• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    معمِّــر أم معمَّـر؟

    سألني صديق: ماذا نسمي من يعيش طويلاً: معمِّــر أم معمَّـر؟
    إذا شئنا الفصاحة، وأردنا لغة القرآن، ثم شعر العرب ومأثورهم فهي بفتح الميم الثانية (مُعمَّـر)، وهذا ما أفضّل.
    فالذي يُعَمِّر هو الله سبحانه، عَمَّرَ اللهُ فلانا: أَبقاه، والإنسان عُمّر ويُعمَّر- مبني للمجهول.

    يقول تعالى: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُون} – يس 68
    ويقول: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}- البقرة، 96.
    ويقول: {مَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ}- فاطر 11
    ويقول: { أو لم نعمِّركم ما يتذكر فيه من تذكَّر وجاءكم النذير}- فاطر 37
    فالله – لفظ الجلالة هو اسم الفاعل، والإنسان هو اسم المفعول.

    ورد الشعر على هذا جاهليًا وإسلاميًا، ومن ذلك:
    زهير بن أبي سُلمى:
    رَأَيتُ المَنايا خَبطَ عَشواءَ مَن تُصِب *** تُمِتهُ وَمَن تُخطِئ يُعَمَّر فَيَهرَمِ

    الأحوص:
    لا بدَّ أن المنايا سوف تدركُه *** ومن يعَمَّر فلن ينجو من الهرم
    ويقول لبيد (او نافع بن لقيط الأسدي):
    وكذاك حقًا مَنْ يُعَمَّر ْيُبلِه *** كَرُّ الزَّمانِ عَلَيْهِ والتَّقْلِيبُ
    ..
    مع ذلك، ورغم ذلك،
    فليس ثمة من خطأ- في رأيي- إذا قال أحدهم (معمِّر) بالكسر، وفعلها (عمَّر)- مبني للمعلوم.

    أولاً:
    لأن (عَمِرَ) الرَّجلُ يَعْمَرُ، وعَمَر يَعْمُرُ ويَعْمِر: عاشَ وبقي زماناً طويلاً.
    فالفعل (عمر) هو بإرادة الله كذلك، وهو الذي يجعلنا نعمُر، ونحن نعرف أن العربية تشدد الفعل للتكثير، فنقول: فتحت وفتّحت، كسرت وكسّرت، جرحت وجرّحت، قطعت وقطّعت، طفت وطوّفت، جلت وجوّلت…إلخ
    فما المانع أن نقول: عمَرت وعمّرت بفضل الله؟ خاصة وقد تكثّر الفعل حقًا في العمر.
    ثانيًا:
    نعلم أن بعض الأفعال وردت بالبناء للمجهول نحو (استُشهد)، ترد في اللغة اليومية بالبناء للمعلوم، فماذا تخسر اللفظة من معناها إذا قلنا استَشهد رحمه الله، وذلك
    بمعنى- طلب الشهادة؟
    لقد عالجت في هذه الصفحات صحة قولنا (المتوفِّي) كما تصح المتوَفَّى التي يصرّ عليها المتشددون في اللغة.
    قلت:
    قرأها علي –كرّم الله وجهه- بالبناء للمعلوم (والذين يَتَوَفّون منكم…)-
    قال ابن جِنِّي في (المحتسب، ج1، ص 125):
    “ومن ذلك ما رواه أبو عبدالرحمن السُّلَمي عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام: {وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُم}- البقرة، 234 بفتح الياء. قال ابن مجاهد: ولا يُقرأ بها.
    قال أبوالفتح: هذا الذي أنكره ابن مجاهد عندي مستقيم جائز؛ وذلك أنه على حذف المفعول، أي: والذين يَتَوَفَّون أيّامَهم أو أعمارَهم أو آجالهم”.

    ثالثًا:
    يورد البغدادي في (خِزانة الأدب) ج 9، ص 303 بتحقيق عبد السلام هارون شرح “إن صدق النفس يُزري بالأمل”، فيقول:
    “يعني إذا حدّثت نفسك بالموت لم تُعَـمِّر شيئًا، ولم تُؤَثِّل مالاً، فأزرى ذلك بأملك”، فأنت تعمّر شيئًا أو عمرًا فما الفرق؟
    رابعًا:
    معنى (عمَر) الله دارك أو أعمرها أو عمّرها، أنشأها أو جعلها آهلة، فالبيت عامر، ونحن نستخدم اسم الفاعل بدل اسم المفعول (معمور) فلا غضاضة في ذلك، وثمة نماذج من ذلك وردت في القرآن الكريم وفي الشعر.
    وما قبلناه هنا مجازًا عقليًا فلا أرى غضاضة إن قلنا “معمِّر” بدلاً من معمَّر.

    أخيرًا، فاللغة تجيز الصورتين في نحو قَرَع، قُرع الجرس،
    كُسرالزجاج أو انكسر،
    وفي الآية السابقة (يُنقص من عمره- فاطر، 11) وهي بمعنى يَنقص-
    وصولاً إلى (مات)، فهل مات هو وحده وبقرار من نفسه؟
    عمّركم الله، وجعلكم من المعمَّـرين أو المعَمِّـرين!

    ب. فاروق مواسي

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.