ديوان “أصابع من ضوء” في اليوم السابع

تاريخ النشر: 15/11/14 | 12:07

القدس: 13-11-2014ناقشت ندوة اليوم السابع في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس، ديوان”أصابع من ضوء” للشاعرة الفلسطينية منال النجوم، ويقع الديوان الصادر عام 2014 عن الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين في 104 صفحات من الحجم المتوسط، وقدّم له الشاعر سميح محسن.
مما يذكر أن هذا الديوان هو الخامس للشاعرة النجوم، حيث سبق وأن صدر لها:”وجوه ومرايا” عام 1998، و”مدارات المواسم” عام 2005، و”بذراع يصطاد النجوم” عام 2011، و”سي دي شعر بدوي” عام 2009.
بدأ النقاش ابراهيم جوهر فقال:
عصفورة حذرة تلتقط الحب وتنقر سريعا ثم تمضي. تترك صوتها المشحون بالغضب والعاطفة والتحدي بحثا عن جمال وماء وأزهار وسلام. تبوح بما يحلم به الإنسان في عالم يطحن الإنسانية وتتحدى بصوتها ولغتها المتمردة على الساكن الراكد بحثا عن حياة وأمن.
تكثّف الصورة فتلقي بها أمام قارئها وتمضي؛ تتركه يفكك رموزها ويقف على أبعادها وهي تكون قد انشغلت ببناء صورة أخرى من لغة وألم كامن وراء الأحرف.
تتزاحم الصور واللقطات السائرة بسرعة خاطفة في شعر منال النجوم، لذا يجد القارئ عينه تمضي وراء الكلمات والجمل بلا فسحة من راحة ولا قيلولة. إنها تنبض نبضات سريعة وما على قارئها إلا التأني وهو يسير في فيء ألفاظها ليستشعر جمال الصورة الآسر حين يقف على إطارها المرن القابل للتأويل.
تقترب منال في (أصابع من ضوء) من القصة الشعرية. تروي قصة مكتملة العناصر ، لكنها لا تتقصد قصتها الشعرية بل إن موضوعها يفرض إطاره القصصي (“قرية تحتضر” صفحة 68، و”سلم” صفحة 73، و”سؤال آخر” صفحة86.
تغوص منال في التجريب وهي على دراية بما تخطط له وما ستقوله. إنها تتحدى عالم الظلم الاجتماعي، وتنتقد، وتحلم، وتنتظر. عدّتها في هذا كله صورتها النابضة المغلفة بحواجز الرمز، وتجربتها في التعبير، وحلمها المنتظر للعدل والحياة والجمال في بلاد تحكمها البشاعة.

وقال جميل السلحوت:
القارئ لهذا الدّيوان سيجد نفسه أمام شاعرة بحق وحقيقة، فتاة خُلقت شاعرة، وأعتقد أنها كتبت الشعر قبل أن تعرف الخليل بن احمد الفراهيدي وبحوره الشعرية، لذا فإن جملتها الشعرية تأتي دافقة بانسيابيّة لا تصنّع فيها، حاملة لغتها البليغة وصورها الجمالية ولحظة انفعالاتها وأحاسيسها، وتبوح بها بعفويّة بريئة.
ومن جماليات قصائد منال النجوم أنّها لا تصنّع فيها…بل هي انعكاس صادق لدواخلها، والرمزية فيها شفيفة لا تعقيد فيها، واللافت أنّ شاعرتنا تكتب قصائدها كامرأة تعرف حدودها تماما، وتكبح جماح كلماتها تماما مثلما تكبح عواطفها خضوعا للبيئة التي ولدت وترعرعت فيها، وللمجتمع الذكوريّ الذي لا يرحم المرأة، ومع أن شاعرتنا ببوحها تعرف ما للمرأة وما عليها إلا أنّها تعطي ما عليها وتكبت ما لها بين أضلاع صدرها، وإن باحت بقليل ممّا لها فانها لا تسايره حتى النهاية، بل تلمح إليه ثم تردعه. وهذا نتاج للحياة والتربية البدوية الصارمة التي عاشتها وتعيشها الشاعرة.
ولو أنّ شاعرتنا تعيش في مجتمع أكثر حضارة وانفتاحا، أيّ يحترم انسانيّة المرأة، ويعطيها الحرية في التعبير عن مكنونات نفسها؛ لأتحفتنا بقصائد غزلية سيتغنى بها الرّجال والنّساء، ولعلّمتهم كيف يكون الحبّ؟ وكيف تحبّ المرأة؟ مع التأكيد أنّ حبيب الأديبة والشاعرة قد لا يكون إنسانا من لحم ودم، وإنما هو محض خيال لما تريده المرأة في الرجل الحبيب، والعكس صحيح أيضا بالنسبة لحبيبة الأديب والشاعر.
وشاعرتنا تعرف ما هو الحبّ، وتعلم غرائز المرأة، وما المطلوب لاشباعها، فتحوم حولها، ترمي جملة شعرية هنا وأخرى هناك بهذا الخصوص، لكنها لا تلبث أن تتوقف عن مواصلة الطريق لكثرة “التابوهات” التي لا تقوى على اختراقها. ولنأخذ قصيدة ” الموت حبّا” ص26 كمثال، حيث تقول:” نفر من أصابعي المطر….هطل من خدّي التّفاح…نضج على شفتي الكرز…تكوّر رمّان نهدي”. وهذا الوصف المبهر هو دلالات نضوج الفتاة، وما يترتب على ذلك النّموّ الجسدي، فماذا حصل بعد هذا النضج؟ تقول:
” حين سمعت صوتك…تداعت جدران الصّدّ…ثار غبار الطّلْعِ…نما عشب الحبّ…تفتّحتُ كوردة…مشيت على رؤوس أصابعي…لئلا أزعج طيفك.” ولنلاحظ فيما سبق جمال وصدق البوح، فبعد أن اكتملت الفتاة أنوثة، صارت تفكّر بالحبّ، وبمن يقطف ثمار هذه الأنوثة ويطفئ نارها، وعندما سنحت الفرصة “تداعت جدران الصّدّ” وغرقت في بحر الحبّ، ولنكتشف لاحقا أن كلّ ذلك مجرّد حلم وخيال، أيّ أنّ المرأة تفكر بنصفها الآخر لتكتمل الحياة. وبعد نضج الفتاة وتفكيرها بنصفها الآخر ماذا تفعل؟ والجواب:”
همستُ بأغنية حلوة…رقصت على إيقاع كأس…لم يعد قلبي الوليد للتوّ…يحتمل عصف حبّك الجارف…لم أعد أحتمل…فإذا متُّ فاعلم أنّني متّ حبّا” ص27. وهذا يعني أنّها تنتظر نصفها الآخر كي تكتمل حياتها، وإذا لم يحصل ذلك فإنّها ستموت في حبّ لم يتحقق.
والشواهد كثيرة في ديوان منال النجوم على قصائد الحبّ العذري، فتحية لها.

وقال عبدالله دعيس:

تأخذك أصابع منال النجوم، التي تشع شعرا، إلى عالم خيالي قوامه الصور الشعرية المستوحاة من بيئتها. تقودك معها حيث تريد، بكلمات قليلة مصقولة بعناية رغم بساطتها، فتبوح لك بألمها، وتحكي لك قصتها، وتجسد مشاعرها. فالشعر ضوء يتدفق من أصابعها لكنه ينبع من جرح دام في قلبها.
جرح الغزالة ينبض شعرا
وعن آل بكرتها
المدائن تستقي دمها
عند الشاعرة قدرة هائلة على بناء الصور الفنية المتحركة التي تأخذك إلى عوالم غريبة جميلة. فقصائدها مجموعة من الصور المكثفة، تكتبها وكأنها مشهد سينمائي يدور أمامك، أو ريشة رسام حاذق يمزج ألوانه ليصور الطبيعة بصورة لا تشبه الطبيعة! فيشحذ تداخل الألوان خيالك ويدفعك إلى التفكير في ما وراء تناسقها أو تخالفها.
يبوح قلبها بمشاعر فياضة بصراحة وشفافية، تختفي وراءها امرآة عاشقة، امرأة معذبة، امرأة متشائمة تندب حظها العاثر وتبوح بحبها. يتسلل الأمل أحيانا إليها لكن روح التشاؤم تئده قبل أن ينطلق.
فالحياة تمضي سريعا وتنتهي، تذبل بسرعة. وكذلك اللحظات الجميلة، لا تلبث أن تنقضي قبل أن ندرك أنها بدأت، ثم نحزن على فواتها. فنحن نمر مرّا سريعا من هذه الدنيا وكذلك تنقضي لحظات الحب والسعادة.
كان الغزال يرعى على باب بيتي
عندما فاجأتني الشمس بزوالها
وانطفأ المشهد
ورغم سرعة انقضائها، فالحياة تجربة مؤلمة.
تشعل السيجارة
تكون ممعنة في رحلتها
تجاه النهاية
وحين نولد
يولد معنا الموت
تبدو الشاعرة متشائمة، والحظ العاثر يلازمها، وقد فاتها الزمان دون أن تسعد بلحظات حياتها. تعبر عن هذا بصور متعددة، وفي قصائد كثيرة. تأمل قولها:
الغراب شريكنا في قهوة بردت
وتظهر الشاعرة صورة المرأة المكسورة المقهورة التي تحارَب في عشقها وحبها وحقها في الحياة. فهي محاصرة من المجتمع والأقارب والزمن الذي يمضي سريعا ويسلبها نضارتها، لكنه لا يسلبها قلبها.
سال عسل الأيام
سلبوني خاتمي
فرح الناس
ارتشفت دموعي
وتبدو الشاعرة متألمة قد أعياها الألم، معذبة تبث جراحاتها في كلمات مؤثرة وصور تحرك شغاف القلب. ويبدو أنها مرّت بتجارب مريرة في حياتها أعطت قصائدها بعدا وجدانيا يترك بلا شك أثرا في نفس القارئ.
أنام
وأثني أجنحة السرو على وجعي
فغزال الغابة مجروح
أضنته الرحلة
وتقول:
صخرة سيزيف ماثلة أمامي
مستحضرة الميثولوجيا اليونانية لتعبّر عن ألمها الدائم وعن عبثية الحياة.
والشاعرة عاشقة، تعلن عن حبها وعشقها بصراحة دون مواربة. ومع أنها تحاول أن تبطن أفكارها داخل صورها، إلا أنها تبوح بحبها بشكل جلي. فهي تكسر حواجز أنوثتها وتعلن بصراحة ميل المرأة الفطري للرجل. وتصرح عن تجارب حب صعبة مرت بها بانتظار فارس أحلامها الذي يبدو أنه لن يحضر:
قلبي ليس قلب عذراء
فقد سنّته أسنان تالفة
ولاكته على مهل!
يؤلمها عدم اكتراث الحبيب لها رغم اندفاعها في حبه.
أكون ألهث!
وراء زيزفونتك الخاصة
وراء صدى موسيقى الرفض لي
وعدم الاكتراث
لكنها تعترف أن الفارس الذي ترسمه في مخيلتها لا وجود له في عالم الواقع، لذلك فإنه لن يأتي:
سأعتلي صهوة الأخيلة
أرسم ملامح رجل
فلا وجود لفارس أنوثتي
وتعلن الشاعرة موقفها من الحياة، فهي ستعطي الحب دائما حتى لو ووجهت بالقسوة والنكران.
سأمطر العالم حبا
وليمطرني العالم حربا
ورغم تشاؤمها وفقدانها الأمل، إلا أنها في نهاية المطاف ترسم دعوة خجولة للتمرد وعدم الرضا بالواقع فتقول:
لا، لا ترضَ …. فالنوم هوان!!
تذهلك الشاعرة منال النجوم بقصائدها، تأخذك لتعيش في عالم مختلف، ترسم حولك هالة من الصور الجميلة، تأسرك في عالمها، ببساطة لا تستطيع أن تفلت منها.
وقالت منال الغول:
لفتّ انتباهي عنوان الديوان الشعري (( أصابع من ضوء))، خيلّ إليّ ضوء الفكر والتأمل نابع من مكنونات شاعرة متميزة، شدتني إلى شعرها من عنوان ديوانها، ضوء خرج من أناملها لتدون أصدق المشاعر وتصور الحكايات والتجارب التي مرت بها.؟
عند قراءتي لشعرها خطر لي المقولة التالية لألبرتو مانغويل وهو كاتب أرجنتيني الأصل، كندي الهوية، ألبيرتو مانغويل، صاحب الكتب الشهيرة والرائجة عالميا ومنها «تاريخ القراءة» الذي ترجم الى لغات عدة : ( في القرن الثالث عشر كتب أحدهم على حافة مجلد يضم التواريخ الكنسية: “عند قراءة الكتب عليك أن تعتاد على ملاحظة المعنى أكثر من الكلمات، والتمسك بالثمار وليس بالقشور” ) وهذا ما ينطبق على هذه الأبيات .. ملاحظة المعاني الخفية والمضامين المستترة.
شعرها جميل، سلس اللغة لمسني من الداخل، داعب عقلي ووجداني، ولكنه كثير التشبيهات والصور يحتاج الى تركيز ذهني عالٍ في تحليل صورها الشعرية وإعادة بنائها، كنتُ أضيع في الصور التي شرعتُ في رسمها في مخيلتي حينا وحينا أخرى كنت أشعر بأنها تكتب وتصور ما بداخلي من مشاعر وأحاسيس.
أنا منال القارئة البسيطة غير ضليعة في الشعر ولا أفقه في النقد شيئا، أخذتني أبياتها وسرقتني تشبيهاتها وصورها الى عالم الخيال والأحلام، فلكل قصيدة من هذه الأشعار رسمتُ لها في مخيلتي العديد من الحكايات والأشكال والألوان، منها واقعية مما مررت به خلال أعوامي الستة والعشرين، ومنه النابع من عالم الفضاءات الشاسع المنسوج بخيوط الخيال المبدع المجنون انبثق من رؤيتي للحياة.
في بداية قراءتي للديوان لم يخطر ببالي سوى ما قالته لي معلمة اللغة العربية في المدرسة عن التشبيهات، وتوبيخها لي عندما قمت بكتابة نص يحتوي على تشبيهات وصور “كثيرة” قالت لي: كثرة التشبيهات يا منال تضعف النص الأدبي! وهذا ما قلته لأستاذي ابراهيم جوهر عندما شاركته برأيي عن الديوان، وتعلمت منه أن اللغة الشعرية اليوم تعتمد على الصور والصور هي التشبيهات… يمكن أن يكون القارئ بحاجة لمزيد من قراءة النص الواحد أكثر من قراءة واحدة…هذا صحيح، وهذا سبب ما يقال حول صعوبة الشعر الحديث وتعقيده.
ملاحظة صغيرة: هذه أول مرة أنجذب لديوان شعر وانهي قراءته، ولا زال لدي الرغبة لمعاودة قراءته مرة أخرى وتخيل أشكال وألوان جديدة.

mnalsherasb3
وقتا رفعت زيتون:
هذا هو الديوان الثاني الذي يسعفني حظّ الشعر الجميل أن أقرأه لهذه الشاعرة المجيدة ذات الحروف المضيئة، والتي آثرت أن تنآى بنفسها عن التقليد فانتبذت من المألوف مكانا قصيّا لتؤسس لنفسها قصرا شعريا مختلفا لو نظر إليه أحد من بعيد فسيعرف أنه لمنال النجوم.
لا أقول هذا إلا بناء على دلائلَ ومقومات ألخصها فيما يأتي، وهي أيضا تمثل الملامح العامة لأسلوب الشاعرة منال النجوم..
أولا : الشاعرة متمرّدة على المألوف من الشعر رغم التزامها بتفعيلات الخليل ولكن التّمرد يأتي عندما تشعر الشاعرة أن هذا الوزن سيبتعد عن الفكرة التي تريد ،فإنها تلغي الإيقاع من حساباتها غير آبهة بما جاء به الأقدمون وساروا على نهجه.
وربما جعلت قسما من القصيدة على تفعيلة بحر ثمّ أكملت على بحر آخر كما جاء في قصيدة ( هذيان) حيث ابتدأتها بتفعيلة كامل الخليل متفاعلن ثمّ أكملتها بمتدارك الأخفش. هذا الخروج عن التقليد فيه من المجازفة الكثير، ولكنّ فيه الكثير من الجمال والفائدة لفكرة القصيدة. والحقيقة أنني أثمن وأحبّ هذا التمرد، ولكنني أنكر عليها إغضاب الخليل.
ثانيا: أن الشاعرة تكتب برمزية أعلى من العادية المفهومة ولكنها دون المبهم منه، وبالتالي ففهم المقصود يحتاج إلى قارئ غير عاديّ، ولكنها لا ترميه في آبار العجز فلا يفهم المقصود، هي تريد أن توصل الفكرة ولكن ليست بسهولة يستطيعها الكثيرون.
ثالثا: اعتمادها الومضة الشعرية التي قد تأتي بالفكرة في بضعة سطور، وتنتهي عندها القصيدة ومثال ذلك (قصيدة فراغ ) في ص 59 حيث تتسلسل في رسم الصور الواحدة تلو الأخرى في جمل يشعرها القارئ منفصلة أو غير مترابطة، ولكنها في حقيقتها مشاهد متلاحقة لسيناريو قصة واحدة. وتتجلى هذه الفكرة بقصيدة ( ومضات) ولا أدري إن جاز تسميتها بالقصيدة
لأنها جاءت على شكل فقرات منفصلة، كلّ منها حمل فكرة مغايرة، ولعلها
أسمتها ( ومضات) لهذا السبب.
رابعا: طغيان الحسّ الأنثويّ، وإبراز جرح المرأة دون التّعرض للرجل على خلاف
الكثيرات من الكاتبات اللواتي يحاولن الظهور على ظهر امتهان الرجل. فهي من ناحية
تحمله وزر انكسارها، ولكنّها لا تفرط في اللوم ولا تسيء في اللفظ. تقول في قصيدة “ومضات”:
“مكسورةٌ نصفين
الذي اجتثّ من فمي الشفاه
ومن أحداقي العينين
محض رجل”
خامسا: أنّ قصائد الشاعرة منال النجوم قد تخدع القارئ، فيذهب فكره إلى معنى معيّن، ويكون في ذهن الشاعرة معنىً مغايرا تماما. وأحيانا أجد عندها من النصوص ما تريدُ أن تحتفظ بسرّه لنفسها، فهي متمرّدة حتى على فهم القارئ.
سادسا: الجرأة الواثقة والذكية بحيث لا تخرج من عباءة العرف والمعروف، وهذه لا تتأتى إلا على أيدٍ ماهرة تعرف من أين يؤكل كتف القصيد. ومثال ذلك قصيدة ( رجلٌ لن يجيء) ففي هذه القصيدة تطرح بجرأة وذكاء مشاكل اجتماعية ما زالت تعبث في استقرار كثير من الناس عاطفيا ونفسيا، قضايا لا يتطرق إليها الكثيرون أو الكثيرات خشية سوء الفهم، ومن ثمّ ردّات الفعل. هي لم تُخف إحساس الأنوثة في حالة وجدانية محددة، وتطرحها كما هي دون إخفاء لتفاصيلها، بل وتغوص في تفاصيل تفاصيلها.. فتقول في قصيدة “الموت حبّا”
“نفر من أصابعي المطر
هطل من خدي التفاح
نضج على شفتي الكرز
تكور رمان نهدي
حين سمعت صوتك”
سابعا: الاشتغال والصناعة الأدبية الواعية، فهي تختار مفرداتها بعناية فائقة لتصل إلى المعنى وها هي تقول :
“الأحرف التي أصطادها
أرعاها بعناية تامة”
منال النجوم لا مباشرة في قصائدها إلا القليل مما لا يحتمل الرّمز، ففي قصيدة (تفاصيل) مثلا تقول:”قفزة الحمل اللولبية
مثيرة للنرجس
نبتة البازيلاء بقطوفها المتهدلة
تعزف لحن الشتاء
شروق شمس الروح
له انعكاس داخل النص”
أجادت هنا الشاعرة في الاشتغال على النصّ، وأتقنت فنّ الصناعة الأدبية الرمزية
بصورة عجيبة توحي بالتمكن وامتلاك كل الأدوات. هي تثير زوابع الأسئلة المباحة في وجه القارئ كريح قوية وربما تنتظر الإجابات رغم معرفتها مسبقا بالجواب فتقول:
“فكيف تغني القصائد
في الخربة الصامتة”
وأقف أيضا على بعض مظاهر هذا التمكن من خلال بعض الجمل الشعرية التي تشهد لها بذلك، ومنها: في قصيدة ( بين بين ) صفحة 48 تقول:
“بيني وبين الناس ظلّ يحتضر”
جملة يبنى عليها تصور كامل عن علاقة بطلة القصيدة وبين عالم تعيش فيه، هي لم تقطع الشعرة التي بينها وبين الناس بدليل أنّ الظلّ يحتضر، فالعلاقة لم تصل للموت، ولكنها تصوّر أنّ هذه الشعرة أضعف من احتمال مزيد من الشّد.
اختيار المفردات كان موفقا جدا، فالظلّ لا يمثل الحقيقة وإنما شبح الحقيقة وخيالها، والحقيقة تمثل الملموس والظلّ يمثل المرئي فقط وغير الملموس، فربما نرى بأعيننا علاقة بين الولد ووالده أو الزوجة والزوج، ولكنّ هذه العلاقة لا تكاد تلمس على أرض الواقع، فاستخدامها للظلّ إذن فيه الكثير من بلاغة المعنى. أما الاحتضار لهذا الظلّ فهو الفتور المتزايد والمتنامي والمتواصل لعلاقة لا روح فيها، وما ليس فيه روح لا بدّ ميّت في النهاية.
وفي قصيدة ( حالات ) تبدع منال النجوم في رسم الصور في حالاتها المختلفة،
في حالة التقاط الفكرة وكتابة النصّ تقول:
“خلف البنفسج يركض قلبي، وخلف الجمال، أطلق عنان خيالي لمفردة”
وحالة أخرى قد يمرّ بها أي إنسان، وهي حالة نصف الموقف، حالة الرمادية المقيتة، حالة اللاقرب واللا بعد، تقول شاعرتنا:
“لا نلتقي
لا نفترق
بقينا هكذا على الحواف
والطريق بيننا فراغ”
وفي ظلمة الليل التي تلجأ إليها كلما داهمتها الظنون تمسك اللجام، وتنطلق فوق ظهر حرفها الجموح، وبصحبة فنجان قهوتها لتصل إلى عوالم ربما لم تكن في حسبانها.
هي منال نجوم “بأصابع من نور تكتب قصيدتها، بدموع من بلور تبكي قبح العالم،
بابتسامة خرافية تستقبل بصيص الفرح”
هذه كلها أعتبرها ملامح الحالة الشعرية عند منال النجوم، وبعض جوانب طرحها، وكذلك فلسفتها في الحياة وأحلامها، آمالها وآلامها، وعندما تتحدث منال فإنها حتما تحاول أن تكون لسان حال بنات جنسها وهي طبعا جزء من هذا الجسم.

أمّا عماد الزغل فقد قال:
أصابع من ضوء شعر نسائي بامتياز
كثيرا ما دار الجدل بين النقاد حول حالة الأدب النسائي أو أدب المرأة، وتاهوا في متاهات تحديد هوية أدب النساء أو أدب المرأة، فأما من بحث عن أدب النساء مجسدا في ديوان شعر فهو بلا شك في ديوان “أصابع من ضوء” لمنال النجوم، والسر في ذلك أنها في هذا الديوان تلهث وراء ظل رجل رسمته في أحلامها، رجل ليس ككل الرجال، فارس يجمع كل صفات النبل والرجولة بل والذكورة أيضا، كل القصائد في هذا الديوان ارتفاع عن واقع أليم وتحليق في خيال محلق، ورفض للأنثى أن تكون في فراش من لا تحب ولا تعشق.
تفاحة حمراء
الدودة تعبث بكينونتها
في الفراش معا تكون أنت أنت
ولا أكون أنا
بل إن شعرها لا يغدو شعرا إلا عندما تحلم بطيف ذلك الرجل، ولا يسيل شعرها عسلا إلا عندما يتلبس بها:
وحين يسيل الشعر من قلمي
كعسل النحل
تكون قد تلبست بي
إن الحالة التي تعيشها معظم قصائد منال، هي حالة بائسة أجبرت فيها الفتاة على أن تعيش في واقع أليم بعيد عن أحلامها وطموحاتها، وكل الصور الفنية جاءت انعكاسا لهذه الحالة:
مزق الليل قميصي
احتل الشتاء وجع اليمامة
رحلت هكذا
كأن عود ثقاب انطفأ
فمن هي تلك اليمامة سوى تلك المرأة الحالمة؟ وما هو عود الثقاب الذي انطفأ؟ سوى تلك الفتاة التي تزوجت ممن لا تحب وعاشت في البيئة التي لا تحب، ‘إنها النموذج للفتاة الشرقية الحالمة التي تقودها العادات والتقاليد لتكره على الزواج ممن لا تهوى، وتبقى صورة ذلك الشاب الذي أحبت تحلق في خيالها وتنغص عليها عيشها الرتيب.
أما صورة الرجل الذي لا تحب منال فقد اختارت له صورا فنية بائسة عبرت فيها عن كره الرجل الشرقي المتسلط الذي يعيش مع من لا تحبه رغما عنها. فهو دودة تأكل تفاحة حمراء، وهو حصان أعرج، كما قالت في قصيدة “فراغ”
وهو حينا كلب ضل الطريق:
كلب أضل الطريق
منشغل بالنباح
وهو حينا آخر باب عملاق:
الباب عملاق علي
وأنا العدو بمقلتي
حيطان داري عالية
رغما عنها تحتويني
بين سجني
إنها الأنثى التي لا تجد رجلا يستحقها من رجال الأرض:
سأعتلي صهوة الأخيلة
أرسم ملامح رجل
فلا وجود لفارس أنوثتي
إن ديوان منال هو محاولة للانعتاق من الظل الثقيل للرجل الشرقي، ومحاولة للتحليق وراء الأخيلة علها تأتيها بفارس أحلامها.

وشارك في النقاش: نسب أديب حسين، سوسن عابدين الحشم، رشا السرميطي، رائدة أبو صويّ وراتب حمد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة