قفص ملمّع: في مفارقة البلاط المعقّم ووحشة الحيز العام
رانية عقل | رسائل الأرض
تاريخ النشر: 05/11/26 | 8:36
يبدأ المشهد من الأرض؛ من تلك المسافة الصفرية التي يقضي فيها الطفل أشهره الأولى حابيًا، يكتشف العالم بأنامل طرية وفم يتذوق كل ما تقع عليه يده.
في ذاكرتنا القريبة، كانت تلك المسافة طينًا وترابًا تفركه الشمس؛ يحبو الصغير في الحاكورة أو على عتبة الدار، يحشو كفيه بتراب الأرض، وتتحول حواشي أظافره إلى خطوط داكنة من أثر البلاد. كانت الأمهات يزجرن الصغار بضحكة خفيفة، لكن أحدًا لم يكن يرتجف رعبًا من حفنة تراب علقت بكف صغيرة. لم نكن نرى في كل اتساخ تهديدًا، ولا في كل ما يلامس الأرض عدوًا يتربص بالجسد.
وراء هذه الصورة الحميمة سؤال علمي تناقشه «فرضية النظافة»كيف يؤثر تغيّر احتكاكنا بالعالم الميكروبي في مناعتنا؟ تطرح الفرضية دور التعرّض المبكر لميكروبات البيئة في تدريب جهاز المناعة على التمييز بين ما يستدعي المقاومة وما يستحق التعايش. كان التراب، بهذا المعنى، أحد معلّمي الجسد الأوائل؛ يمنحه فرصة مخالطة الحياة، لا الهروب منها.
اليوم، تبدّل المشهد وانقلبت المعايير.
صرنا نضع الصغير فوق بلاط رخامي يلمع كالمرايا، فُرش بسجاد معالج ضد البقع، ومُسح بطبقات من المعقّمات والمطهّرات ذات الروائح النفّاذة. يظن الأهل أنهم يمنحون طفلهم أقصى درجات الحماية، فيما تطلق منتجات نستخدمها للتنظيف والتجديد مركّبات عضوية متطايرة تختلط بالهواء الذي يتنفّسه. نخاف ما تتركه حفنة التراب على أصابعه، ونغفل عن الانبعاثات الكيميائية الخفية فوق الأرضية اللامعة.
ولا يتوقف الأمر عند ما نمسح به الأرض؛ بل يمتد إلى جدران نعيد طلاءها كل حين، وأثاث مضغوط ومواد لاصقة وتشطيبات تواصل إطلاق انبعاثاتها بعد زوال «رائحة الجديد». تدفعنا ثقافة الاستهلاك لاستبدال سفرة ما زالت تجمعنا، وصالون لم يفقد قدرته على احتضاننا، وطاولة لم ينقصها شيء سوى أنها خرجت من «الموضة». وحتى خلف أبواب الخزائن، تنبعث من بعض الملابس مركّبات متبقية من معالجات مقاومة التجعّد أو التنظيف الجاف. هكذا لا تبقى ثقافة الاستهلاك حكاية نفايات تتراكم خارج البيت؛ تصبح أيضًا حكاية ما نضيفه إلى هوائه. نجدّد الأشياء، وقد نجدّد معها مصادر تلوّثنا.
ثم نعلّق في المقابس معطّرات تعدنا بنسيم البحر وغابات الصنوبر، ونرشّ في الغرف عبير الورد، كأن الطبيعة اختُزلت في عبوة رذاذ. لكن الرائحة الجميلة ليست شهادة على نقاء الهواء؛ فالمعطّرات نفسها من مصادر المركّبات المتطايرة. نغطّي الرائحة برائحة، ونحسب أننا طهّرنا المكان، ليتحول «البيت النظيف»، مع تراكم الانبعاثات وضعف التهوية، إلى مصيدة مغلقة لا تتنفس.
لكن هذه «النظافة المفرطة» ليست مجرد سلوك منزلي أو خوف صحي؛ إنها أيضًا مرآة لشرخ أعمق في علاقتنا بالمكان.
مع تآكل الأمان وتشوّه الشارع وفقدان السيطرة على الفضاء المشترك، شعرنا وكأن الحيز العام لم يعد ملكًا لنا. انحسر مفهوم «الوطن» وضاقت حدوده حتى استقر بين أربعة جدران. تحوّل البيت إلى القلعة الوحيدة التي نملك زمامها، فصببنا عليه كل هوس الترتيب واللمعان، وطردنا نفاياتنا وقلقنا وإهمالنا إلى الشارع خارج الباب وكأنه أرض غريبة لا تخصنا.
صارت حدود مسؤوليتنا تنتهي عند عتبة الباب: ما في الداخل يستحق العناية، وما في الخارج نلقي عليه عبارة «ليس شأني». غير أن الهواء لا يقف عند العتبة، والدخان لا يستأذن النوافذ، وما نلقيه في الشارع يعود إلينا مع الماء والغبار والأنفاس. حتى النافذة تصبح جزءًا من المأزق: نفتحها ليتنفّس البيت، فنجد دخان الخارج ينتظر الدخول. لا تستطيع قلعة، مهما اشتدّ لمعانها، أن تمنح أهلها عافية منفصلة عن عافية المكان.
وليس الانكفاء إلى الداخل اختيارًا حرًا دائمًا. حين يغيب الرصيف الآمن، وتُقتلع الشجرة، وتضيق فسحة اللعب، وتتعثر خدمات جمع النفايات، يصبح البيت ملاذًا اضطراريًا. لذلك لا تكفي مطالبة الأهل بإخراج أطفالهم إلى الطبيعة؛ من حقهم أن يجدوا متنفسًا قريبًا وآمنًا، ومن حق الطفل أن تكون له حاكورة، أو حديقة، أو بقعة تراب لم تبتلعها طبقة أخرى من الإسمنت. استعادة الحيز العام مسؤولية مجتمع ومؤسسات وسلطات تخطيط، لا عبء يُلقى على عائلة وحدها.
المفارقة المؤلمة تكمن هنا: هربنا من الشارع الملوّث لنحتمي ببيوتنا، فإذا بنا نحبس أنفسنا وأطفالنا داخل فضاء تتراكم فيه ملوّثات، تُسجَّل لبعضها تراكيز أعلى داخل البيوت منها خارجها. أفرطنا في تعقيم القلعة بالسموم المعطّرة حتى حاصرنا أنفاسنا من فرط الحرص، وظل الشارع ينتظر أن نعيد إليه بعضًا من انتمائنا.
ليست المسألة دعوة لإهمال النظافة، بل استعادة لبوصلتها. النظافة الحقيقية ليست معركة كيميائية نخوضها ضد كل كائن حي داخل البيت؛ تبدأ بتقليل مصادر التلوّث، وترشيد حمّى الاستهلاك، والتوقف قليلًا قبل كل تجديد: هل نحتاجه حقًا، أم اعتدنا أن نترجم العناية بالمكان إلى شراء؟
وأن نفتح النوافذ ليتجدّد الهواء حين يكون خارجها أنقى، وأن نعيد للنبات مكانه داخل الدار؛ لجلد النمر، ولزنبق السلام الذي نعرفه باسم «الشراع»، ولخضرة حية تُسقى وتنمو، بدل الاكتفاء بصورتها ورائحتها المصنّعة على عبوات المعطّرات.
أن نثق بأن تراب الأرض ليس عدوًا، وأن ندرك أن مناعة أبنائنا وصحة نفوسنا لا نصونهما بحبسهم داخل صندوق زجاجي ملمّع، بل برعاية صلتهم بالحياة، وبحقهم في أن تتسخ أيديهم بتراب البلاد، وبحق الشارع علينا أن نراه امتدادًا لبيوتنا، لا مكبًا لخيباتنا.







