أبو الحلاوّي ومظاهرة ” الخبز والعمل ! “.
قصة بقلم : يوسف جمّال - عرعرة
تاريخ النشر: 23/09/26 | 8:50
إذا أزَلتم الغبار الذي يغطّي حجارة قبرٍ منسيٍّ على الطرف الغربيِّ من مقبرة بلدنا , ودقَّقتم النظر في حجارته , ستجدون هذه الكلمات مكتوبة عليها بأحرف أكلتها الأيام حتى كادت تمحّى :
” هنا ينام سليم أبو الحلاوّي .. قائد مظاهرة الخبز والعمل ! “.
بدأ عمّي أبو زهير روايته .. رواية أبو الحلاوّي ..
” لو لم يكن بطل تلك الواقعة التي كان لها الأثر العظيم على بلدنا , لكان مثل مئات الناس الذين عاشوا في بلدنا وماتوا , وآثارهم ذابت في جريان تيّار تاريخها الرتيب.
بدأ عمي أبو زهير يروي حكايته .. وعيناه تغوصان عميقاً لتغرفان من ماضٍ بعيد ..
” كان ذلك في بداية النكبة واستيلاء اليهود على قرى وأراضي العرب وطردهم منها .
صادرت السلطات أرض أبو الحلاوي في الروحة جميعها , ولم تبقِّ له منها ” لا باعاً ولا ذراع” .
فصار يزرع في أراضي غيره .
فكان أذا فلح أرض الاقطاعي ” أكله ” ولم يُبقِ له مؤونة , تسكت بطون سبعة من عيّال على المسطبة , وإذا أخذ قطعة أرض على الضمان ” أكل” انحباس الأمطار , وحشرات الأرض وآفاتها نُتِجَها .
وكان البصل آخر جولة له في ميادين الزراعة . قلعه ونشره على سطح بيته المطلِّ على الشارع الرئيسي للبلد .
فلما قامت مظاهرة في البلد , احتجاجاَ على قتل أطفال صندلة من قبل الجيش .
بدأ حرس الحدود برميِّ المتظاهرين بقنابل الغاز المسيل للدموع .
صعد أبو الحلاوي على سطح بيته , وبدأ يرمي برؤوس البصل باتجاه المتظاهرين وهو يصيح :
” يا أبن صندلة يا بطل عندهم الغاز وعندنا البصل ” .
وظل يرمي ببصلاته للمتظاهرين , حتى لم يُبقِ منها شيئاَ .
أشار عليه أحد الذين أوجعهم حاله , أن يترك الزراعة ومصائبها ويمتهن التجارة , لعلها تنشله من براثن الفقر .
فاقتنى جحشاَ ووضع على ظهره خرجاَ , وضع فيه رطلين من الحلاوة , ودار في طرقات البلد وأزقتها وهو ينادي :
” حلاوة .. حلاوة لكل من يحبُّ الحلاوة ” .
ثم يضيف متوجّهاً الى نساء البلد وعلامات اللذة تتراقصعلى تقاطيع وجهه : “إلّي معها توكل , ولّي ما معها توكل ! ” .
فهجمن على حلاواته على مبدأ :
” إلّي ابلاش كثِّرْ منه ” .
” فطارت ” الحلاوات في أول زقاقين من أزقة القرية , ولم بقيت علبة ” الغلِّة ” خاوية إلا من قروش معدودة , لا تقترب من مقدار رأس المال .
بعد هذه العملية التحارية . أطلق عليه أهل البلد لقب “أبو الحلاوي ” فالتصقت به ولم يزعل منها .
“الناس بشتغلوا عند اليهود” . حثَّته زوجته محاولة إفهامه أن باب التجارة ضيّق لا يستطيع النفاذ منه . والأفضل له أن يبحث له عن بابٍ آخر للرزق .
“ولكن يا أم أحمد لا يعطون التصاريح إلا لقلة من أعوانهم , وبعد أن ” يعصرونهم ” مثل الليمونة . أجابها بنغمة يختلط فيها المرارة واليأس .
ولكن تحت وطأة ” جوع ” زوجته وأولاده قرّر أن يجرّب حظه , فالتحق بجموع ” الغلابة ” المنشورين تحت لهيب الشمس في ساحة مركز الشرطة , منتظرين “رحمة” العسكر كيّ يظفروا بتصريح عمل , يمكِّنهم من لملمة لقيْمات تخفِّف من عناء عائلاتهم .
قضى ثلاثة أيام تحت لهيب الشمس , من مطلعها حتى مغيبها في الساحة التي تحيط بمركز الشرطة , منتظراَ أن يُنادى على أسمه ليدخل الى “المسلخة ” كما كان أهل البلد يسمونها .
وفي نهايتها أُذن له بالدخول , وقبل ان يتمكَّن من الوقوف , صرخ به الضابط الذي كان يجلس وراء الطاولة :
ماذا تريد .!؟ بسرعة ” خلصنّي ” .
تصريحاَ – يا سيدي ..
لماذا تريده ؟ . قل بسرعة لا وقت لديَّ .
للشغل . ردَّ برجاء مقهور .
اليوم ما في تصاريح للشغل . إرجع غداً .
نادوا إلّي بعده .
أكمل الضابط دون أن ينتظر خروجه من المكتب .
خرج من مكتب الضابط , وعواصف من قهر المحموم تعصف به وتهزُّ كيانه . شعر أن بركاناَ يغلّي في داخله بدأ يعلو ويعلو . حتى أصبح على شفا الانفجار , حاول خنقه ولكنه اجتاح كلَّ السدود التي وضعها لمنعه ..
فصار يصرخ من قحف رأسه :
” الخبز والعمل ! .
نريد الخبز والعمل .
الخبز والعمل مطلبنا .
لن نغادر هذا المكان قبل أن نحصل عليها .
تجمَّع حوله المتواجدون في الساحة .
في البدايّة اعتقدوا أنَّ مسَّاَ من الجنون قد أصابه ..
ولكن مزيداَ من الأصوات , بدأت تنضمُّ شيئاَ فِشيئاَ الى صوته . وصارت تزيد وتزيد .
وانضمت إليها جموع غفيرة من المتواجدين من القرى المجاورة , حتى تحوّلوا الى تيّار جارف أحاط بمقرِّ الشرطة وهم يصرخون :
” الخبز والعمل ! ” .. لن نخرج من هنا دون أن تُنفَّذ مطالبنا .. الخبز والعمل . الخبز والعمل . الخبز والعمل.”
تقدّم شاب طويل القامة وقوي البنيّة , “تناوَّل “أبا الحلاوي” ورفعه وأجلسه على كتفه , فتمكَّن من مشاهدة سيّل الجماهير التي تحيط به. وعندما لاحظ أن كلَّ العيون تتجَّه إليه صار يهتف عالياً بكلِّ ما لديّه من قوة , وكلُّ الحناجر تهتف وراءه :
الخبز والعمل .! الخبز والعمل . شعبنا البطل يطالب بالخبز والعمل .
خرج بضع أفراد الشرطة محاولين إسكات صوت الجموع الجبارة , ألا أن هدير الجماهير ابتلع أصواتهم وأزيز أسلحتهم , فدخلوا الى داخل مقر الشرطة , وأغلقوا أبوابه خلفهم .
واتصلوا بقيادتهم المركزية , كيّ تخلصِّهم من هذه الجماهير الغفيرة التي تحاصرهم .
ولما حضرت قوات الجيش والشرطة , تلقتها الجماهير الثائرة بصدورها , واشتعلت معركة بين الجانبين .
المتظاهرين بالهتاف والحجارة . وأفراد الشرطة والجيش بالقنابل الغازيَّة والأسلحة الناريَّة .
ولما تحقَّق الجنود من أن “أبا الحلاوة ” المرفوع على الأكتاف هو قائد المظاهرة , أطلقوا عليه النار فسقط في أحضان الرجال وهو يهتف :
” شعبنا البطل . يطالب بالخبز والعمل . شعبنا البطل يطالب بالخبز والعمل .
وبعد أيام مات ..
فبنى أهل القرية هذا الضريح وكتبوا عليه :
هنا ينام البطل قائد مظاهرة : ” الخبز والعمل” .
كانت هذه المظاهرة هي حجر الأساس , لكلِّ المظاهرات التي تلتها في قريتنا والقرى المجاورة والبعيدة ” .
كان بطلها أبو الحلاوي ! .
أكمل أبو زهير حكايته . وسيّل من الدموع ينهمر من عينيه.
.



