بساطير نظيفة وضمائر ملوّثة**

د. حاتم عيد خوري

تاريخ النشر: 05/11/26 | 14:43

كانت فسوطه، شأنها شأن معظم قرى الجليل العربية، ابنةَ الأرض وربيبةَ مواسمها؛ منها تستمدّ أسباب عيشها، وعلى إيقاعها تنبض حياة أهلها. لم تكن الأرض في وجدان الفلاح مجرد تربة تُحرث وبذور تُزرع، بل كانت امتدادًا لذاته، وعنوانًا لكرامته، وجزءًا لا يتجزأ من هويته وانتمائه.
كانت العلاقة بين الفلاح وأرضه أشبه بعهدٍ مقدّس من الوفاء المتبادل؛ يمنحها عرق جبينه، فتمنحه خبزًا معجونًا بالعزّة والكرامة. يعرفها كما يعرف وجوه أبنائه، ويميّز خصائصها بلون تربتها وملمسها ورائحتها، بل بمذاق ما تجود به من ثمار.
ويروي أهل قريتي حكايات طريفة تشهد على عمق تلك المعرفة. فعلى ذمّة الراوي، حاول أبو فايز ذات يوم أن يمتحن خبرة جاره وصديقه المرحوم مبدا أبو فؤاد، فقدّم إليه علبة دخان مفروم وبداخلها ورق الشام، مدّعيًا أنه من محصول “الخلّة الشرقية”. لفّ أبو فؤاد سيجارته العربية، وأشعلها، وسحب منها نفسًا أو نفسين، ثم ابتسم ابتسامة الواثق وقال: “والله، هذا الدخان من الخلّة الغربية، ومش من الخلّة الشرقية!”.
ولم يكن يوسف أبو بهجت أقلّ دراية بأسرار الأرض؛ إذ تروي القابلة أم ذيب أنه كان يميّز بين مذاق تين موقع “النقّارة” وتين موقع “البيّاض”. ولمن يستغرب، كان الجواب حاضرًا: “يا عمّي، الأرض بتفرّق بالشبر!”. فكيف إذا كانت “النقّارة” في الناحية الغربية من فسوطة وتربتها حمراء، بينما “البيّاض” شرقيّها وتربته بيضاء؟
وكما عرف الفلاح أرضه بخصائصها، عرفها بأسمائها التي لم تكن مجرد تسميات جغرافية، بل شواهد على تاريخ المكان وذاكرته. فـموقع “باب المغارة”، مثلا، يستحضر مغارة قديمة، وموقع “البرج” يخلّد أثر برج صليبي اندثرت جدرانه، وموقع “كرم البركة” يشير إلى بركة ماء مجاورة. أما “أرض الكنيسة”، فهي قطعة أرض وقفية تقع بالقرب من المدخل الجنوبي لفسوطه، بمحاذاة الطريق المؤدية إليه.
ومن بين هذه المواقع جميعًا، بقيت “أرض الكنيسة” أشدّها رسوخًا في ذاكرتي؛ لا لخصوصية تضاريسها، بل لأنها كانت مسرحًا لدرس أخلاقي تلقّيته في طفولتي، قبل نحو ثمانية عقود، ولم تستطع السنون أن تمحو أثره.
كنت يومذاك تلميذًا في المدرسة الابتدائية الأسقفية، في أواخر العقد الأول من عمري. وفي عصر يوم ربيعي، كنت ألهو مع بعض أترابي على مقربة من “أرض الكنيسة”، في الطريق التي كنّا نسميها “شارع الباص”، لندرة السيارات الأخرى التي كانت تعبرها.
وبينما نحن مستغرقون في ألعابنا، وقع بصري على جارنا يوسف السعيد، وقد فرغ لتوّه من حراثة ارض الكنيسة. رأيته يفكّ النير عن ثوريه، ثم يجلس جانبًا ويخلع فردتي بسطاره. ظننته يريد إخراج حصاة أو نفض ما تسلّل إلى حذائه من تراب. لكنه أخذ يهزّ كل فردة بعناية لافتة، قبل أن ينتعلها ويمضي في سبيله.
مضت سنوات قبل أن أدرك مغزى ذلك المشهد.
علمت لاحقًا أن “كتّ البسطار” بعد حراثة أرض الوقف كان تقليدًا راسخًا لدى فلاحي فسوطه؛ يحرصون عليه خشية أن يحملوا معهم ذرّة تراب من أرض الكنيسة (الوقف). لم تكن المسألة عادة شكلية، بل تعبيرًا عفويًا عن ضمير حيّ يرى في الوقف أمانة مقدّسة، لا يجوز الانتقاص منها، ولو بمقدار ما يعلق بنعل حذاء.
ظلّت صورة يوسف السعيد كامنة في أعماق ذاكرتي، حتى استدعتها، بعد عقود، أحداثٌ بعيدةٌ عن فسوطه آلاف الأميال.
كان ذلك في ربيع سنة 1983، حين سافرت إلى كندا في زيارة عائلية لقضاء عطلة عيد الفصح مع أقارب وأصدقاء مغتربين في مدينتيّ تورنتو ومونتريال.
صباح العيد، رافقت مضيفنا إلى الكنيسة لحضور القداس. وما إن دخلتها حتى استبدّت بي دهشة غريبة؛ خُيّل إليّ أنني لم أغادر حيفا!
الوجوه مألوفة، واللهجات مألوفة، وأسماء العائلات تتردّد على مسامعي كأنني أقف في كنيسة مار الياس في حيفا. حتى جوقة الترتيل بدت وكأنها انتقلت من حيفا إلى تورنتو بكل تفاصيلها.
أما المفاجأة الكبرى فكانت حين اكتشفت أن الكاهن الذي يترأس القداس هو الأب ميشيل زمّار، الذي سبق أن عمّد أولادي في كاتدرائية مار إلياس في حيفا، إبّان خدمته راعيًا لطائفة الروم الكاثوليك في أوائل السبعينيات.
تساءلت في سرّي: أأنا حقًا في تورنتو، أم أنني عدت، دون أن أدري، إلى حيفا؟
لكن الدهشة سرعان ما تحوّلت إلى قلق، حين علمت من الأب زمّار أن مئات الأسر العربية المسيحية، ولا سيما الرومية الكاثوليكية، كانت قد هاجرت من حيفا إلى تورنتو خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
وأخذ الأب زمّار وبعض المغتربين يذكرون أسماء عائلات أعرف كثيرًا من أفرادها منذ قدومي إلى حيفا سنة 1964، للعمل محاضرًا ومرشدًا تربويًا في الكلية العربية للتربية، دار المعلمين آنذاك. ومن بينها عائلات مطر وزهر وداموني وجدعون وأشقر وبدران ونجّار وجبران وعمّار وفرح، وغيرها.
دفعتني هذه الظاهرة إلى استطلاع آراء عدد ممّن التقيتهم من المغتربين بشأن دوافع هجرتهم. تنوّعت الإجابات، لكنها تمحورت في معظمها حول صعوبة الحصول على عمل يلائم المؤهلات، والعجز عن توفير مسكن مريح يضمن الاستقرار.
ولئن لم تكن تلك اللقاءات بحثًا علميًا مستوفيًا شروطه، فإنها أعادت إلى ذاكرتي آنذاك، حديثًا بالغ الأهمية كنتُ قد سمعته قبل ستة عشر عامًا من المطران جورج حكيم، رئيس أساقفة عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل للروم الكاثوليك.
في الخامس عشر من تشرين الثاني سنة 1967، كنت بين المدعوين إلى حفل استقبال أقامه المطران حكيم في دار المطرانية بحيفا. لم تكن الدعوة مألوفة من حيث توقيتها؛ إذ جاءت بعد أشهر قليلة من حرب حزيران، وفي غير المناسبات التي اعتاد المطران إقامة حفلات الاستقبال فيها.
ظلّ سبب الدعوة غامضًا حتى كشفه المطران في كلمته، معلنًا أنه سيسافر في اليوم التالي إلى لبنان للمشاركة في اجتماع المطارنة لانتخاب بطريرك جديد، دون أن يلمّح إلى أنه سيكون هو نفسه البطريرك المنتخَب، كما حدث فعلًا.
استعرض المطران إنجازات أسقفيته التي امتدّت أكثر من ربع قرن، ثم انتقل، بتأثّر ظاهر، إلى الحديث عن المستقبل، ولا سيما مستقبل الشباب وضرورة توفير مقوّمات بقائهم في وطنهم.
وعرض أربعة مشاريع طموحة قيد التنفيذ: تطوير مدرسة مار يوسف الإكليريكية في الناصرة إلى كلية لاهوت، تكون نواة لأول جامعة عربية في إسرائيل، مستفيدة من الأراضي الواسعة المحيطة بها والتي تملكها المطرانية؛ واستعادة مئات الشقق السكنية المقامة على أراضي المطرانية في حيفا، بعد انتهاء عقود إيجارها البالغة تسعة وأربعين عامًا وذلك سنة 2000؛ وإنشاء صندوق لدعم طلاب الأبرشية الجامعيين، تموّله التبرعات وعائدات مشاريع اقتصادية، منها فندق جراند نيو ومطبعة الحكيم في الناصرة؛ واستكمال بناء مستشفى في شفاعمرو لخدمة أهالي المدينة والمنطقة.
لم تكن تلك المشاريع مجرد مبانٍ ومؤسسات، بل رؤية اجتماعية بعيدة المدى، تدرك أن بقاء الإنسان في وطنه يحتاج إلى أكثر من الدعوات والمواعظ؛ يحتاج إلى فرص عمل، وسكن كريم، وتعليم متقدّم، وخدمات تحفظ كرامته وتفتح أمام أبنائه أبواب المستقبل.
فالجامعة لا توفّر العمل للأساتذة والباحثين وحدهم، ولا المستشفى للأطباء والممرّضين فحسب؛ بل ينهض حول كل مؤسسة نشاط اقتصادي واسع، يستوعب المهندسين والفنيين والحرفيين والإداريين وسائر العاملين.
كانت رؤية المطران حكيم، في جوهرها، مشروعًا طموحا لتجذير الناس في أرضهم، ومواجهة الهجرة بأسباب البقاء، لا بمجرد التمنّي.
غير أن استعادتي لهذه الرؤية، وأنا اجلس بين مغتربي حيفا في كندا، ملأتني أسفًا ومرارة. فقد تبيّن لاحقًا أن تلك الأحلام الكبيرة لم تتحقّق كما رُسمت.
فالمدرسة الاكليريكية بقيت على حالها مدرسةً ثانوية والجامعة العربية في الناصرة لم ترَ النور، كما بيع معظم الأراضي التي كانت مخصّصة لها بصفقات خفية مشبوهة. ومبنى المستشفى في شفاعمرو تحوّل إلى مدرسة ثانوية تملكها البلدية. وتوقّف صندوق دعم الطلاب الجامعيين، فيما جرى، وفق ما كُشف لاحقًا، التفريط بالشقق السكنية في حيفا تحت ستار تمديد عقود إيجارها لمدد طويلة جدا تكاد تكون خيالية.
وقد كشفت “جمعية أبناء أبرشية الجليل” هذه التجاوزات ووثّقتها في كتاب “تواقيع على الرمل”، الصادر عن دار النهضة في الناصرة سنة 2014، مشيرةً إلى مخالفات مالية وإدارية خطيرة في إدارة الأوقاف.
وهكذا ضاعت، مع ما ضاع من ممتلكات، فرصٌ تاريخية كان يمكن أن تسهم في بناء مؤسسات راسخة، وتوفير أسباب العيش الكريم، والحدّ من نزيف الهجرة.
وهنا، وسط تلك الخواطر الثقيلة، عادت إلى ذاكرتي صورة جارنا يوسف السعيد، جالسًا عند طرف “أرض الكنيسة”، ينفض بسطاره بعناية، خشية أن يحمل معه شيئًا من تراب الوقف.
يا لها من مفارقة موجعة!
فلاح بسيط، بالكاد يملك قوت يومه، يأبى أن يستأثر بذرة تراب ليست له؛ وفي المقابل، أُهدِرت ممتلكاتٌ وقفية تراكمت عبر الأجيال، وكان يُفترض أن تكون ذخيرة للمستقبل وملاذًا للأبناء عند اشتداد المحن.
لقد أدرك ذلك الفلاح، بفطرته النقية، ما غاب عن ضمائر بعض المؤتمنين على الأوقاف: أن الوقف ليس عقارًا يُباع ويُشترى، بل عهدٌ بين الأجيال، ووديعةٌ أخلاقية وتاريخية، وثمرةُ تضحيات آباء آمنوا بأن ما يتركونه وراءهم ينبغي أن يكون خيرًا لأبنائهم وأحفادهم.
لم يكن يوسف السعيد يحمل شهادة في الإدارة أو القانون، لكنه حمل في وجدانه شهادة أرفع: شهادة الأمانة.
وما أشدّ المفارقة بين من خشي أن يأخذ ذرّة تراب من أرض الوقف في فسوطه، ومن لم يرتجف ضميره وهو يفرّط بأرض الوقف نفسها في الناصرة وحيفا وغيرها وغيرها…
أفبعد هذا كلّه يُستغرب أن تبقى صورة ذلك الفلاح محفورة في ذاكرتي، وأن أظلّ، ما حييت، أذكر نظافة بسطاره، وأتساءل بحسرة عن ضمائر غابت عنها تلك النظافة؟
**نصّ من كتابي الجديد الذي سيصدر قريبا بعنوان “ذاكرة قرية….سيرة وطن”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة