قراءة في قصة “أبو الحلاوّي ومظاهرة الخبز والعمل”للكاتب يوسف جمّال
بقلم: النقابي جهاد عقل
تاريخ النشر: 26/10/26 | 13:13
في قصته “أبو الحلاوّي ومظاهرة الخبز والعمل”، المنشورة في موقع “بقجة” بتاريخ 23 أيلول2026، وفي جريدة “الاتحاد” بتاريخ 23تشرين الأول 2026، يواصل الكاتب يوسف جمّال وصل الحكاية الشعبية بالذاكرة الفلسطينية. يقترب من حياة أهلنا البسطاء، ويستحضر معاناتهم ونضالهم بأسلوب يمزج الفصحى بالعامية، ويمنح الشخصيات أصواتًا نسمع فيها لغة أهلنا ونبض حياتهم.
يفتتح الكاتب قصته بصورة قبر منسيّ، تكاد الأيام تمحو الكلمات المنقوشة على حجارته. ومن هذا المشهد، يبدأ العم “أبو زهير” روايته عن سليم “أبو الحلاوّي”. ولهذه البداية دلالتها؛ فكأن إزالة الغبار عن القبر هي أيضًا إزالة لغبار النسيان عن إنسان فقير، وعن صفحة من ذاكرة القرية ونضالها.
– إنسان يبحث عن رزقه وكرامته
يرسم يوسف جمّال شخصية بطله عبر محاولاته المتعثرة لتأمين قوت أسرته. تُصادر أرضه في الروحة، فيعمل في أرض غيره، ويواجه استغلال صاحب الأرض حينًا، وقسوة المواسم والآفات حينًا آخر. وعندما يجرّب تجارة الحلاوة، يتغلب سخاؤه على حسابات الربح؛ فيدعو من تملك ثمنها ومن لا تملكه إلى الأكل، وينتهي به الأمر بخسارة رأس ماله،لكرمه هذا، الذي لا يلائم أصول التجارة بحفظ نسبة من الربح للمحافظة على راس المال، وهكذا ما بقي له هو اكتساب لقب يرافقه.
تمنح هذه التفاصيل الشخصية عمقها الإنساني. فـ “أبو الحلاوّي” أبٌ يحمل همّ أطفاله، ويبحث عن باب للرزق، ويحتفظ، رغم فقره، بعفويته وكرمه. وفي المزج بين الطرافة والمرارة، ينجح الكاتب في تقريب الشخصية من القارئ، قبل أن ينقلها إلى قلب المواجهة.
لكننا نجد ان من أكثر مشاهد القصة تعبيرًا مشهد البصل الذي جمعه البطل على سطح بيته، ثم راح يلقيه إلى المتظاهرين لمواجهة الغاز خلال احتجاج على مأساة أطفال صندلة، وهو يهتف: «عندهم الغاز وعندنا البصل». هنا تتحول مؤونة الفقير إلى وسيلة تضامن، وتكتسب العبارة الشعبية الساخرة معنى التحدي في مواجهة القوة والقمع.
كما وتستحضر القصة بذلك فاجعة صندلة، التي استشهد فيها خمسة عشر طفلًا وطفلة بانفجار جسم متفجر أثناء عودتهم من المدرسة في 17 أيلول 1957. وقد خلّد الشاعر راشد حسين هذه المأساة في قصيدته “الغلة الحمراء”، متسائلًا بوجع:
“مرج ابن عامر هل لديك سنابل
أم فيك من زرع الحروب قنابل؟
أم حينما عزّ النبات صنعت من
لحم الطفولة غلّة تتمايل….”
في هذه الأبيات، تنقلب صورة المرج من فضاء للخصب والحياة إلى مشهد للفاجعة، وتحلّ القنابل محلّ السنابل، ويصبح لحم الطفولة غلّةً موجعة. وتتجاوب هذه الصورة مع حضور الأرض والزراعة والرزق في قصة يوسف جمّال، حيث تتداخل معاناة الفلاح والعامل مع ذاكرة القرية وجراحها. هكذا يلتقي الشعر والحكاية في حفظ الذاكرة ومنح الألم الإنساني صوتًا يبقى بعد رحيل أصحابه. أما مشهد الاحتجاج ودور “أبو الحلاوّي” فيه، فنقرأهما ضمن البناء القصصي الذي يقدّمه الكاتب.
-حين يصبح الوجع الفردي صوتًا جماعيًا
تبلغ الحكاية ذروتها حين يتوجه البطل لطلب تصريح عمل. ينتظر ثلاثة أيام تحت الشمس، ثم يُصرف بكلمات قاسية ومهينة، دون أن يحصل على التصريح. يتكثف في هذا المشهد معنى إخضاع لقمة العيش لسلطة الحكم العسكري؛ فالعامل مطالب بالانتظار والرجاء، بينما تتوقف معيشة أسرته على قرار ضابط.
عندها ينفجر احتجاج “أبو الحلاوّي”: “الخبز والعمل”. وتنتقل الصرخة من حنجرته إلى حناجر المنتظرين، ثم تتسع لتصبح مظاهرة. هذه لحظة التحول الأساسية في القصة: يكتشف كل فرد أن معاناته مشتركة مع الآخرين، وأن المطالبة بالحق يمكن أن تجمعهم وتمنحهم قوة.
ومن زاوية نقابية، يحمل هذا المشهد دلالة عميقة، إذ ينتقل العمال من انتظار الحل الفردي إلى الفعل الجماعي. ويصبح الشعار تعبيرًا عن حقهم في العمل والحياة الكريمة، وعن رفض إذلالهم وهم يسعون إلى إعالة أسرهم.
في خاتمة الحكاية، يُصاب “أبو الحلاوّي” برصاص القوات التي تواجه المتظاهرين، ثم يموت بعد أيام. ويعود السرد إلى الضريح الذي بدأ منه، مكتملًا بدلالة جديدة: فقد عرف القارئ الآن الإنسان الذي يحاول النسيان أن يمحو اسمه، وفهم سبب دموع الراوي وهو يستعيد حكايته.
– بين الحكاية والتوثيق التاريخي
تلتقي هذه القصة مع المناخ التاريخي الذي تناولتُه في مقالي “صفحات من تاريخ نضالنا النقابي في منطقة وادي عارة فترة الحكم العسكري”، المنشور في 4 حزيران 2021. فقد وثّقت فيه، بالاستناد إلى عرائض ووثائق، نضالات العمال ضد قيود التنقل ونظام التصاريح والتمييز في العمل، والاعتصامات والمظاهرات أمام مقر الحاكم العسكري في عارة.
لقد أبرزت تلك الوثائق الدور التنظيمي للحزب الشيوعي ورفاقه، وفي مقدمتهم المناضل محمد الشريدي، وتشكيل لجنة المبادرة للدفاع عن حقوق العمال العرب في أم الفحم ووادي عارة. كما أظهرت كيف واجه العمال التضييق بتنظيم العرائض واللجان والمطالبة بالمساواة في العمل والأجور.
من المهم هنا التمييز بين المجالين: فالقصة تركّز التحول الجماعي في تجربة بطلها وصرخته، بينما يكشف التوثيق التاريخي عن الجهد التنظيمي المتراكم وراء تلك النضالات. لذلك، فإن وصف مظاهرة “أبو الحلاوّي” بأنها أساس المظاهرات اللاحقة يظل جزءًا من رواية “أبو زهير” داخل النص، ولا يكفي وحده لإثبات أسبقية تاريخية، أو لتوثيق شخصية البطل ومصيره.
وهذا التمييز يحفظ للأدب قيمته وللتاريخ دقته، ويتيح لنا تقدير الطريقة التي يمنح بها الكاتب التجربة العامة وجهًا إنسانيًا وصوتًا قريبًا من الوجدان.
إن قيمة قصة يوسف جمّال تكمن في قدرتها على جعل القارئ يرى الإنسان وراء شعار “الخبز والعمل”: أرضه المصادرة، وأطفاله الجائعين، ومحاولاته المتكررة للرزق، ثم اكتشافه قوة الاحتجاج المشترك. وبذلك يفتح الكاتب أمام الأجيال الشابة بابًا لفهم مرحلة من تاريخ أهلها، والتفاعل مع ما حملته من ألم وتضامن وصمود.
تحية للكاتب يوسف جمّال، الذي يواصل إبداعه في حفظ الحكاية الشعبية الفلسطينية؛ وتحية للعمال والمناضلين الذين حملوا مطالب الخبز والعمل والكرامة، وتركوا لنا تاريخًا يستحق أن نرويه ونوثّقه ونحفظه من النسيان.





