مرافئ النقاء وتراتيل الإخاء: بيان في صون السرائر ولزوم الإنصاف

بقلم اخوكم العبد الفقير لله عامر كرماوي

تاريخ النشر: 08/11/26 | 14:10

إن أجمل ما تُحلّى به جِيد الحياة الإنسانية، وأسمى ما تتوج به هامات العشيرة الإيمانية، هو نقاء السريرة، وسلامة الصدر، وفيض المودة المترقرق بين القلوب. فالأرواح إذا تآلفت على بساط التقوى أشرقت، وإذا تحصنت بحسن الظن سمت وارتقت.
وقد جعل الحق سبحانه وتعالى هذه الألفة منةً عظيمة يمتن بها على عباده، إذ يقول جل شأنه: {وَإذَا تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، بل جعل الأخوة عروة وثقى لا تنفصم، فقال تباركت أسماؤه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}. ومن مقتضيات هذه الأخوة الشريفة أن يلتمس المرء لأخيه سبعين عذرًا، وأن يطوي قلبه على محبته، عاضًّا بالنواجذ على سماحة الدين وجلال المروءة، فالكلمة الطيبة بلسم الجراح، والظن الحسن مرآة الصلاح.
وإن من أوجب واجبات الدين، وأكرم شيم النفوس الساقية بماء الفضيلة، أن يسير المرء في دنيا الناس باسطًا كف النصح الشفيق، متوشحًا دثار الإنصاف، حريصًا على قول الحق والعدل حتى مع المخالف؛ فالإنصاف ميزان الأتقياء الأنقياء.
وما أجمل الصدر حين يتسع، وما أبهى اللسان حين يرتفع بذكر المحاسن وكف المساوي! إننا مدعوون بلسان الشريعة الغراء وروح المحبة الأخوية أن نكون لبنات في بناء شامخ، يشد بعضه بعضًا، كما وصف المصطفى صلى الله عليه وسلم في أثره الشريف: “المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا”.
فحين يسود حسن الظن، وتُصان الذمم، وتُحمل الأفعال على أحسن وجوهها، يغدو المجتمع واحة غناء، ترفرف عليها طيور السلام، وتثمر في رباها أزاهير الوفاء.

#وفي المقابل، فإن ثمة مسالك ملتوية، تنبو عنها الفطرة السليمة، وتضيق بظلماتها النفوس الكريمة؛ مسالك تُفسد الود، وتقطع الحبل الممدود.
وإن من أشد هذه الخلال نكارةً، وأعظمها في ميزان المروءة حقارة، هو رجم الغيب بالظنون الفاسدة، والتسرع في اتهام البرآء بغير أثارة من علم أو هدى، والتجني عليهم بنعت السوء، والخوض في مكنونات سرائرهم وتفسير نياتهم.
والنيات حمى محظور، وغيب مستور، لم يُطلع الله عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلاً، بل هو خالص حقه سبحانه.
وقد حذرنا كتاب ربنا تبارك وتعالى من هذا المنزلق الوبيل زجرًا بليغًا، فقال عز من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا}.

#إن إطلاق اللسان بالتكفير والتخوين والتشكيك، والنطق بالباطل في حق الأخ المسلم، هو معول هدم يقوض أركان الألفة، ويذر الديار الباسمة قاعًا صفصفًا.

فكيف يستجيز عاقل لنفسه أن يدخل عوالم السرائر فيفسرها بهواه، وهو لا يدري حقيقتها؟! فإن كان لا يدري فذلك بهتان عظيم، وإن كان يدعي الدراية فتلك لعمري المصيبة الكبرى والجرأة المهلكة.
وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في صون الأعراض والدماء والنيات تشديدًا يهز الرواسي، ففي الحديث المتفق عليه قال عليه الصلاة والسلام: “كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ”، وفي مقام آخر حذر من التراشق بالألقاب المخرجة من الدين فقال: “لا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلاً بالفُسُوقِ، ولا يَرْمِيهِ بالكُفْرِ، إلَّا ارْتَدَّتْ عليه، إنْ لَمْ يَكُنْ صاحِبُهُ كذلكَ”.

فيا رعاكم الله، ويا إخوة الدين والعقيدة، هلموا بنا نفيء إلى ظلال النبوة الوريفة، ولنجعل من نفوسنا مرايا للنقاء والإنصاف.

دعونا ننفض عن كواهلنا غبار التشكيك والتنافر، ونربأ بألسنتنا السامية عن الخوض في مصائر التخوين والتكفير والتبديع. لندع الخلق للخالق، ولنقبل على إخوتنا بقلوب بيضاء كفجر ندي، وأيدٍ ممدودة بالسلام، وألسنة لا تقطر إلا شهدًا ونصيحة دافئة منبعها الحب ومصبها الوفاء. فلنقل كلمة الحق، ولنعدل في القول والعمل، ولنعش إخوة متحابين، يُظلنا وداد الشريعة، ويهدينا نور الكتاب المستبين، لتظل وشائجنا موصولة، وأرواحنا في سماء المكارم متبتلة.

فلنقبل جميعًا، بقلوب مستبشرة ونفوس متآلفة، على رياض التسامح والنصح الجميل، ولنجعل من ألسنتنا مفاتيح للخير مغاليق للشر. دعونا نكف عن عواذل التشكيك، ونربأ بأنفسنا عن الخوض في مصائر التكفير والتخوين، ولنستبدل ذلك كله بكلمة طيبة تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، لتظل أخوتنا شجرة طيبة، أصلها ثابت في الأرض ونبلها فرع سامق في السماء.

نصيحة محب ،وناصح امين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة