• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    في ذكرى النكسة

    جميل السلحوت

    في نهاية –أيّار- 1967 تقدّمنا لامتحان التّوجيهي الحكوميّ”التّوجيهيّ”، وبعده بأسبوعين سنجتاز الامتحان العامّ للثّانويّة الشّرعيّة، كانت المنطقة تعيش أجواء حرب، حيث تمّ حشد الجيوش، ووسائل الإعلام تبثّ الأناشيد الحربيّة، والخطب السّياسيّة الرّنّانة.

    كانت قاعة الامتحان المخصّصة لمدرستنا في المدرسة العمريّة قرب باب الأسباط، نفس القاعة التي اجتزنا فيها “مترك السّادس الابتدائيّ”.

    صباح الخامس من حزيران 1967، الذي يصادف عيد ميلادي الثّامن عشر –حسب ما هو مسجّل بشهادة ميلادي- ونحن في قاعة الامتحان، طلب المراقبون منّا فور دخولنا قاعة الامتحان في الثّامنة صباحا أن نحاول إنهاء أجوبتنا بسرعة فائقة، لكنّهم لم يخبرونا أنّ الحرب اندلعت على الجبهة المصريّة، كنّا نسمع بوضوح نداءات الدّفاع المدنيّ عبر مكبّرات الصّوت المحمولة على سيّارات تجوب شوارع المدينة وتنادي:

    “على المواطنين جميعهم إخلاء الشّوارع، والعودة إلى بيوتهم بالسّرعة الممكنة.” فأصبح معلوما لدينا أنّ الحرب قد اندلعت.

    أنهيت إجاباتي وكنت أوّل من خرج من القاعة، قريبا من مدخل المدرسة هناك مقهى صغير، صوت المذياع منه يرتفع معلنا سقوط 23 طائرة حربيّة اسرائيليّة أغارت على المطارات المصريّة. خرجت من باب المغاربة بعد أن منعنا رجال الشّرطة عند باب العمود من الوصول إلى محطّة الباصات، لأنّ حركة المرور توقّفت وشوارع المدينة تكاد تكون خالية من المارّة ومن السّيّارات أيضا. عدت إلى البيت مشيا على الأقدام مع عدد من طالبات وطلاب أبناء قريتنا، مرورا بسلوان.

    بدأنا نستمع للأخبار، وكان “صوت العرب من القاهرة” هو المحطّة الاذاعيّة المحبّبة لدينا، والكلّ مؤمن بحتميّة النّصر.

    عند العاشرة صباحا اشتعلت الحرب على الجبهة الأردنيّة، دارت المعارك الطّاحنة في جنين والقدس، وأصبح جبل المكبّر ساحة حرب.

    وسط لعلعة الرّصاص وهدير المدافع، وعند ساعات المساء أعلن النّاطق العسكريّ الأردنيّ أنّ الأوامر صدرت للجيش بالانسحاب إلى خطّ الدّفاع الثّاني، ولم نعرف أنّ ذلك الخطّ هو نهر الأردنّ إلا في الأيّام اللاحقة. هربنا إلى البراري، فقريتنا إحدى القرى الأماميّة، وفيها جرت معركة شرسة حيث واجه الجنود الأردنيّون المسلّحون بالبنادق الدّبّابات الإسرائيلية ببسالة، وتعرّضوا للقصف من الطّيران الاسرائيليّ، وسقط منهم عشرات الشّهداء.

    هرب عشرات آلاف البشر من القدس والقرى المجاورة إلى البراري أيضا، الطّيران الإسرائيليّ يجوب أجواء المنطقة ليل نهار، يلقي حممه على الدّروع والسّيّارات العسكريّة. بعض المواطنين واصلوا طريقهم شرقا باتّجاه الضّفّة الشّرقيّة.

    تأكّدنا أنّ الهزيمة قد حلّت، خصوصا بعد إعلان الرّئيس المصري جمال عبد النّاصر استقالته في 9 حزيران معلنا مسؤوليّته عن الهزيمة، لكنّه عاد وسحبها استجابة لملايين المتظاهرين، الذين خرجوا مطالبين بعودته.

    كانت الهزيمة صادمة للجميع، فأكثر النّاس تشاؤما كانوا يتوقّعون أنّه إذا لم يتمّ تحرير المحتلّ من فلسطين في نكبة العام 1948م، فإنّه يستحيل على اسرائيل أن تحتلّ أراضي جديدة، بل إنّ أحدا لم يفكّر بأنّ اسرائيل ستحتلّ أراضي جديدة.

    لم ينزح من أبناء قريتنا إلى الضّفّة الشّرقيّة سوى من كانوا يعملون فيها أو في دول الخليج أو مغتربين في دول أخرى، فلحقت بهم أسرهم، كما انقطعت السّبل بطلاب الجامعات الذين كانوا يدرسون في جامعات عربيّة وأجنبيّة. والفضل في عدم نزوحنا الجماعيّ يعود إلى أحد حكماء القرية المسنّين، الذي كان يقول للمواطنين:

    هذه حرب بين دول و”من يترك داره يقلّ مقداره”، وقال بأنّ هناك فلسطينيّين بقوا في ديارهم عام 1948، ولا يزالون يعيشون فيها.

    كما أنّ إسراع اسرائيل في الإعلان عن وصول جيشها إلى نهر الأردنّ، ونسفها للجسور كان له دور أيضا في منع النّزوح، مع أنّ الحكومة الإسرائيليّة استغلّت حالة الهلع بين النّاس؛ لتتخلّص من أكبر عدد ممكن من الفلسطينيّين، تماما مثلما فعلت في حرب العام 1948م، فكانت حافلات شركة “إيجد” التي تحتكر حركة المواصلات العامّة في اسرائيل، تجوب شوارع المدن والقرى بصحبة دوريّات عسكريّة، معلنة استعدادها لنقل المواطنين إلى نهر الأردنّ مجّانا.

    بدأت جرّافات الاحتلال بهدم حارتي المغاربة والشّرف المحاذيتين لحائط البراق، الحائط الغربيّ للمسجد الأقصى قبل سكوت هدير المدافع، تمهيدا لبناء حيّ يهوديّ في المكان داخل أسوار القدس القديمة.

    اندلعت الحرب وقد تبقّى على طلبة التّوجيهي مادّتين، ولاحقا أعلنت وزارة التّربية والتعليم إعفاء الطلبة منهما. الصّدمة كبيرة جدّا وتفوق الخيال، وألحقت الضّرر بالمواطنين جميعهم، فعدا عن الخسائر البشريّة والمادّيّة التي نتجت عن الحرب، فإنّ نتائجها النّفسيّة كانت ظاهرة للجميع، فخسارة الوطن لا تعادلها خسارة أخرى، وقد أصبحت فلسطين التّاريخيّة من بحرها إلى نهرها تحت الاحتلال، إضافة إلى صحراء سيناء المصريّة ومرتفعات الجولان السّوريّة، ومزارع شبعا اللبنانيّة.

    أكثر المتضرّرين من الحرب هم أبناء جيلنا، الذين تحطّمت كلّ طموحاتهم في استكمال تحصيلهم الجامعيّ، وبناء مستقبل كنّا نحلم به. كنت أبني آمالا بأن أستكمل دراستي الجامعيّة، وأن أدرس اللغة العربيّة وآدابها. وقْعُ الهزيمة عليّ كان أكبر من قدرتي على الاحتمال، كنت أصعد إلى قمّة جبل المنطار في براري قريتنا وأنظر إلى القدس حزينا، أنام ليلي باكيا، أحلم أحلاما سوداويّة مزعجة لا نهاية لها، قرّرت العودة إلى بيتنا في جبل المكبّر، عدت بعد أسبوع من انتهاء الحرب برفقة والدي الذي عاد ليأخذ حمولة البغل من الطّحين، الرّز، العدس وأشياء أخرى، انتظارا لدراسة المحصول على البيادر في البرّيّة. رفعنا سروال أبي الأبيض على زاوية حبل الغسيل أمام بيتنا-كما فعل كثيرون مثل ذلك-، دلالة على الاستسلام، عاد أبي إلى البرّيّة وبقيت في البيت وحدي، نمت ليلتي وحدي قلقا، في اليوم التّالي عدت ثانية إلى البرّية.

    قمنا بدراسة محصولنا من الحبوب على الدّواب، ورجعنا جميعنا إلى بيتنا في المكبّر. سمعنا نتائج التّوجيهي من الإذاعة الأردنيّة في عمّان، حيث نجحنا أنا وشقيقي ابراهيم.

    الثّانويّة الشّرعيّة

    راجعت مدرستي بخصوص امتحان الثّانويّة الشّرعيّة العامّ، فوضعت إدارة المدرسة الجديدة بقيادة الأستاذ عكرمة سعيد صبري برنامجا لمن تبقّى من الطلاب في الأراضي المحتلّة. اجتزت الامتحان بتفوّق رغم الظّروف السّيّئة المحيطة، وهذا أهّلني للالتحاق بكلّيّة الشّريعة في الجامعة الأردنيّة كمنحة دراسيّة، لكنّ الجسور مغلقة، فعمّان أصبحت بعيدة عنّا رغم قربها، والوصول إليها بات شبه مستحيل، ووجدت نفسي بين خيارين هما:

    الالتحاق بالجامعة ومغادرة الوطن، أو البقاء في الوطن حتّى ينتهي الاحتلال، فاخترت البقاء في الوطن، فأن تكون في قفص لا أبواب له خير من أن تصبح مشرّدا، وبدأت عذاباتنا وامتهان كرامتنا، واستباحة حياتنا منذ ذلك التّاريخ، لكنّني لم أتخلّ ولو للحظة عن حلمي باستكمال تعليمي الجامعيّ.

    إكتشاف

    بعد انتهاء حرب حزيران اكتشفت أنّني فلسطينيّ، فكلّ ما كنت أعرفه أنّ فلسطين هي التي احتلّت عام 1948م، وقامت عليها دولة اسرائيل، وعشت وتربّيت وتعلّمت فيما مضى من حياتي كمواطن أردنيّ، والضّفّة الغربيّة كانت جزءا من المملكة الأردنيّة الهاشميّة، لكنّ وسائل الإعلام لفتت انتباهي بأنّ اسرائيل قد احتلّت ما تبقّى من فلسطين التّاريخيّة، والذي بات يعرف بعد نكبة العام 1948م بالضّفّة الغربيّة وجوهرتها القدس، وقطاع غزّة، إضافة إلى هضبة الجولان السّوريّة وصحراء سيناء المصريّة.

    انتهت الحرب على غير ما نتمنّى، وسقط فيها عدد من المواطنين المدنيّين من قريتي ومنهم: نعمة محمّد حسين منصور، محمّد عبد حسن عبده، جميل حمدان سليم زحايكة، محمد محمود خلايلة ومحمّد سلامة عيد زحايكة.

    زيارة الأقصى

    رغم الجراح التي لا تندمل للهزيمة الماحقة التي حصلت في حرب حزيران، والتي تشكّل نكبة ثانية لشعبنا العربيّ الفلسطينيّ، ورغم حالة الرّعب التي أورثتها هذه الحرب، كان لا بدّ من زيارة القدس للاطمئنان على المسجد الأقصى على الأقلّ، شجّعني على ذلك رؤية حافلات مناطق جنوب الضّفّة، بيت لحم، بيت ساحور، بيت جالا والخليل كانت تمرّ من الشّارع في قمّة جبل المكبّر إلى القدس ومنها. وصلت القدس أحتضن أحزاني وتراودني أفكار شتّى بالباص، كانت المدينة الحزينة تعجّ باليهود الذين كانت نشوة النّصر بادية على وجوههم، وعلى تصرّفاتهم، بينما المقدسيّون الفلسطينيّون تعلو الكآبة والانكسار والحيرة وجوههم. عند باب العمود وهو الباب الرّئيس للمدينة المقدّسة كان هدير الجرّافات التي تهدم الجدار الذي يمتدّ من الطّرف الغربيّ لباب العمود باتّجاه شارع المصرارة، وهو جدار بني بعد نكبة العام 1948م؛ ليكون حدّا فاصلا بين القدس الجديدة التي وقعت تحت السّيطرة الإسرائيليّة، والقدس الشّرقيّة بكامل جزئها القديم الذي يحتضنه سور المدينة التّاريخيّ. في حين كانت الأرض الواقعة خلف الجدار حتّى بناية “النوتردام” منطقة عازلة بين الطرفين. الجرّافات تهدم والشّاحنات تحمل الطّمم، والغبار يمتدّ في السّماء ويتساقط على المدينة المقدّسة، مشوّها قدسية المكان ووجه المدينة، وكأنّه يزيد أحزانها أحزانا جديدة.

    دخلت المسجد الأقصى من باب المجلس الإسلاميّ الأعلى، عندما اكتحلت عيناي برؤية الصّخرة المشرّفة بكيت المكان الذي كان هو الآخر باكيا. عندما وصلت المسجد القبليّ كان بابه الرّئيس -وهو باب خشبيّ تاريخيّ سميك- محطّما، وعلمت من المصلّين المقدسيّين أنّ دبّابة إسرائيليّة لاحقت المواطنين المدنيّين الذي احتموا بالمسجد المبارك أثناء اقتحام الجيش الغازي للمدينة، ولجأوا إلى المسجد القبليّ وأغلقوا الباب خلفهم، فدمّرته الدّبابة عندما اقتحمته بجنازيرها ومدفعها الثّقيل، ودخلت فيه أكثر من ثلاثة أمتار فارمة السّجّاد الفارسي الفاخر بجنازيرها. صلّيت ركعتي تحيّة المسجد وخرجت إلى السّاحة، كانت مئذنة باب الأسباط “المئذنة الصّلاحيّة” تعاني من بعض الانهيارات؛ بسبب قصف جوّيّ استهدف جنديّا أردنيّا كان يستحكم عند قمّة المئذنة، ويطلق نيرانه صوب الغزاة. لم يحتمل قلبي ما شاهدت، فقرّرت العودة إلى بيتي مشيا على الأقدام، كان باب المسجد الموصل إلى باب المغاربة مغلقا، حيث كانت عمليّات الهدم والتّجريف قائمة في ساحة حائط البراق الغربيّة وحارتي الشّرف والمغاربة. فعدت باتّجاه باب الأسباط، ومررت بمقبرة الرّحمة في طريقي إلى بلدتي عبر سلوان.

    النّصر الوهميّ

    قبل نهاية شهر حزيران، أي قبل مرور ثلاثة أسابيع على الحرب امتلأت الطرقات والشّوارع بمنشور موقّع من الأحزاب التي كانت تعمل في الضّفّة الغربيّة سرّا، وهي: “حركة القوميّين العرب، وحزب البعث والحزب الشّيوعيّ الأردنيّ”، ومضمون المنشور “يتمحور حول النّصر العربيّ في الحرب؛” لأنّ اسرائيل لم تستطع إسقاط النّظامين التّقدّميّين في مصر وسوريا، ولم تستطع هدم الكيان الأردنيّ”! وهذا المنشور يبيّن مدى جهل “الأحزاب الطّليعيّة” بحقيقة الأمور، وحتّى بمفهوم الوطن، وإلّا كيف يمكن تفسير هذا “النّصر” ببقاء رئيسين في الحكم مع أنّ الوطن وقع تحت الاحتلال؟ وكيف يمكن التّغاضي عن أرواح آلاف الشّهداء والجرحى، وأنين الملايين الذين وقعوا تحت الاحتلال؟ وهل الوطن هو الأرض معروفة الحدود أم هو نظام الحكم؟ ولاحقا في عام 1969م سقط نظام نورالدّين الأتاسي في سوريّا بانقلاب قاده الفريق حافظ الأسد، وانتهى نظام عبدالنّاصر في مصر بوفاته في 28 سبتمبر 1970م، لكنّ الضّفّة الغربيّة وجوهرتها القدس، وقطاع غزّة، والجولان السّوريّة وسيناء المصرية بقيت تئنّ وشعبها من نير الاحتلال. وقد سألت واحدا ممّن هم أكبر منّي عمرا حول المقصود “بالكيان الأردنيّ”، فردّ عليّ موبّخا، ويبدو أنّه لا يعرف الجواب، كما أنّني لا أزال لا أعرفه حتّى يومنا هذا.

    نكسة أم هزيمة؟

    أطلق العرب في وسائل الإعلام على هزيمة العام 1967م اسم “نكسة”، وهذا المصطلح ابتدعه الصّحفيّ المصريّ الكبير المرحوم محمد حسنين هيكل، لكنّها في الواقع كانت هزيمة ماحقة، بل هي نكبة كبرى للشّعب الفلسطينيّ بشكل خاصّ وللأمّة العربيّة بشكل عامّ.

    في القدس الجديدة

    رغم المرارة والحزن الذي ملأ قلبي ولا يزال، فقد كنت في شوق لزيارة الفردوس المفقود، فقرّرت زيارة المكان والتّجوّل فيه، وبصحبة أحد الأصدقاء الذي يصغرني بعام، تجوّلنا بحذر وخوف في القدس الغربيّة مشيا على الأقدام، مررنا بحيّ البقعة الذي يشكّل الامتداد الغربيّ لجبل المكبّر، عند محطّة القطار القريبة من المدخل الغربيّ لحيّ الثّوري الواقع بين قريتي”جبل المكبّر والقدس القديمة، اتّجهنا يسارا، بعد بضعة مئات من الأمتار وصلنا حديقة عامّة” حديقة الجرس” التي تبعد مئات الأمتار عن فندق الملك داود، فجلسنا على أحد المقاعد العامّة، وممّا لفت انتباهنا هي تلك الأشجار التي تزيّن جنبات الشّوارع، وهذا ما لم نعتد رؤيته سابقا، كان الخوف يملأ قلوبنا، غالبيّة المارّة كانوا من النّساء والمسنّين والأطفال، فالشّباب اليهوديّ في الجيش، واصلنا طريقنا باتّجاه فندق الملك داود ونحن نأكل المكان بعيوننا، حتّى وصلنا زاوية مقبرة مأمن الله التي يطلق عليها العامّة مقبرة “ماميللا”، عند مثلثّ تقاطع الطّرق من الجهة الشّرقيّة الجنوبيّة، لفت انتباهنا مبنى قديم منقوش على بوّابته الرّئيسيّة “المجلس الإسلاميّ الأعلى”، ثمّ اتّجهنا إلى المقبرة حيث الجزء الغربيّ الأعظم منها حديقة عامّة، جلسنا تحت شجرة وارفة الظّلال، لم نكن نعلم أنّ هذا المكان جزء من المقبرة التي جرى تجريفها، ولم يبق منها سوى بضع عشرات من القبور في جزئها الجنوبيّ الشّرقيّ، تماما مثلما لم نكن نعلم أنّنا نجلس على المقبرة الجماعيّة، التي تحوي رفات سبعين ألفا هم مواطنو القدس جميعهم الذين قتلهم الفرنجة عند احتلال المدينة عام 1099م، عندما غزوا المشرق العربيّ، كما أنّها تحوي رفات الآلاف من الصّحابة والتّابعين والأعيان والعلماء.

    جلسنا نتأمّل المكان وفي قلبينا غصّة لا تزول، بينما كان اليهود نساء وفتية ينصبون حلقات الرّقص والغناء احتفاء بالنّصر. وغالبيّة المحتفلين هم من خارج القدس جاؤوا لزيارة القدس القديمة التي وقعت تحت الاحتلال.

    تجوّلت وزميلي في غالبيّة أحياء وشوارع القدس الجديدة، وتحاورنا كثيرا حول ما شاهدناه، فقد رأينا شوارع نظيفة، محلّات تجاريّة تغصّ بمختلف البضائع، مستشفيات، مدارس وغيرها، ووجدنا أنفسنا في وسط بيئة كنّا نجهل عنها كلّ شيء، فما كنّا نعرفه من خلال معلّمينا وكبار السّنّ أنّ فلسطين احتلّت من قبل عصابات إجراميّة أشبه ما تكون بقطّاع الطّرق، وأنّه يمكن طردهم بمظاهرات تتسلّح بالحجارة!

    كنّا ننهي كلّ يوم من جولاتنا بالعودة إلى منطقة باب العمود في القدس الشّرقيّة؛ لنستقلّ إحدى الحافلات عائدين إلى بيوتنا.

    ذات يوم صادفنا عند باب العمود مجموعات من عرب الدّاخل الذين جاؤوا إلى القدس على غير ما كانوا يتمنّون، فسألونا عن الطّريق إلى المسجد الأقصى، وبما أنّ المعلومات التي كانت مترسّخة في عقولنا، بأنّ من تبقّى في دياره من الفلسطينيّين في نكبة العام 1948م هم مجرد بضعة آلاف من عملاء الحركة الصّهيونيّة والانتداب البريطانيّ! فقد نظرنا إليهم بازدراء! وأشرنا إليهم بأنّ الأقصى يقع إلى الشّمال باتّجاه رام الله، في محاولة منّا لتضليلهم. غير أنّ إحدى المسنّات قالت لهم بأنّها تذكر أنّها كانت تصل إلى الأقصى عبر باب العمود الذي أشارت إليه بيدها، ووجدت لنا عذرا بطريقة عفويّة وهي تقول لمن معها:

    “يبدو أنّ هؤلاء الأولاد لا يصلّون ولا يعرفون الأقصى”.

    كنت أعود من القدس حزينا، أمضي ليلي يائسا باكيا على حالنا، فالوطن محتلّ وما عدت قادرا على تكميل تحصيلي العلميّ، وحدود الوطن مغلقة، ومن يخرج منه لا يمكن أن يعود، ولا توجد جامعات في الوطن المحتلّ.

    الأسر المشتّتة

    لم تقتصر نتائج الحرب على ما حصدته من أرواح، ومن أصابتهم بجراح، بل تعدّتها إلى نزوح مئات الآلاف من المناطق التي وقعت تحت الاحتلال، كما أنّ آلاف العاملين والطلبة الجامعيّين في الأردنّ وبقيّة الدّول العربيّة منعوا من العودة إلى ديارهم، ومن كان منهم متزوّجا فقد التحقت به زوجته وأبناؤه. وكان لعائلتنا نصيب من هذا الشّتات، فأخي محمّد “الأسمر” كان معلّما في السّعوديّة هو وابن عمّي محمد موسى، فالتحق أخي بإحدى الجامعات البريطانيّة لدراسة إدارة الأعمال، في حين التحق ابن عمّي بجامعة هيوستن في ولاية تكساس الأمريكيّة ودرس الهندسة الكهربائيّة، كما أنّ ابن عمّي موسى بن محمّد وأسرته كان معلّما في السّعودية، حيث توفّيت زوجته هناك تاركة خلفها طفلة وطفلا. في حين انقطعت السّبل بأخي محمّد “الكبير” وأخي أحمد وابن عمّي اسماعيل موسى في البرازيل، حيث كانوا يعملون هناك. -أخي الأكبر المولود عام 1936 اسمه محمّد، وأخي الثالث المولود عام 1942 اسمه حسن، وأصابه مرض وهو في الثّانية من عمره، فقلبوا اسمه إلى محمّد بناء على نصيحة “فتّاحة” نوريّة، ولتمييز الأخوين اللذين يحملان الاسم نفسه كنّوا الثاني “أبو سمرا” لأنّ لون بشرته يميل إلى السّمار. –

    ضمّ القدس العربيّة المحتلّة

    في أواخر حزيران 1967م، وقبل سكوت هدير المدافع، اتّخذ الكنيست الإسرائيليّ قرارا بضمّ القدس القديمة وبعض ضواحيها لبلدية الاحتلال، تحت مسمّى “أورشليم الموحّدة عاصمة إسرائيل الأبديّة”، وذلك في مخالفة واضحة للقانون الدّوليّ، وقرارات الشّرعيّة الدّوليّة، والأكثر أهمّية رغم إرادة مواطنيها الفلسطينيّين، الذين تعتبرهم اسرائيل” مقيمين حتّى حصولهم على إقامة في مكان ودولة أخرى”. وتشمل المناطق المضمومة حوالي 71 كيلومتر مربع، وتشمل:” القدس القديمة، واد الجوز، كفر عقب، مطار قلنديا، بيت حنينا الجديدة، شعفاط، مخيّم شعفاط، العيسويّة، الطور”جبل الزّيتون”، سلوان، الثّوريّ، السّواحرة الغربيّة”جبل المكبر”، امليسون، صورباهر، أمّ طوبا، بيت صفافا وشرفات.

    ويلاحظ أنّ الضّمّ تمّ على الخرائط في المكاتب دون معرفة طوبوغرافيّة المنطقة من وديان وجبال، ممّا خلق مشاكل ومعاناة للمواطنين، فمثلا تمّ ضمّ الأحياء الجديدة في قرية بيت حنينا، دون القرية القديمة، وقريبا من ضاحية البريد أحد رصيفي الشّارع في حدود البلديّة والرّصيف الثّاني خارجه، وفي بلدتي السّواحرة جرى تقسيم البلدة إلى ثلاثة أجزاء، فجبل المكبّر داخل حدود البلديّة، وامتداده “حيّ الشّيخ سعد خارجها، والجزء الشّرقي من البلدة خارجها، علما أنّ مقبرة البلدة والمراكز الصّحيّة والمدارس تقع في جبل المكبّر.

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.