قراءة تحليلية وجدانية في قصيدة “بقجةٌ صوتُنا إن خبا”

بقلم رانية مرجية

تاريخ النشر: 06/08/25 | 8:27

من بين الأنقاض الثقافية التي نخرت جسد الإعلام الفلسطيني، ومن بين أصواتٍ ذوت خلف أبواب السلطة والخوف، ينهض الشاعر سعيد العفاسي بقصيدته “بقجةٌ صوتُنا إن خبا”، حاملًا شعلة الوفاء لواحة إعلامية حرة اسمها بقجة. هذه القصيدة ليست مجرد مديح تقليدي أو كلمات تُرمى على عتبات الاحتفاء، بل هي مرآة صادقة لمشروع إعلامي يقاوم النسيان، يقاوم التواطؤ، وينبض بالحرية.

قصيدة تُكتب بنبض الأرض

منذ البيت الأول، نستشعر أن هذه القصيدة لا تولد من فراغ بل من وجدان مشبع بالحقيقة والانتماء. “خيرُ ما يحملُ الخبرَ بقجةٌ قد سرى في الآفاقِ النبأ” — هنا لا نجد فقط إخبارًا، بل تجد الحقيقة وهي تُجلّى بشغف، بقجة لم تُسرِّب النبأ فقط، بل جعلته ينساب في الأفق كالنور، كالسراج في عتمة هذا الزمن الإعلامي القاسي.

ويستمر الشاعر في رسم هوية بقجة لا كوسيلة إعلام، بل ككائن حي، كضمير يقظ في ليلٍ خدرته الأصوات المأجورة، فتغدو بقجة “منبعًا صافٍ لمن يرتجي نوره”، وهذا التصوير الرهيف يمنح القصيدة بعدًا صوفيًا، وكأن بقجة ليست موقعًا وإنما مقامًا روحيًا لكل من أعيته العتمة، فراح يبحث عن حقيقته بين السطور.

التزام أخلاقي ووطني عميق

في خضم الغبار الإعلامي وتلوث الحقائق، يصرّ العفاسي أن يُعيد تعريف “الصدق” عبر بوابة بقجة:
“إن تساءلتَ عنِ الصدقِ في كلمٍ فبقجةٌ في المدى شمأ”
لا مواربة هنا، لا نصف حقيقة، لا رتوش. فقط كلمة تخرج من فم الأرض، من فلسطين، من سخنين ويافا، كي لا يُختطف التاريخ.

ويبلغ الالتزام الأخلاقي ذروته حين يقول:
“لا تُحيكُ الوشايةَ لا تسكتُ عن جراحِ القلوبِ ولا الجُفأ”
هذه ليست إشادة عابرة، بل شهادة تحفر في ذاكرة القرّاء أن الكلمة الحرة لا تهون، ولا تخون.

فلسطين في مركز الوعي

ما يميّز هذه القصيدة أنها لا تغفل أبدًا عن فلسطين بوصفها المرجعية الأولى والأخيرة. ليست فقط جغرافيا، بل معنى وشهادة ومسؤولية. من “فلسطين تُسقى الحكايا بالحُرّ” إلى “تنقلُ الفنَّ والأرضَ، لا تغفلُ عن أُولى القضايا”، تتضح بوصلة القصيدة التي لا تحيد، وتلك هي البوصلة التي نفتقدها في إعلام اليوم.

نص بصري مشبع بالإضاءة

يعتمد العفاسي لغة ضوئية مدهشة، وكأنه ينحت حروفه من ضياء. من “صفحةٌ تُكتبُ بالشفافِ لا يُرى بها دَلأ” إلى “كضياءِ الدُّجى”، يتعامل مع الكلمة كضوء، ككاشف، كفضاء يسمح للقارئ أن يرى من خلاله ما توارى في الظلمة.

بل إن قصيدته بأسرها، هي احتفاء بالنور في زمن الظلمة، هي تمجيد لكل من لا يُساير ولا يساوم، لكل من اختار أن يظل حيًا في زمن الجثث المتكلمة.

بقجة كضمير جماعي

لا يسجن العفاسي “بقجة” في كونها مؤسسة، بل يجعلها تجسيدًا حيًا للضمير الفلسطيني والعربي. “بقجةٌ لا تنامُ ولا تسأ”، “منبرٌ للذي ما سكت”، “إنها المنبرُ الحرُّ إن اختفى في الدُّجى البدرُ”، فهل بقي لنا صوت إن صمتت بقجة؟ وهل بقي لنا ملاذٌ إن توارت مثلها الأصوات النقية؟

خاتمة

قصيدة “بقجةٌ صوتُنا إن خبا” ليست مجرد نشيد إعلامي، بل هي أناشيد لوجعنا، لحنيننا، لتاريخنا الذي نحمله كل يوم على أكتافنا المثقلة بالخذلان.
وإنني، كامرأة فلسطينية حرة، عرفت معنى الكلمة مذ أول صرخة وجع على هذه الأرض، أقولها بصدق:
في زمن العتمة، تُضيء بقجة لا المقال فحسب، بل الوعي.
وإن كانت بقجة “صوتنا إن خبا”، فإن هذه القصيدة هي صدى أرواحنا إن توارت، وهي وصية شعرية تحفظ ذاكرة الصحافة الحرة من التلاشي.

بقجةٌ صوتُنا إن خبا بقلم سعيد العفاسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة