الفراشتان

تاريخ النشر: 14/05/16 | 0:00

قابلت فراشة أختاً لها تتهادى في رشاقة ، فمرت بها دون أن تسلم عليها ،
فصاحت بها الثانية وهي تضحك :
( يتهنأ بعقلك من أكله !! ) ..
قالت الأولى وعلى وجهها يحوم انبهار ، وفي عينيها يتضح ذهول مخيف :
ليس الأمر كما تظنين ، ولكني مصعوقة أكاد أموت من الهم والقلق ..
قالت الثانية وقد اتضح أنها تأثرت بما سمعت :
ما الخبر؟ لقد عكرتي عليّ ساعة سعادة كنت أتقلب فيها ..
قالت الأولى ولا يزال يتوهج في عينيها ذهول غريب :
لقد سمعت اليوم أن أقصى ما يمكن أن تعيشه الفراشة منا
ليس سوى أسبوعين فقط ..!
ضحكت صاحبتها حتى كادت تسقط ، ثم قالت وهي تضرب صدر أختها بجناحها :
( يخرب عقلك !! ) كنت أظن أن عندك جديداً تقولينه ..!!
قالت الأولى وهي تكاد تبكي حزناً وفزعا :
أو ليس هذا بالخبر القاتل ؟
أي حياة هذه التي يمكن أن تتنعم بها الواحدة منا ،
وهي لا تتعدى أسبوعين ، هذا إذا امتد بها العمر ، ووصل إلى نهاية هذه المدة ..!
قالت صاحبتها وهي تتراقص في دلال :
يا لك من غبية ، ألا ترين إلا اللون الأسود في الصورة الجميلة !؟
ألا فاعلمي أن كلمة أسبوعين معناها في معجمنا الخاص ، قرنين طويلين من الزمان !
ألا ترين أن الأسبوعين يحتويان على أربعة عشر يوماً ،
وفي كل يوم أربع وعشرون ساعة ، وفي كل ساعة ستون دقيقة ،
وفي كل دقيقة ستون ثانية ، ففي هذين الأسبوعين آلاف الدقائق كما ترين ،
وهذا هو عمرنا في الحقيقة ، وعلينا أن نملأها
بالمسرات والضحك ، والبهجة والحبور ، والقهقهة والغناء وشيء من المجون أيضاً..!
صاحت الأولى في غضب واضح :
دعي عنك الوهم ، واخرجي من المغالطات ، ولا تضحكي على نفسك ،
إنما هما أسبوعان فحسب ، وعليك أن تحسبي جيداً لكل يوم حسابه ،
هذا إذا كان لا يزال في رأسك بقية من عقل ..!!
ضحكت الثانية ، وأخذت تتهادى حول أختها ، ثم قالت :
لكلٍ منا طريقه ، عندي أن حياتي بالدقائق ، وعندك أن حياتك بالأيام ،
فحياتي إذن أطول بكثير من حياتك يا صديقتي .. !
ثم همّت بالتحليق وهي تبتسم ، غير أن مصباح الغرفة اشتعل فجأة
في تلك اللحظة نفسها ، فالتفتت إليه ، وسرعان ما اتجهت نحوه ،
وحامت حوله قليلاً ثم اندفعت في فتحة المصباح لتأكلها النيران ..!
لم تعش المسكينة سوى لحظات سريعة ، مرت كطرفة عين ،
ولو امتد بها العمر لما تجاوز عمرها أسبوعين على كل حال ..!!
حين رأت الفراشة الأولى مصير أختها انهمرت دموعها ، وارتجف بدنها ، ثم قالت :
يا للمسكينة ! عاشت على الأماني ، وانتهت بلا شيء ..!!
ثم أخذت تنوح على نفسها وعلى أختها ،
غير أنها ما لبثت أن استجمعت نفسها ، وقد عزمت على شيء ، قالت لنفسها :
إذا كان ولابد من الموت ، وبهذه السرعة الخاطفة ، فعليّ إذن
أن أملأ دنياي بالخير والهدى والصلاح ، لي ولمن حولي ،
فلعل من يأتي بعدي يذكرني بأحسن سيرة ، وفي هذا امتداد لعمري في الحقيقة ..!
ولمّا ولدت هذه النية في نفسها ، تغيّرت حالتها النفسية ،
وامتلأ وجهها بالبهجة والمسرة ، وحلّقت عالياً وهي في حالة انتشاء عجيب ..!

هذا ما كان من قصة الفراشتين .. !!!

فاعتبروا يا أولي الألباب ، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد

1 (20)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة