الحاج محمد علي بشير أبو الأمين… شاهد على جيل النكبة، وجيل الكفاح والصمود والعمل
بقلم: غزال أبو ريا
تاريخ النشر: 07/11/26 | 14:06
ودّعنا اليوم في سخنين الحاج محمد علي بشير (أبو الأمين)، رجلًا من أبناء جيل النكبة، ذلك الجيل الذي عاش ظروفًا صعبة وتحديات قاسية، لكنه واجه قسوة الحياة بالصبر والعزيمة والإرادة، وتمسّك بالأرض والجذور والكرامة.
نتذكّر أبا الأمين في سخنين عاملًا كادحًا، يحمل وزرته مع ساعات الصباح الأولى وينطلق إلى ورشات البناء. والوزرة هي لباس العمل الذي اعتاد البنّاء ارتداءه، وفي جيوبها الشاكوش (المطرقة) والمسامير وأدوات البناء الصغيرة، لتكون رفيقة العامل في يومه الطويل.
كان أبو الأمين واحدًا من أولئك العمال الذين شاركوا بعرق جبينهم في إعمار البيوت وبناء حجارة سخنين، بأيديهم المتعبة وإرادتهم الصلبة. لم يكن العمل بالنسبة إليهم مجرد مصدر رزق، بل قيمة وكرامة وانتماء. كانوا يؤمنون بأن البيوت تُبنى بالجهد، وأن الحياة تُصنع بالصبر والمثابرة.
الأرض والفلاحة… حكاية انتماء
ولم تكن علاقة أبي الأمين بالأرض مجرد انتماء عاطفي، بل كانت علاقة عمل وحياة. فقد اهتم بالفلاحة، وارتبط بأرض سخنين، ولا سيما منطقة المل، تلك المنطقة التي تحمل في ذاكرة أهل المدينة حكاية الأرض والمصادرة والنضال من أجل استعادتها ويوم الارض الخالد،
وقد عادت أجزاء من أراضي منطقة المل إلى أصحابها عام 1986، خلال فترة رئاسة السيد محمد غنايم (أبو سليم) لبلدية سخنين.
كان أبو الأمين من أبناء ذلك الجيل الذي عرف الأرض بيديه، وزرعها واعتنى بها، وأدرك أن الأرض ليست مجرد مساحة زراعية، بل هي ذاكرة وهوية وكرامة وامتداد للأجيال. لذلك بقي ارتباطه بالأرض جزءًا أصيلًا من حكايته وسيرته.
إنسان قريب من الناس وعائلته
ولم يكن أبو الأمين عاملًا كادحًا وفلاحًا فحسب، بل كان إنسانًا قريبًا من الناس، طيب القلب، محبًا لأهله وبلده ومجتمعه، يشارك الناس أفراحهم وأتراحهم، ويحافظ على علاقاته الاجتماعية وصلات الرحم. كان حضوره بين الناس عنوانًا للمودة والاحترام.
ترك وراءه عائلة كريمة وطيبة، تربّت على المحبة والأخلاق والقيم الأصيلة، ومن أبنائها الزميل أمين بشير، الصحفي والإعلامي، الذي عرفه الناس في الميدان الإعلامي، وواصل حضوره وعطاءه المهني والاجتماعي.
شيخ العدايل… ذكريات ومودة
كان أبو الأمين يجمعنا نحن عدائله التسعة، وحرص طوال السنوات على المحافظة على علاقته الطيبة معنا، وعلى التواصل والمودة وصلة الرحم. وكانت تجمعنا به علاقة أخوية يسودها الاحترام والمحبة والمرح.
كنت أمازحه وأطلق عليه لقب «شيخ العدايل»، فقد كان الأكبر سنًا بيننا، وقد تجاوز التسعين من عمره. وكان بيننا أيضًا عديلنا العزيز أبو كمال، أطال الله في عمره، وكثيرًا ما كنا نتبادل المزاح ونتساءل: من سيكون شيخ العدايل، أبو كمال أم أبو الأمين؟
كانت مداعبات عائلية بسيطة، لكنها تحمل في طياتها محبة كبيرة وذكريات جميلة. واليوم، ونحن نودّع أبا الأمين، نستعيد تلك اللحظات بابتسامة ممزوجة بالحزن والحنين.
لم يكن أبو الأمين مجرد عديل، بل كان أخًا كبيرًا وصاحب تجربة وحكمة، ووجوده بيننا كان جزءًا من دفء العائلة وتماسكها.
ذاكرة جيل وذاكرة مدينة
إن رحيل أبي الأمين يعيد إلى ذاكرتنا حكاية جيل كامل؛ جيل النكبة والكفاح، جيل العمال والبنّائين والمزارعين، الذين ساهموا في بناء سخنين، وحافظوا على الأرض والهوية، وربّوا أبناءهم على قيمة العمل والكرامة والانتماء.
رحل أبو الأمين، لكن حكايته ستبقى حاضرة في ذاكرة سخنين، في البيوت التي ساهم في بنائها، وفي الأرض التي أحبها وعمل فيها، وفي عائلته وأبنائه وأحفاده، وفي قلوب كل من عرفه وأحبه.
رحمك الله يا أبا الأمين، يا شيخ العدايل، ستبقى شاهدًا على زمن الكفاح، وعلى جيل صنع من الصبر قوة، ومن العمل كرامة، ومن الانتماء للأرض هوية.
إنا لله وإنا إليه راجعون.








