إياكم وهيشات الأسواق !

تاريخ النشر: 03/12/10 | 0:40

بقلم:يوسف جمل

لم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديثٌ الشريف ، بأن الكلام في المسجد يحرق الحسنات كما تحرق النار الحطب , لكن ليس معنى ذلك أن يكون هذا مبرراً له , ففي كثير من المواضع في السنة والسيرة النبوية وسيرة الصحابة ما يجزي في هذا الباب .

فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثلاثاً، وإياكم وهيشات الأسواق) رواه مسلم .

أي: ضجيج الأسواق ورفع الصوت، قال النووي : هيشات الأسواق أي اختلاطها والمنازعة والخصومات وارتفاع الأصوات واللغط والفتن التي فيها .

والأسواق أماكن وجود الشياطين براياتها، فلا يصير المسجد مثل السوق، برفع الصوت، بل نتعلم أدب المسجد في عدم رفع الصوت فيه، وأحياناً نستحي ونخجل من كبار السن عندما تكون أصواتهم عالية. وقوله: (إياكم) تحذير من النبي صلى الله عليه وسلم أن تشبه المسجد بالسوق، ويا حبذا أن يذكر بعضنا بعضاً، فعندما تسمع أحدهم يرفع صوته تنبهه لكن بعض الناس تقول له: اخفض صوتك، يقول صوتي هكذا،أو تجد نفسك قد وقعت في مأزق أو مشكلة وربما خصام وربما يصير فيما بعد يتعمد استفزازك أنت وغيرك بالكلام المتعمد لمجرد أن قدمت له نصيحة أو ملاحظة وهنا يجب فعل ذلك من باب الأمر بالمعروف وآداب المساجد وبحسب المستطاع وبأسلوب طيب وربما بصورة شخصية وليس بحوار علني يدعو إلى المشاحنات والرفض والتحدي .

يجب أن نعي أنه لا يجوز أن تشوش على غيرك، وأيضاً غيرك لا يشوشون عليك بقدر المستطاع حتى ولو كان ذلك بقراءة القرآن أو الذكر والدعاء .

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ( اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال : ألا إن كلكم مناجٍ ربه فلا يؤذي بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة ) رواه أبو داوود بإسناد صحيح .

وورد في الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال ( إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن ) رواه مالك بسند صحيح قاله الألباني .

وقد همّ عمر بن الخطاب بتعزير من يرفعون أصواتهم في المسجد ، روى البخاري عن السائب بن يزيد قال : كنت قائماً في المسجد فحصبني رجل – أي رماني بحصاة – فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب فقال : اذهب فائتني بهذين ، فجئته بهما ، فقال : ممن أنتما ؟ قال : من أهل الطائف ، قال : لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ?

وفي فتوى للدكتور حسام الدين عفانة – أستاذ الفقه وأصوله – جامعة القدس – فلسطين يقول :ـ إن حال كثير من المساجد اليوم محزن نتيجةً لجهل كثير من المسلمين بأحكام المساجد وآدابها فترى في المساجد الحلقات التي يعقدها الناس ويدور الحديث فيها عن الأمور الدنيوية وإذا وقف الحديث عند الأمور المباحة فحسن ، ولكن كثيراً منهم يتجاوز المباح إلى الحرام فيتكلمون في أعراض الناس ويغتابونهم ويضحكون ويستهزئون ويجادلون ونحو ذلك من كلام لا يرضي الله .

والأصل أن الجلوس في المسجد عبادة وينبغي للمسلم أن يشغل وقته في المسجد إما بالصلاة أو بالذكر والدعاء أو يقرأ القرآن فإن لم يفعل شيء من ذلك فلا يتجاوز الكلام في الأمور المباحة .

ولقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن زمان يتحلق الناس فيه في المساجد لا همّ لهم ولا كلام إلا في أمور الدنيا وقد ذمهم على ذلك .

عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يأتي على الناس زمان يتحلقون في مساجدهم وليس همهم إلا الدنيا وليس لله فيهم حاجة فلا تجالسوهم ) رواه ابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد .

ومن الأمور المخالفة للشرع والتي تشوش على المصلين والتالين والذاكرين ويفعلها الناس في المساجد ، البحث عن المفقودات أو البيع والشراء وجمع التبرعات أو طلب الصدقة والمساعدة من أفراد أو هيئات وحتى أحياناً دخول نساء إلى المسجد للاستجداء بصورة منفرة .

ومن الأمور المزعجة الهواتف الخلوية التي يصطحبها المصلون معهم فتتسبب في إزعاج المصلين برناتها ودقاتها التي تحتوي في البعض منها على موسيقى وأغان وأصوات مطربين ومطربات أو أمور تزعج المصلين وتقطع خشوعهم .

ومن الأمور المزعجة قدوم مجموعات من الأطفال والفتيان بدون مرافقة أولياءهم فيحدثون تشويشاً وإزعاجاً وجلبة , وهذا لا يعني بمعارضة قدومهم بل بالعكس يجب تشجيعهم وحثهم على القدوم للمسجد ومراعاة تنبيههم إلى السلوك الحسن وعدم الإزعاج .

ومنها أيضاً موضوع نظافة المسجد وصيانته والمحافظة عليه وبالذات في أماكن الوضوء والمراحيض حيث نرى العديد منا من لا يولي أهمية لذلك وذلك من باب أنها ليست بيته ولا خاصته فيتوانى ويتقاعس عن رعايتها والمحافظة عليها واستعمالها بصورة معتدلة وصحيحة .

ومنها أيضاً ترك الأحذية في مدخل المسجد مما يتسبب في الأذى للقادمين والداخلين والخارجين وإعاقة دخول وخروج المصلين وذلك في الوقت الذي نرى أنه تم تخصيص أماكن خاصة للأحذية لهذا يجب أن نحرص على وضع الأحذية فيها بقدر المستطاع .

إذاً: اغضض من صوتك، وتذكر قول الله تعالى : (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ )(لقمان:19) . اخفض صوتك ولا ترفعه فتزعج الناس به في المساجد، والطرقات، والبيوت، بل تعود أن يكون صوتك منخفضاً، فإذا كنت تحتاج لرفع الصوت كداعية أو إمام في خطبة أو غيرها فلا تكون الخطبة كلها من أولها إلى آخرها صياح، ولكن الخطب مواقف  ولا تقل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع صوته في الخطبة كلها، فإن راوي الحديث يقول: (كان إذا ذكر الموت صلى الله عليه وسلم علا صوته، واشتد غضبه، واحمر وجهه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم)، فليست الخطبة من أولها إلى آخرها إزعاج، ولكن يرفع صوته عند الاحتياج إلى ذلك، ويخفض صوته عند عدم الاحتياج للرفع، والخطبة المقصود منها عظة وتعليم الناس لا إزعاج الناس برفع الصوت…….

وقد ذكر لنا سبحانه وتعالى:(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ )(الزمر:9)، هنا استفهام إنكاري لتقرير الحكم، أي: لا يستوي الذين يعلمون مع الذين لا يعلمون، إنما يتذكر بالقرآن وبالموعظة أصحاب القلوب الصحيحة المستقيمة، ويعرض عن التذكرة أصحاب القلوب المريضة السقيمة، فلذلك ربنا سبحانه وتعالى يذكر أن الذي يستفيد وينتفع بهذا العلم هم أصحاب البصائر والألباب…….

‫3 تعليقات

  1. حياك الله اخي الكريم…وجمل ايامك بالسعادة والعطاء

    كلماتك نصائح من ذهب….مقالاتك دائما قيمة وفيها الحكمة..

    حين عادوا الحجاج الى البلدة بعد منتصف اليل استقبلوا بالمتفرقعات

    وهذا امر موسف حقا…فيه ازعاج للناس عامة ..

    في الفقرة الاخيرة من مقالتك تطرقت الى امر مهم ..فيه عظة لقسم

    كبير من مشايخنا..حبذا ان تكون الخطبة فى موضوع واحد…وتكون

    هادفة..وبصوت هادى…موجهة الى عقول المصلين

    استاذي الكريم سلمت اناملك…وجزاك الله الخير والحكمة

  2. كم هي رائعة مقالاتك في فحواها من صميم واقعنا ومجتمعنا… توجه الأنظار الى ظواهر سلبية تحتاج الى اجتثاثها حتى نكن شعبا حضاريا متوجا بتاج الوقار بالقيم الإيمانية والأخلاقية والإنسانية…. بارك الله بك يا ابن جت الأستاذ يوسف، استاذ الفضيلة وكلمة الحق للتوعية والصلاح والإصلاح….وحياك الله في موقع بقجة في بلدنا كفرقرع…
    المساجد هي بيوت العبادة للمسلمين، والمسلم يحرص على الذهاب إلى المسجد لأداء الصلوات به لما في ذلك من أجر عظيم، قال صلى الله عليه وسلم: (من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له نُزُلا من الجنة كلما غدا أو راح) [متفق عليه].
    ومن آداب المساجد
    مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على قبر فيه ميت دُفِنَ حديثًا، فسأل أصحابه عنه فقال الصحابة: إنه قبر أم محجن) وهي المرأة التي كانت تنظف المسجد، فعاتبهم النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم لم يخبروه بموتها، فيصلى عليها صلاة الجنازة وقال: (أفلا آذنتموني؟) فقالوا: كنتَ نائمًا فكرهنا أن نوقظك، فصلى عليها الرسول صلى الله عليه وسلم. [مسلم].
    ***
    كان أحد الأعراب يمتلك جملا لونه أحمر، وكان يحبه حبَّا شديدًا، وذات يوم ضاع الجمل، فظل الرجل يبحث عنه طوال الليل فلم يجده، وفي صلاة الفجر وقف الأعرابي في المسجد ينادي ويسأل الناس عن جمله، فلما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم غضب منه؛ لأنه سأل عن جمله في المسجد، وقال له: (لا وَجَدَّتَ
    إنما بُنِيَتْ المساجد لما بنيت له) [مسلم].
    وأمر صلى الله عليه وسلم أصحابه إذا رأوا من يسأل في المساجد عن شيء ضاع منه، أن يقولوا له: (لا ردَّها الله عليك، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا) [مسلم].
    ***

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة