ما حكم تنظيم النسل وتحديده؟

تاريخ النشر: 05/08/15 | 5:43

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى له وصحبه أجمعين وبعد:
إنّ الإسلام قد اعتنى في بناء الأسرة المسلمة التي تقوم على التراحم والمودة بين الزوجين فكان لكل واحد منهما حقوق وواجبات، بيّنتها الشريعة الإسلامية وجعلت للزواج هدفاً أسمى هو بقاء النوع الإنساني وتكاثره، فقال صلى الله عليه وسلم: ( تناكحوا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة ). [رواه ابن ماجة].
وقال أيضاً: ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ). [رواه مسلم].
فكان الإنجاب هدفاً من أهداف الزواج في الإسلام، وهو هدف مشترك بين الزوجين.

وإنّ مصطلح تنظيم النسل وتحديده يطلق عليه في عرف الفقهاء قديما بالعزل ، وهو مصطلح قد ورد بالسنة المطهرة .
وقد اختلف المعاصرون في تحديد الفرق بين التنظيم والتحديد ، فهنالك من أطلق مصطلح التنظيم وأراد به التباعد المؤقت بين فترات الإنجاب وأمّا التحديد فهو إيقاف النسل مطلقاً ، وهنالك من قال : التنظيم يكون بناءً على توافق الزوجين سواءً أكان مؤقتاً أم مؤبداً ، وأمّا التحديد فيكون من قبل الدولة .
والذّي نختاره هو أنّ التنظيم : التحكم المؤقت بين فترات الإنجاب وأمّا التحديد فهو إيقاف النّسل على وجه التأبيد .

ولبيان الحكم الشرعي في هذه المسألة نقول :
-إن كان التنظيم أو التحديد من قبل الدّولة فلا يجوز .
-إن كان إيقاف النسل عن طريق استئصال القدرة على الإنجاب فلا يجوز .
-إن كان التنظيم مؤقتاً بتراضي الزوجين فلا مانع إن اقتضته ظروف اجتماعية أو اقتصادية أو صحية خاصة وتعود تحديد المدة لظروف الزوجين بحسب ما يرياه مناسباً .

جاء في فتوى صادرة عن لجنة الفتوى بالأزهر 1372 للهجرة: ” إن استعمال دواء لمنع الحمل مؤقتاً لا يحرم على رأي الشافعية، وبه يفتي المجلس لما فيه من التيسير على الناس ورفع الحرج لا سيما إن خيف من كثرة الحمل أو ضعف في المرأة من الحمل المتتابع والله تعالى يقول: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }. [ البقرة: 185 ]، ويقول تعالى: { وما جعل عليكم في الدين من حرج }. [ الحج: 78 ]. وأما استعمال دواء لمنع الحمل أبداً فهو حرام “.
– وفي قرار مجمع الفقه الإسلامي الدورة الخامسة 1988م: ” يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل أو المرأة وهو ما يعرف ( بالإعقام ) أو ( التعقيم ) ما لم تدع إلى ذلك ضرورة بمعاييرها الشرعية “.
– وقال العز بن عبد السلام في فتاويه: ” وليس للمرأة أن تستعمل ما يفسد القوة التي يتأتى بها الحبل “.

الأدلة:
1 – عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعزل عن امرأتي فقال له صلى الله عليه وسلم: ( ولم تفعل ذلك )؟ فقال الرجل: أشفق على أولادها فقال صلى الله عليه وسلم: ( لو كان ضارا لضر فارس والروم ) . [رواه مسلم].
فقد دلّ الحديث على أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عن ذلك ولو كان حراماً لنهى عنه صلى الله عليه وسلم.
2 – عن جابر رضي الله عنه قال: ( كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا ). [رواه مسلم].
3 – قال الشافعي: ” ونحن نروي عن عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم رخصوا في ذلك ولم يروا به بأساً “.

– أما العزل عن الزوجة بغير إذنها فحرام – عند: [ الحنابلة، والمالكية، أبي حنيفة، وهو وجه عند الشافعية، وابن حزم، وأيده الدكتور القرضاوي، والدكتور البوطي، والدكتور عبد الكريم زيدان ].
– قال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: ” ولعل الذي يقتضيه الدليل ويتفق مع القواعد ما ذهب إليه الجمهور في اشتراط رضا الزوجة “.

و الدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد وابن ماجة عن عمر رضي الله عنه قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها ). [ قال الهيتمي في مجمع الزوائد: في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف. قال الألباني في ضعيف سنن ابن ماجة: ضعيف].

كما أنّ للزوجة في الولد حقاً مع الزوج وفي تفويت هذا الحق أضرار بها، ثم إن العزل من شأنه أن يفوت عليها لذة الجماع، فإن العزل عنها بدون رضى منها فقد أضر بها.

والخلاصة : يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل أو إيقافه لمدة معينة من الزمان إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعاً بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراض بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر وأن تكون الوسيلة مشروعة وأن لا يكون فيها عدوان على حمل قائم.

والله تعالى أعلم
المجلس الإسلامي للإفتاء

o

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة