حديث أدبي (11)

تاريخ النشر: 13/06/16 | 10:16

التعليل الحسن
……………………
مما يروق في سلوكنا بين الناس أن نجد تخريجًا إيجابيًا لفعل قد يُشتَـمّ منه أنه سلبي، فيعلله المرء أحسن تعليل كما قال شاعرنا إيليا أبو ماضي:
أحكم الناس في الحياة أناس *** علّلوها فأحسنوا التعليلا
..
كتبت الصديقة طالبتي سابقًا- المربية جنّات حمود في صفحتها على الفيسبوك بعض النماذج في ذلك التعليل الحسن مما اقتبسته من السلف الصالح:
“لو رأيت أحد إخواني ولحيته تقطر خمرًا لقلت: ربما سُكبت عليه.
ولو وجدته واقفًا على رأس جبل، وهو يقول (أنا ربكم الأعلى) لقلت إنه يقرأ الآية التي في القرآن”.
يقول ابن القيّم الجَوزية:
“والله إن العبد ليصعب عليه معرفة نيّته في عمله، فكيف يتسلط على نوايا الخلق؟”
فهل قرأتم أجمل؟
..
ما أروع أن نحسن الظن إذن، ودليلنا على ذلك الآية الكريمة:
“َيـا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ….” (الحجرات 12)
فلماذا نسارع في التحليل والتعليل بصورة سلبية تَدين فعل الآخرين؟
….
يدخل في هذا الباب بعض ما عرفناه في البلاغة بـ (أسلوب الحكيم)، ويعني أن يُحمل الكلام على غير ما يقصد المتكلم، ومن أنواعه ما نلاحظه عندما تكون الكلمة المقولة سلبيًا، فيحيلها المتلقي إلى دلالة إيجابية يفيد منها.

من أجمل ما قرأت في ذلك أن الحجّاج بن يوسف الثقفي غضب على ابن القَـبَعْـثَري الشاعر، فقال له:
“لأحملنّك على الأدهم”- يقصد أنه سيقيّده بالقيد.
أجابه الشاعر: “مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب” – يقصد أنه كريم ويهدي الخيول الدهماء ( وبها نصف الخيول السوداء) والشهباء ( وبها نصِف البيضاء).
قال الأمير: “أردت الحديد”- أي قيد الحديد، ويظهر أنه مصرّ على عقابه له.
أجاب الشاعر: ” لأن يكون حديدًا خير من أن يكون بليدًا”- يقصد أن الحصان الأدهم عندما يكون قوي السمع والبصر أفضل من يكون بليدًا، أي أنه ظل على تأدية معنى الأدهم كما يحبّ هو لا كما قصد الحجّاج.

تنتهي القصة بأن الحجّاج على قسوته عفا عنه وأركبه حصانًا أدهم هدية له.

ومن أسلوب الحكيم ما ورد في الشعر:
يقول الشاعر ابن حجّاج البغدادي*، وهو يتلاعب بالكلمات التي قيلت له سلبًا، فرد عليها وكأنه يفهمها إيجابًا:

قال: ثقّلتَ إذ أتيت مرارًا *** قلت ثقّلتَ كاهلي بالأيادي
قال طوّلتَ قلت أوليتَ طَولاً *** قال أبرمتَ، فقلت حبل ودادي

فالمخاطِب يستثقل مجيئه، لكنه يجعل المعنى إيجابًا فقد (ثقلتَ) أنت إذ جعلت أفضالك ثقيلة على كاهلي لكثرة عطائك،
وعندما قال له (طوّلت)- بمعنى بقيت طويلاً، جعل الشاعر لفظة (الطّول)- بمعنى الفضل وهو يوليه إياه.
وعندما قال له (أبرمت) أي أمللت، أجابه لقد أبرمت أي أحكمتَ فتيل محبتي لك،
فقد فهم المعنى الثاني لكل كلمة قيلت له.

من أسلوب الحكيم كذلك:
ولما نعى الناعي سألناه خَشيةً *** وللعين خوفَ البينِ تَسكابُ أمطارِ
أجاب: قضَى، قلنا: قضى حاجة العلا***
فقال: مضى، قلنا: بكل فَخار

فالشاعر جعل من معنى كلمة (قضى= مات) أنه قضى حاجة المجد وأدّاها،
وجعل من كلمة (مضى= مات وانتهى) أنه مضى بالمجد وسار به.
….
حسن الظن، وتفسير المقول بالوجه الإيجابي من دواعي تقوية الأواصر وبناء المحبة، فلنحسن الظن، ولنحمل الألفاظ على المحمل الحسن ما أمكننا الأمر.
…………………
* يذكّرني هذا الحوار بحوار صَفيّ الدين الحِلّي مع محبوبته، حيث تعاتبه:
قالت: كحلت الجفون بالوسن…. قلت: ارتقابا لطيفك الحسن
قالت: تسليت بعد فرقتنا….. فقلت: عن مسكني وعن سكني
قالت: تشاغلت من حبتنا **** قلت: بفرط البكاء والحزن
….. إلخ
وهي قصيدة جميلة غناها محمد عبد الوهاب.

أ‌. د فاروق مواسي

faroqmwaseee

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة