عن خمريّات أبي نُـوَاس

تاريخ النشر: 02/12/17 | 18:25

اتصلت بي السيدة بسمة كراشة، وهي مذيعة جزائرية تعمل في محطة الإذاعة البريطانية- (B.B.C) تسألني عن رأيي في خمريات أبي نواس، وذلك على ضوء صدور كتاب
Vintage Humour: The Islamic Wine Poetry of Abu Nuwas
للكاتب الإنجليزي د. أليكس رويل- Alex Rowel يذهب فيه إلى أن خمريات أبي نواس هي ذات أبعاد صوفية.
..
لم أطلع على الكتاب، ويستلزم النقاش أولاً أن أقرأ دعاوي المؤلف، وكيف بناها أو كيف توصل إليها.
لكني استبعدت مسبقًا أن يكون ذلك كذلك على ضوء هيامه بالخمرة وما يصاحبها من خلاعة ومجون.
يقول أبو نُوَاس (بضم النون وتخفيف الواو):

ما زلت أستلُّ روحَ الدنِّ في لُطُفٍ *** وأستقي دمه من جوف مقروح
حتى انثنيت ولي روحان في جسدي *** والدنّ منطرح جسمًا بلا روح

ها هو الشاعر يفرد للخمريات بابًا مستقلاً، فجعل له عالمًا خمريًا متكاملاً وفي قصائد مستقلة، بل في قالب قصصي، ذكر فيه الساقية ومجلس الشراب والندامى والحانة، وذكر فيه الجواري والغلمان والغزل بالمذكر.
..
ترك أبو نواس الوقوف على الأطلال، وبدأ قصائده بذكر الخمرة، وأحيانًا بنوع من الاستهانة بالعرب وتقاليدهم:

لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند *** واشرب على الورد من حمراء كالورد
فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة *** في كفّ جارية ممشوقة القدّ
تسقيك من طرفها خمرًا ومن يدها *** خمرًا فما لك من سكرين من بد
..
وصف الخمرة بألوانها وتأثيرها وما تقادم منها، فهي الدواء للداء- يقول ذلك بنوع من تأثره بالفلسفة، حيث كان الشاعر مثقفًا مطلعًا على العلم الذي عُرف في عصره:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء *** وداوني بالتي كانت هي الداء

يخاطب الشاعر هنا إبراهيمَ النظّام الشيخ المعتزلي، وكان يشير إليه بحرمة الخمرة وأنها كبيرة، وكان يقول له: إن الله لا يعفو عن مرتكب الكبائر.
يجيبه الشاعر:
فقل لمن يدعي في العلم معرفة *** حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء
لا تحظرِ العفوَ إن كنتَ امرأً حرِجًا *** فإن حظرَكَه بالدين إزراء
..

ذكرت أنه سخر من حياة العرب، وهو يربأ بالخمرة أن تكون قريبة منها، فالوقوف على الأطلال والبكاء عليها لا يعني الشاعر، فالبكاء هو على افتقاد الخمرة:

لتِلكَ أَبْكِي، ولا أبكي لمنزلة *** كانت تحُلّ بها هند وأسماء
حاشا لدرّةَ أن تُبنى الخيام لها *** وأن تروح عليها الإبل والشاء

و في هذا المعنى يقول:
عاجَ الشقِيّ على دارٍ يُسائِلُها *** وعُجت أسأل عن خمّارة البلد
قالوا ذكَرْتَ ديارَ الحيّ من أسَدٍ *** لا درّ درُّك قل لي: من بنو أسد؟
ومن تميمٌ وقيسٌ وإخوتهم؟ *** ليس الأعاريب عند الله من أحد
كم بَيْنَ من يشْتَري خمراً يلَذّ بها *** وبين باك على نُؤيٍ، ومُنْتَضَدِ!

ويقول:
قل لمن يبكي على رسم درس *** واقفًا ما ضر لو كان جلس؟
اتـركِ الـرَّبْـعَ ، وسَـلمي جـانـبـًا *** واصطبحْ كَرْخيّة ً مثل القبسْ
بنْتُ دهْرٍ، هُجرتْ في دنّها *** ورمتْ كلّ قَذاة ٍ ودَنسْ
كَدَمِ الجوْفِ، إذا ما ذاقَهَا *** شاربٌ قطّب منها وعبسْ
ومن الصور الساخرة التي تدل على تعشقه الخمرة واستهتاره بالدين:

وضَعِ الزّقّ جَانِباً *** ومـعَ الـزّقّ مُصْـحَـفَــا
واحْسُ من ذا ثلاثَة ً *** واتلُ من ذاك أحرفا
خـيْـرُ هـذا بـشَــرّ ذا *** فإذا الله قد عفا
فلقد فازَ من مَحَا *** ذا بِـذا عـنــهُ ، واكْـتَـفَـى
دعا أبو نواس إلى التنعم بالشراب، وثار على التقليد منطلقًا من نظرة شعوبية، فخصص الخمر في قصيدة مستقلة، وأدخل الجو القصصي في تفاصيل أبدع في عرضها.
هو جريء في طلبها رغم الجو الإسلامي من حوله، ويبدو أن عصره ساد فيه تياران يتعايشان معًا:
تيار المجون والجواري بكل ما يستلزم ذلك من أجواء، وتيار الزهد والعبادة.
ولم يكن في حينه ذلك التهديد الذي يلحق بكاتب كان يدعو إلى الإلحاد، أو ذلك الرفض القاطع لقصائد الغزل، وحتى الغزل بالمذكر كان له شعراؤه ورواده ومريدوه.
يقول أبو نواس، وهو شاعر تردد على بلاط الخلفاء العباسيين:
ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر *** ولا تسقني سرًا إذا أمكن الجهر
فما العيْشُ إلاّ سكرَة ٌ بعد سكرة ٍ*** فإن طال هذا عندَهُ قَـصُــرَ الـدهــرُ

فَبُحْ باسْمِ من تهوى، ودعني من الكنى *** فلا خيرَ في اللذّاتِ من دونها سِتْر
ولا خير في فتك بغير مجانة *** ولا في مجون ليس يتبعه كفر

فقُمنـا إليه واحدًا بعدَ واحِـدٍ *** فكـان بهِ من صَـومِ غُـربتنـا الفِــطــرُ
فبِتنا يرانا الله شَرَّ عِصابة ٍ *** نُجَرّرُ أذْيالَ الفُسوقِ ولا فَخْرُ

جدير بالذكر أن أبا نُوَاس في أخريات حياته عاد إلى الزهد، وله عدد من القصائد الدينية، على نحو:
يا رَبَّ إن عَظُمَت ذُنُوبی کَثرَهً *** فلقد عَلِمتُ بِانَّ عُفوکَ أعظَمُ
إن کانَ لايرجُوکَ الا مُحسِنٌ *** فبِمَن يَلُوذُ و يستجِيرُ المُجرِمُ؟
أَدعوکَ رَبِّ کما أمَرتَ تَضَرُّعًا *** فإذا رَدَدتَ يَدَي فَمَن ذا يرحَمُ
ما لي اليکَ وسيلهٌ الاّ الرَّجا *** وجميلٌ عَفوِکَ ثُمَّ أنّي مُسلِمُ
..
ومنها:

إلـٰـهنا ما أعدلك *** مليك كل من ملك
لبيك قد لبيت لك *** لبيك إن الحمد لك
والملك لا شريك لك *** ما خاب عبد أمّلك
أنت له حيث سلك *** لولاك يارب هلك

ب. فاروق مواسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة