة التي تبوح بها قصائدها في مواقع عدة، حتى ليدرك المرء أنّ هناك حالة من الدفاع عن الذات، وكأنّ الشاعرة قد تعرضت لبعض التشكيك في قدرتها الشعرية. ويتأكّد ذلك من خلال تكرار الموقف في أكثر من موقع منها:
“قُولوا بمَرْيَمَ باطِلًا
سَتَظلُّ تَجْنيها الرُّطَبْ
قوُلوا لِمَيْساءَ اسْكُتِي
سَتَظَلُّ تَكْتبُهُ الْأدَبْ”
لم تقتصر الحماسة في أشعار ميساء الصح على مواضيع الفخر واللوم والعتب، بل تعدّته إلى مجال شعر الغزل. ففي ديوانها كم لا بأس به من قصائد الغزل التي خصصت منها قسما لا بأس به لزوجها شريك حياتها، أبرزها قصيدة “هذا حبيبي فاشهدوا”، يمتزج فيها الغزل بالمديح والمفاخرة، حيث نقع على مزايا وسجايا لا يمتلكها إلاه، وفق ما ترى. ولما كانت الأنثى التي في داخل الشاعرة سعيدةً بهذا الزوج، فقد تجلّت نبرة الحماسة بالذات في تكرار جملة “هذا حبيبي فاشهدوا”، وفي التكرار المعنوي في تعداد سجاياه ومزاياه. تناغمت هذه السعادة مع موسيقى الوزن والقافية، وتآلفت من خلال تجاوب الموسيقى الداخلية مع إيقاع الفرح الذي يغمر القلب الراقص.
لا تقتصر المفاخرة على الزوج وحده لما “يتحلّى” به من خصال، فلها هي الأخرى، الحبيبة، حصة بارزة في ذلك، فلم تتردد في الحديث عما يجعلها مميّزة، دون سواها، كما رأينا أعلاه، لكنّها في مواقع أخرى جعلت تلك الخصال ترد على لسان الزوج، لا على لسانها، حتى تكون أكثر مصداقية:
“فَيَقُولُ لِي “أَنْتِ الْمَكَاسِبُ كُلُّها مَا عُدتُ أَطْمَعُ بِالثَّراءِ وَلَا الْغِنَى
مَا دُمْتِ لِي وَمَعِي أَنَا” . . .
هَذَا حَبِيبِي فَاشْهَدُوا”
إن تجلّي الذات، كأنثى وكشاعرة، في شعر الغزل، لدى ميساء الصح بارز جدا، فهي ترى نفسها امرأة ندّا للرجل، من ناحية، وامرأة وشاعرة تحمل من الخصال ومن المواصفات ما يجعلها، وفق رؤيتها، سيدة تتميّز عن بقية النساء في العلم والمعرفة والفضيلة. فما حباها الله من صفات جعلها مدعاة فخر لها ولمن حولها. بعض هذه الميزات تعيد إلينا أجواء اعتزاز الشاعر نزار قباني بذاته وافتخاره بميزات نسبها لنفسه دون سواه. ولكن ميساء ليست نزارا، وإن تشاركت معه في الفخر والاعتزاز بالذات، فهو الشاعر الذي يعيد أجواء عمر بن أبي ربيعة في تجاربه مع النساء، أما ميساء فتعتدّ بأمور أخرى أهمها عطاؤها الفكري ودورها الأدبي. بعض هذا الاعتداد يعيد إلى أذهاننا الشاعرة الأميرة الأندلسية ولّادة بنت المستكفي التي تذكرها الكتب كسيدة قوية تمكّنت من لفت أنظار الشعراء والأدباء وعلية القوم. ولكنّ ميساء ليست ولّادة التي تعدّت كل العادات والتقاليد، قبل حوالي ألف سنة حين زينت ثوبها ببيتين من الشعر، نُذكّر بالأول دون الثاني:
أنا والله أصلح للمعالي وأمشي مشيتي وأتيه تيها
وأمكّن عاشقي من صحن خدي وأعطي قبلتي من يشتهيها
كادت ميساء الصح أن تقول ما قالته ولّادة في البيت الأول، دون أن تأتي على ما جاء في البيت الثاني، لأنها ترى فيمن تحب مخلوقا عفيفا محبا عطوفا، أين منه جميل وقيس وآخرون! ولا تدّعي أنها من سلالة الملوك، وليس عاشقها الوزير ابن زيدون، لكنّها واثقة الخطو تسير. يستحق حبيبها ما تبادله من حب وغنج ودلال.
لا تكتفي الشاعرة، بالمعاني التي ذكرها شعراء الغزل العذريون، من رقة وتفان وإخلاص وعطاء وعفة، بل تتعداه إلى صفات تذكرنا بشعراء المديح، منذ الجاهلية وحتى العصر العباسي. ففي شعر ميساء الصح نبرة حماسية بارزة لم تستطع تحاشيها حتى في غزلها، كما ذكرنا أعلاه، وفي كلامها الرقيق مع الزوج، فإذا الحبيب يتحلّى بخصال أين منها حاتم. وبحزم غير معهود، وصرامة وعدل وعطاء متواصل دون تردد.
لم تتوقف الشاعرة بالتركيز عند المواصفات التقليدية، بل عمدت إلى إضافة ميزات ومواصفات حديثة لم يتم التطرق إليها من قبل، فهو مخلص في عمله، معطاء، متفان، ديدنه عدل وعدالة:
“لَا تَعْجَبُوا مِنْ طَبْعِهِ
لَمْ تُخْطِئوا فَهُوَ الشَّدِيدُ بِحَزْمِهِ
وَهُوَ الْمَتِينُ بِحُكْمِهِ
وكخالدٍ إبْنِ الْوَلِيدِ بِسَهْمِه
إذْ مَا الْعَدَالَةُ تَقْتَضِي
وَإِذَا اسْتَبَدَّ الظُّلْمُ يُقْصِفُ عَاجِزًا
وَقَفَ النَّصِيرَ لحِقِّهِ
مَهْمَا طَغَى أَعْدَاؤُه
كَانَ الْمُحَالَ نَوَالُهُ
عُنْوَانُهُ مَا خَابَ مَنْ وَقَفَ الشِّرَاعَ لِحَقِّهِ”
تحمل أشعار ميساء الصح، في غالبيتها، صورة إيجابية عن الرجل، أما حين تُوجّه إليه سهامَها فإنّ ذلك من عتب ولوم. وفيما أنّ معظم “الأدب النسوي” العربي الحديث يميل إلى تحميل الرجل مسؤولية التخلّف العربيّ، الذي يهتم أكثر، وفق هذه الرؤية، بصورة المرأة لا بجوهرها، ويميل إلى استغلال “ضعفها” لأغراض ذكورية، لدرجة أنّ بعضا من “الأدب النسوي” الحديث يحمل على الأب والأخ والزوج، ويحمّلهم وزر ما تتعرض له المرأة من غبن وظلم. أما ميساء الصح فإنها تبدو زوجة تهيم بمواصفات زوجها الذي تحبّ، تعيش معه في حالة مصالحة وتعتز به رفيقا وحبيبا.
نلمس في شعرها صورة للعاشقة المُتيّمة، من ناحية، والفخورة بذاتها وباختيارها، من ناحية أخرى. ففي قصائدها معادلة تحرص على إبرازها؛ رسم صورة إيجابية للحبيب، من ناحية، دون الخنوع لسلطة الرجل، من ناحية أخرى. كما لا ترضى بأي عائق يحول دون التعبير عن حقيقة الأحاسيس والمشاعر إزاء الرجل الذي تحبّ، دون أن تصل حد الهُيام، فهي تحافظ على الحد الفاصل بين العقل والعاطفة المتزنة، في حين لم يتردد الرجل العربي من إظهار مشاعر الحب والعشق والهُيام في الحبيبة، كما تجلى في الشعر العذري، فبدا الشاعر العذريّ هائما إلى حد الضياع، يتنفس من رئة الحبيبة ويعيش لها وحدها دون غيرها، ويحمل وحده أوزار العشق على كتفيه. وقد تكرر هذا الموقف “العذري” عند أكثر من شاعر حديث، كما ينعكس في البيت التالي للأخطل الصغير الذي قال:
أأنا العاشق الوحيد لتلقى تبعات الهوى على كتفيّا
تؤْثِر الشاعرة ميساء الصح أن تخلق جوا من الانسجام والسلام والعيش الرغيد مع الرجل، بعيدا عن المواجهة التي تميّز “الأدب النسوي” العربي الذي جاء في معظمه أدب مواجهة مباشرة، يدعو إلى الانعتاق الكلّي من سلطة الرجل، بعد أن اعتادت المرأة العربية أن تكون تابعا. فإن كان هناك من جانب نسويّ، بارز في شعر ميساء فهو مركزية الأنا التي تبرز لعين القارئ في معظم ما تكتبه، فضلا عن التحدي والحماسة وعدم التقيد ب”خجل” المرأة التقليدي الذي أبقاها في الظل، بل هي فخورة بأنوثتها وبكونها امرأة لها صفات ومزايا تعدت الأنوثة إلى التحصيل العلمي والثقافي، مما يجعلها، كما ترى، متفردةً جديرةً بالحب وجديرةً بالفخر والتألّق.
فإن كانت ميساء الصح لا تكتب شعرا نسويا وفق معايير “الأدب النسوي”، إلا أنّها لم تتنازل عن الصوت الأنثوي، وكأن “شهرزاد” تستعيد صوتها عن سبق إصرار، وقد وضعت نفسها في مرتبة الند للرجل دون أن تتهيّب من التعبير عن مشاعرها وأحاسيسها تجاه الرجل الذي أحبّت، بوضوح وشفافية، فخصصت لذلك أكثر من قصيدة وأكثر من موقع، فهو الحبيب والرفيق والوفيّ والمعطاء والداعم، وهو في مواقع أخرى الظالم الذي يتنكّر لفضلها عليه بعد أن أعطته قلبها، وحاكت حوله حكايات الفارس الذي يحضر راكبا حصانا، لكنّها، بالرغم مما هي فيه من ألم وخيبة لم تنحن ولم تضعف، بل بقيت صارمة قوية تقف له بالمرصاد مسلحة بإرادة وبثقة لتبقى هي صاحبة القرار النهائي:
“لا لا تؤاخذْ مَنْ تَحَطَّمَ قَلْبُها، وَلَّى شَظايا وَاخْتَفَى
تَحْتاجُ عُمْرًا كامِلًا حَتّى أُعيدَكَ مْثلَما كانَ الْهَوَى
كُلُّ الَّذِي مِنْكَ اْنتَهَى
صُبْحًا أَقَلتُكَ مِنْ طُقوسِ عِبادَتِي
لا لَمْ تَعُدْ حُلُمًا يُطارِدُ خَلْوَتي
لا لمْ تَعُدْ بَطَلًا عَلَى ظَهْرِ الْحِصانِ بِقِصَّتِي
أَخْرَجْتُ قَيْسًا مِنْ خِيامِ رِوايَتِي”
***
لم تقتصر مواضيع الشاعرة على علاقتها بالرجل والمفاخرة بالذات، بل فتحت باب الشعر لتطرق مواضيع اجتماعية، فكرية، وطنية وقومية. فنراها متابعة للأحداث اليومية، سريعة التجاوب معها، فضمّنت هذه القصائد الكثير من المشاعر الإنسانية الجياشة التي تدعو إلى التآخي والمحبة والعيش بأمن وأمان، معتبرة أنّ ذلك لا يتأتّى إلا إذا تحلّى المرء بحس وطنيّ صادق. وكان لافتا تخصيص ثلاث قصائد تناولت فيها ثلاث بلدات عربية، يطلق عليها أهل بلادنا “مثلث يوم الأرض”: دير حنا، عرابة وسخنين، التي ارتبطت بوجدان أبناء الشعب العربي الفلسطيني بمواقفها الكفاحية في الدفاع عن البيت والمسكن.
إن طابع الحماسة الذي يميّز معظم نصوصها الشعرية استدعى توظيف ضمير الأنا وتغليبه على بقية الضمائر، وذلك يتلاءم مع النبرة الخطابية والتركيز على الذات. وضمير الأنا لا يعني فقط هذا الضمير المنفصل فقد يكون التاء المتحركة، أو كل ما يدل على المتكلم. ففي الكثير منها تبرز نبرة التحدي والمواجهة، فضلا عن الحوار مع الآخر بشكل مباشر أو غير مباشر أحيانا أخرى. وذلك نابع من إيمان عميق بما تطرحه الشاعرة، ومن انسجام تام مع هذه المواضيع والمواقف. يتيح استعمال هذا الضمير للشاعرة، أكثر من غيره من الضمائر، التركيز على الداخل وعلى الأنا وعلى الأيديولوجيا التي تحملها، عبر الانتقال من المونولوج إلى الديالوج، وهو أمر لافت جدا، لتوسيع رقعة التحاور مع المتلقي وتجنيده وتحفيزه ليصبح جزءا من الفكرة. وبالتالي فإن هذه الحوارات، على اختلافها، تبعد الرتابة وتفتح الأبواب على المشاركة من خلال تنويع الضمائر، مع سيطرة شبه تامة للأنا.
تتجلى أنا الشاعرة بشكل بارز في حوار ليس خفيا مع الخصوم، وتصل قمة تجلياتها في كونها، حسب رأيها، شاعرة قادرة على اختراق هذا العالم الأدبي، وما على هؤلاء الخصوم إلا أن يفاخروا هم أيضا بإنجازاتها. كنت سأدعم موقف الشاعرة لو اقتصر على ذلك، لكني أسجّل تحفظي حين يكون الأصل والجاه مدعاة فخر واعتزاز:
“بِالْجاهِ رِبّي مَدَّني
زادَ المْكَانَةَ وَاْلحَسَبْ
أَسْدَى لخِيَرِ عِبادِهِ
فَخْرَ الْأقاربِ وَالنَّسَبْ”.
تعمل الشاعرة على توظيف الحكايات والأساطير العربية والعالمية مثل حكاية ليلى والذئب، وتحيل كثيرا على قصص الأنبياء كما وردت في القرآن الكريم، وبالذات إلى سورة يوسف. إنّ تأثيث النص الشعري بالإحالات على نصوص أخرى سابقة، أو تعزيزه وإثرائه بالرموز والإحالات الثقافية، قد يرهق القارئ العادي، لكنه يجلب المتعة للقارئ المتمرس. يبدو أنّ الشاعرة ميساء الصح تؤمن بقارئها الضمني الذي يقيم داخل النص، كما يرى المنظر الألماني وولفجانج إيزَر، ولم تتردد في إغناء قصائدها بتناصّات مع مصادر متعددة، منها ما يعود إلى الأساطير الغربية والشرقية، ومنها ما يعود إلى الكتب الدينية مثل القرآن الكريم، وكتاب العهد الجديد، أو ما يعيدنا إلى التراث العربي قديمه وحديثه.
ليس كل تناص ولا كل إحالة بناجحة، ولكن الشاعر المتمرّس، المجرّب والمبدع قادر على جعل النص قابلا للانفلاش والانفتاح وإدهاش القارئ حين يوظف التناص بشكل ناجح، مما يفجأ المتلقي بما يحمله النص من غنى في المعنى ومن رموز ودلالات، أو حين يضيف إليه المبدع من عنده ما يجعل النص ملكا لخالقه الجديد، دون بتره عن الأصل، ولنا على ذلك نماذج موفقة:
“بِخَطِيئَتِي وجريمتي النكراءِ أُعْلِنُ خيبتي
بإرادتي أَمْسَيْتُ لَيْلَى قَد تَرَامَتْ بَيْنَ أَسْنَانِ الذِّئَابْ
وقطعتُ أَلْفَ مَحَطَّةٍ حَتَّى أَمُوتَ بِغُرْبَةٍ
لَا النَّعْشُ يَعْرِفُ جثّتي لَا الْقَبْرُ يَجْمَعُ في الثنايا جَدَّتِي”.
هذا التوظيف يجعل النص غنيا، وقريبا من القارئ، خاصة وأن ليلى في قصة ليلى والذئب كانت ساذجة فاستغل الذئب هذه السذاجة، وهنا يختار العربيّ الغربة بمحض إرادته، حتى يكتشف ما جنته “إرادته”، بحيث باتت جثته غريبة على نعشه. هذه الإحالة إلى قصة ليلى والذئب لم تتقيّد الشاعرة بجذورها بشكل ثابت، بل تعدّتها إلى خلق حالة فلسطينية خاصة، لها ضحاياها ولها ذئابها الذين يتربصون بها. لقد استُهلِكت قصة ليلى والذئب ووُظّفت لدى كثيرين بحيث يتساءل المرء ماذا يمكن أن تضيف هذه الحكاية بعد؟! إن توظيفها في النص أعلاه، بهذه الصورة، جعلها تأخذ قيمة مضافة، لأنها باتت رمزا جديدا واكتسبت دلالة جديدة: “بخطيئتي وجريمتي النكراء أعلن خيبتي”، إذ يعترف المغترب “بخطئه” و”جريمته”، حين ابتعد عن الطريق كما ابتعدت ليلى هي الأخرى عن الطريق الذي حذرتها والدتها من الابتعاد عنه، وانشغلت بالأزهار الجميلة التي جذبها منظرُها فوصل الذئب إلى الجدة قبلها، وهكذا ينجذب الشاب العربي إلى جماليات المظهر في الغربة فيضيّع الطريق ويضيع الهدف.
يعثر القارئ على العديد من الإحالات الثقافية، وعلى التضمينات وتداخل النصوص في العديد من القصائد، مما يساهم في توسيع دلالاتها. ولربما يقودنا ذلك إلى التحوير؛ حين تأخذ الشاعرة جملة مأثورة أو حكمة معروفة وتعطيها مبنى لغويا جديدا معتمدة على ما يحمله الأصل من معان ودلالات، ولنا على ذلك عدة أمثلة منها: “هم العروبة للممات”، تحويرا لجملة مأثورة في الفكر العربي الشعبي؛ “هم البنات للممات”. وتعتمد في إحالاتها على الكتب المقدسة، كما ذكرنا أعلاه، وتوظّف قصصا هامة جدا وردت في كتاب العهد الجديد كما في حكاية السيد المسيح في شفائه للأصم:
“طَبِيبٌ يُدَاوِي بإحْسانِ خُلْقٍ
سَنَدْتَ الضّعيفَ شَفَيتَ الْأَصَمّْ”
فقد جاء في الكتاب المقدس “إنجيل مرقس” حكاية شفاء المسيح للأصم والأبكم؛ “إذ جعل الصم يسمعون والخرس ينطقون”. لا ترمي الشاعرة إلى خلق حالة من المقارنة بين أفعال الطبيب وأفعال السيد المسيح، بل إنها حين تستشهد بأفعال الكبار فإنها ترفع من قيمة هذا الطبيب الذي قدّم خدماته للمجتمع حتى فارق الحياة، فهو، في ذلك، يتشارك مع الأنبياء والقديسين في أعمال الخير. وبما أن الشاعرة نهجت في طريق الحماسة فإن ذلك يقودها إلى أجواء “المبالغة” التي ميزت أشعار العرب في مجالي المدح والفخر وغيرهما من المواضيع.
تكثر الشاعرة من توظيف قصص الأنبياء ومنها قصة نوح الشهيرة وقصة الطوفان المعروفة، وتعطيها بعدا جديدا، وكأن الله اختارها هي وحبيبها دون بقية الخلق، لتركب الفلك الذي يطفو على وجه الماء وحيدةً مع الحبيب، ثم ينتهي الطوفان وتعود الحمامة تحمل غصن السلام وغصن الحياة.
أَهْذِي بِأنَّكَ جِئْتَني
زيَّنْتَ لي عَرْشًا إلَى ظَهْرِ السَّفينَةِ قُدْتَني
نُوحٌ دَعانا كَيْ يُؤَرِّخَ عِشْقَنا
وَغَدًا تَرُوحُ حَمامَةٌ تَأْتي بِغُصْنٍ للسَّلامِ
وَصَوْبَنا رَجَعًا تَطِيرْ
ويتكرر التناص في العديد من القصائد، ويُؤثَّث النص بإحالات إلى نصوص شعراء سابقين، وإلى حكايات وروايات وردت في كتب المبدعين مما يغني النص.
***
إنّ قراءة الشعر الحديث تجعلنا نفكر في دوافعه، وفي شكله وصورته وفي جديده؛ فهل الشعر هو قوالب جاهزة، وأفكار ملقاة على قارعة الطريق، كما قيل، يأتي شاعر ليلمّها ويبنيها من جديد؟ وهل الأفكار والقوالب ثابتة وراسخة وغير قابلة للتغيير؟ الشعر، مذ كان، يحمل عصارة فكر صاحبه، اعتمادا على تجارب حياتية غنية، لكنه ما لم يطرق جديدا فإنه سيبقى لصيقا بالأرض، ينقصه التحليق، ولن يحلق إلا إذا أعتقنا الفكر مما كان، منعا للتكرار، شكلا ومضمونا. نقول ذلك لنحث الشاعرة ميساء الصح على المزيد من التحليق سيّما وأن الأدوات قد نضجت، واللغة قد اكتمل بناؤها. ولن يكون هناك تحليق إلا من خلال اللغة وكسر قوالبها، ومن خلال الأفكار وكسر ثوابتها وخلخلتها بما يتلاءم مع فضاء كونيّ مفتوح على عوالم متناحرة لا عالم واحد، وكسر “أفق التوقع” لدى المتلقي. وهنا بالذات تأتي الدعوة الحقيقية: قوْل ما يرضي تحليقَ الشاعر المبدع والقارئ الخلّاق، لا ما يرضي القارئ التقليدي الذي ما زال يطرب للوزن والقافية دون البحث عن جديد في الطرح والمعنى.
ميساء الصح تكتب الشعر الموزون على أنواعه، وتغنيه بالتناص وبثقافتها الواسعة التي اكتسبتها من خلال اطلاعها على الأدب العالمي والعربي، وعلى الأساطير الغربية والشرقية، وظّفتها بصورة ناجحة جدا مما يفرض على القارئ أن يتسلّح بمعارف واسعة وثقافة شاملة تؤهله لمحاورة شعرها وفك شيفراته ودلالاته، لأنه شعر قابل للانفتاح على شريحة واسعة، فلا يغرق في الإبهام، ولا في الترميز المستعصي. ويقيني أن رؤيتها الفكرية والاجتماعية ستكون أكثر شمولية وعمقا في كتاباتها القادمة اعتمادا على هذا الرصيد الواسع من المعارف التي توظفها في شعرها.
يمكننا أن نقول إن ميساء الصح تكتب شعرا أنثويا تسيطر عليه أنا المرأة التي ترفض أن تكون ظلا لأحد سواء كان رجلا أو امرأة، وهي تعمد إلى إبراز ذاتها ودورها من خلال ما تقدمه للمجتمع، من وجهة نظرها، كأنثى وكامرأة وكشاعرة، لكنّها لا تقوم بالتمرد على سلطة الرجل ودوره، كما هو شأن “الأدب النسوي”، ولذلك فإنّ ما تقوله هو ترجمة لذاتها هي، شاعرةً، زوجةً وحبيبةً. وأما بروز الأنا النسوية في شعرها فليس نابعا من موقف ثائر على الرجل والرجولة، بقدر ما هو تعبير عن رؤية ذاتية للحياة في معناها الواسع، وللأدب في دوره الداعي إلى التغيير. هذه الأنا كانت دافعا للتعبير عن مواقفها تجاه قضايا فكرية واجتماعية وإيديولوجيا جريئة. نقول ذلك بناء على عدم تحفظها من تقاليد المجتمع الذكوري التي تضع المرأة في الظل، بل إنها تخاطبه بثقة، وبجرأة، وبشفافية، فكانت “ثورتها” سلمية.
إن من حقي، كقارئ، أن أتفاعل مع نص، ولا أتفاعل مع غيره، ففي الأول أجد نفسي هناك، وأكتشف فيها ذاتي. فلا يدّعينْ أحدٌ أنّ هذه فلسفة زائدة، لأنّ اكتشاف الذات أكثر صعوبة، من اكتشاف الآخر. أما في النص الثاني فإني أجد ذاتي فيه غريبا لأنه مكرور لا جديد فيه، أو لأنّه مجرد نصّ يعتمد على المحافظة على الوزن والموسيقى دون أن يبدع معاني جديدة وخلقا جديدا وفكرا يخترق المألوف، أو هو نص منغلق على ذاته. إنّ نص القصيدة المشار إليها أعلاه (حمامة السلام، ص51-53) قادر على اختراق المتلقي من الداخل، فوجدت فيه ما يمثلني، لا من خلال أفكاره فحسب، بل من خلال اندماج كل مقومات النص كوحدة واحدة مترابطة، ولم أجد في ذاتي تجاوبا مع قصائد أخرى تعيدني إلى الجاه وإلى الفخر التقليدي.
نخلص إلى القول، منعا للبلبلة، بأن الشاعرة ميساء الصح قادرة على خلق هوية شعرية خاصة بها، لها فيها نبرة صوتها الشعري، ولها فيها لغة تحمل مميزاتها الثقافية، ولها فيها موقف اجتماعي ووطني وفكري يحمل ختمها. أقول ذلك بناء على قصيدتها الطويلة “درب المطر” التي تفيض عن “أفق التوقعات” التقليدية، وقد اخترقت فيها بحور الشعر التقليدي، لا في شكلها “العمودي” المألوف، بل في انسيابها وسلاستها وعمقها وقدرتها على الإمساك بتلابيب القارئ الذي يكتشف جديدا مع كل قراءة جديدة، لأن هذا النوع من الشعر قادر على مخاطبة الأذن، كما اعتدنا، وقادر على مخاطبة العقل والعاطفة بعيدا عن الخطابة المألوفة، مما يحقق للنص لذّته في المواجهة المتكرّرة المتأنّية مع القارئ، كما يرى رولان بارت، تلك اللذة التي تبعثها موسيقى معاني الكلمات، والتي تخلق في الجسد تجاوبا بتأثير التفاعل مع النص خلال القراءة البطيئة والدقيقة للكلمات ولمكونات النص التي تحرك مشاعر القارئ فتجعله خالقا لا مجرد متلق سلبيّ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة