لسنا جميعًا على طيف التوحّد… لكن من يملك تعريف الطبيعي؟
بقلم رانية مرجية
تاريخ النشر: 05/11/26 | 13:13
في سلطة المعايير، ووحشة الاختلاف، وحق الإنسان في أن يكون كما هو ثمة عبارة تتردد كثيرًا، أحيانًا بدافع التعاطف وحسن النية: «كلنا على طيف التوحّد». تبدو، للوهلة الأولى، محاولة لتقريب المسافة بيننا وبين الأشخاص المتوحدين، لكنها تثير سؤالًا مهمًا: هل نفهم الاختلاف حقًا حين نُذيبه في تجربة عامة، أم نطمس بذلك خصوصيته وما يميّزه؟
لسنا جميعًا على طيف التوحّد. فالتوحّد ليس استعارة لتفاوت الطباع، ولا وصفًا لكل من يفضّل العزلة أو ينزعج من الضجيج أو يجد صعوبة في التواصل. إنه اختلاف نمائي عصبي له خصائصه وتجلياته واحتياجاته، وتتباين تجارب الأشخاص المتوحدين من فرد إلى آخر. واحترامهم يبدأ بالاعتراف بخصوصية تجربتهم، لا بتحويل التوحّد إلى تعبير مجازي يشمل الجميع.
لكن المسألة تتجاوز دقة المصطلح إلى سؤال أعمق: من يملك حق تعريف الطبيعي؟ وكيف اكتسبت بعض أنماط السلوك سلطة التحول إلى معايير نقيس بها الآخرين ونحاكمهم على أساسها؟
نعيش داخل منظومة من التوقعات التي تبدو بديهية لكثرة ما اعتدناها: أن ينظر الطفل في عيني من يحدثه، وأن يجلس بهدوء، وأن يستجيب للكلام بالطريقة المتوقعة، وأن يتحمل الضجيج، وأن يعبّر عن مشاعره وفق الإشارات التي ألفها المحيطون به. وحين لا يفعل ذلك، يصبح سلوكه موضع تساؤل، ثم تدخل، ثم محاولات لتصحيحه.
غير أن الاعتياد ليس دليلًا على الصواب، وما تراه الأغلبية طبيعيًا ليس بالضرورة المعيار الوحيد الذي ينبغي أن يُقاس به الإنسان.
فالطفل الذي يبتعد عن الضجيج قد يكون مثقلًا بما يستقبله من أصوات، لا رافضًا للعالم. والذي يتجنب التواصل البصري قد يتواصل بطريقة مختلفة، لا يتجاهل من أمامه. أما تكرار حركة معينة، فقد يكون وسيلة لتنظيم إحساس داخلي، لا عبثًا أو تحديًا.
تبدأ المشكلة حين نفسّر السلوك قبل أن نحاول فهمه، وحين نخلط بين ما يزعجنا نحن وما يؤذي الطفل فعلًا. فليس كل ما يخرج عن المألوف علامة على خلل، وليس كل ما يبدو غريبًا يحتاج إلى تصحيح.
في أحد المشاهد اليومية داخل ساحة البستان، كان طفل صغير يخلع حذاءه مرارًا أثناء اللعب. وكانت أخصائية النطق واللغة مرام حاج يحيى تعيد إلباسه الحذاء، ثم تواصل اللعب معه وتشجعه على المشاركة. تكررت المحاولة مرة بعد أخرى، حتى بلغت نحو عشر محاولات.
قد يبدو المشهد عابرًا، لكنه يحمل دلالة عميقة. فالمسألة ليست في الحذاء، بل في الإصرار على إبقاء باب المشاركة مفتوحًا أمام الطفل، من دون تحويل سلوكه المختلف إلى سبب لإقصائه أو الحكم على قدرته.
إن الوصول إلى الطفل لا يبدأ دائمًا بمطالبته بأن يتغير، بل بمحاولة الاقتراب من عالمه وفهم احتياجاته، ثم البحث عن الطريق الذي يتيح له المشاركة من دون أن يُسلب حقه في الاختلاف.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين الدعم والتطبيع القسري. فالمطلوب ليس ترك الطفل من دون مساعدة أو تجاهل الصعوبات التي يواجهها، بل توفير ما يحتاج إليه من دعم وتأهيل ووسائل للتواصل، من دون أن تصبح الغاية محو اختلافه أو دفعه إلى تقليد الآخرين كي يستحق القبول.
ثمة فرق بين مساعدة الإنسان على اكتساب مهارة يحتاج إليها في حياته، ومطالبته بأداء سلوك معين لمجرد أنه يطمئن المحيطين به. كما أن ثمة فرقًا بين تخفيف معاناته وتدريبه على إخفاء اختلافه حتى لا يربك الآخرين. وهذا ليس تفصيلًا تربويًا، بل مسألة تمس الكرامة الإنسانية.
ولا تتوقف المسؤولية عند الطفل أو الأسرة. فالمدرسة والمؤسسات الاجتماعية تشارك في صنع شروط الاندماج أو في عرقلته. لا يكفي أن نطالب الأسرة بالصبر، ثم نتركها أمام بيئة تعليمية لا تراعي الاحتياجات الحسية والتواصلية لطفلها، أو مجتمع يفسر الاختلاف بوصفه نقصًا.
فالدمج ليس شعارًا ولا منّة تُقدَّم لمن يختلفون عنا؛ إنه حق ومسؤولية، يقتضيان تهيئة البيئات التعليمية والاجتماعية، وتدريب العاملين، وتوفير الدعم المناسب، وإزالة العوائق التي تجعل المشاركة امتيازًا بدلًا من أن تكون حقًا للجميع.
كذلك، لا ينبغي أن يظل الحديث عن التوحّد حكرًا على الأطباء والأخصائيين والأهل. فالأشخاص المتوحدون ليسوا مجرد موضوع للحديث عنهم؛ إنهم أصحاب تجارب وأصوات ومعرفة مباشرة بحياتهم. ومن حقهم أن يشاركوا في النقاشات التي تتناولهم، وأن يُصغى إليهم، لا أن يتحدث الآخرون باسمهم دائمًا.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: كيف نجعل المختلف يشبهنا؟ بل: كيف نبني عالمًا لا يضطر فيه الإنسان إلى إنكار جزء من ذاته كي يجد مكانًا له؟
لسنا جميعًا على طيف التوحّد، ولا نحتاج إلى أن نكون كذلك حتى ندرك أن الاختلاف ليس إهانة، وأن كرامة الإنسان لا تُقاس بقدرته على التشبه بالآخرين.
فالعدالة لا تعني أن نعامل الجميع بالطريقة نفسها، بل أن نتيح لكل إنسان ما يحتاج إليه كي يعيش ويتعلم ويشارك بكرامة.
فالعالم الذي لا يتسع إلا لمن يشبهون بعضهم ليس عالمًا طبيعيًا؛ إنه عالم ضيّق، مهما بدا لنا مألوفًا.







