انتخابات منتصف الولاية في أمريكا: هل يستطيع الكونغرس كبح جماح ترامب؟

بقلم: د. غزال أبو ريا

تاريخ النشر: 03/11/26 | 9:18

تتجه الأنظار اليوم، الثلاثاء 3 تشرين الثاني 2026، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تُجرى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وهي انتخابات تحمل أهمية سياسية كبيرة، ليس فقط بالنسبة إلى الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بل أيضًا بالنسبة إلى مستقبل ولاية الرئيس دونالد ترامب خلال العامين المتبقيين من رئاسته.

هذه الانتخابات ليست انتخابات رئاسية، فترامب لا يتنافس على منصبه، وإنما هي انتخابات لتجديد مجلس النواب وجزء من مجلس الشيوخ. ومع ذلك، فإن نتائجها قد تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الرئيس على تنفيذ سياساته وإدارة علاقته بالسلطة التشريعية.

كيف يتكوّن الكونغرس الأمريكي؟

يتألف الكونغرس من مجلسين:

أولًا: مجلس الشيوخ (Senate)

يتكوّن من 100 عضو، يمثلون الولايات الأمريكية الخمسين، بواقع عضوين عن كل ولاية. مدة العضوية ست سنوات، ويُنتخب نحو ثلث الأعضاء كل سنتين.

ثانيًا: مجلس النواب (House of Representatives)

يتكوّن من 435 عضوًا، وتبلغ مدة العضوية سنتين، ولذلك تُجرى الانتخابات على جميع المقاعد في كل دورة انتخابية.

في انتخابات 2026، يتنافس المرشحون على المقاعد الـ435 في مجلس النواب، وعلى 35 مقعدًا في مجلس الشيوخ، تشمل انتخابات دورية وانتخابات خاصة.

لماذا تُعتبر هذه الانتخابات مهمة لترامب؟

تكمن أهمية الانتخابات في أن الحزب الجمهوري يسيطر حاليًا على مجلسي الكونغرس، الأمر الذي يمنح ترامب مساحة سياسية وتشريعية لتنفيذ برنامجه.

لكن هذه السيطرة ليست مضمونة. فإذا خسر الجمهوريون أغلبيتهم في أحد المجلسين، فإن العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس ستدخل مرحلة جديدة.

فالرئيس الأمريكي، مهما كانت صلاحياته واسعة، لا يستطيع تمرير القوانين والميزانيات والتعيينات المهمة دون التعامل مع الكونغرس.

وإذا احتفظ الجمهوريون بالأغلبية في المجلسين، فسيكون ترامب قادرًا على مواصلة العمل مع قيادة حزبه، أما إذا انتقلت الأغلبية إلى الديمقراطيين، فسيواجه واقعًا سياسيًا مختلفًا، تتسع فيه الرقابة البرلمانية وتزداد فيه صعوبة تمرير مشاريعه.

ماذا يعني فوز الديمقراطيين؟

إذا نجح الديمقراطيون في السيطرة على مجلس النواب، فسيحصلون على أدوات مهمة لمراقبة إدارة ترامب، من بينها رئاسة اللجان البرلمانية، وفتح التحقيقات، واستدعاء المسؤولين، وطلب الوثائق المتعلقة بقرارات الإدارة.

أما إذا تمكنوا من السيطرة على مجلس الشيوخ أيضًا، فسيكون لديهم نفوذ أكبر في قضايا التعيينات والمصادقة على المناصب العليا والقضاة، إضافة إلى قدرتهم على التأثير في التشريعات والميزانيات.

وهنا لا نتحدث عن إسقاط الرئيس أو إنهاء ولايته، بل عن تغيير ميزان القوى داخل النظام السياسي الأمريكي.

فترامب سيبقى رئيسًا حتى نهاية ولايته، لكنه قد يجد نفسه أمام كونغرس لا يتفق معه في كثير من السياسات، ولا يمنحه الموافقة بسهولة على مشاريعه.

السؤال الأهم: هل يستطيع الكونغرس تقييد ترامب في قرار الحرب؟

هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في ظل الأزمات والتوترات الدولية، والدور العسكري الأمريكي في مناطق مختلفة من العالم.

وفق الدستور الأمريكي، يمتلك الكونغرس صلاحية إعلان الحرب، بينما يشغل الرئيس منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة.

وهذا يعني أن صلاحيات الحرب والسلام موزعة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وليست محصورة في يد الرئيس وحده.

لكن الواقع العملي أكثر تعقيدًا؛ إذ يستطيع الرئيس، في ظروف معينة، إصدار أوامر باستخدام القوة العسكرية دون انتظار إعلان رسمي للحرب من الكونغرس، خصوصًا في حالات الدفاع عن الولايات المتحدة أو قواتها، كما أن حدود هذه الصلاحيات موضع نقاش دستوري وقانوني مستمر.

وقد صدر عام 1973 قانون صلاحيات الحرب (War Powers Resolution)، الذي يهدف إلى تعزيز دور الكونغرس في مراقبة استخدام القوات الأمريكية خارج البلاد.

ويلزم القانون الرئيس بإبلاغ الكونغرس خلال 48 ساعة من إدخال القوات الأمريكية في أعمال قتالية أو ظروف تنذر بالتورط فيها، كما ينص على إنهاء العمليات العسكرية خلال 60 يومًا، مع إمكانية تمديد 30 يومًا لأغراض الانسحاب، ما لم يصدر تفويض أو إعلان حرب.

ماذا لو خسر ترامب الأغلبية في الكونغرس؟

إذا انتقلت الأغلبية في أحد المجلسين أو كليهما إلى الديمقراطيين، فإن ذلك قد يضع قيودًا مهمة أمام خيارات ترامب العسكرية.

فبإمكان الكونغرس استخدام صلاحياته التشريعية والمالية، وممارسة الرقابة والتحقيق، والسعي إلى فرض شروط على تمويل العمليات العسكرية أو تقييدها بتشريعات.

ومن المهم التمييز هنا بين إعلان الحرب رسميًا وبين تنفيذ عملية عسكرية محدودة؛ فالرئيس لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان حرب رسمي مسبقًا في كل عملية عسكرية، لكن استمرار العمليات وتوسيعها قد يثيران مواجهة دستورية وسياسية مع الكونغرس.

وقد شهدنا خلال عام 2026 مثالًا على هذا الخلاف، عندما صوّت مجلس النواب في تموز لصالح قرار يهدف إلى تقييد العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، بينما عرقل مجلس الشيوخ إجراءً مشابهًا. وهذا يوضح أن الخلاف حول صلاحيات الحرب ليس نظريًا، بل حاضر في السياسة الأمريكية.

هل يستطيع الكونغرس عزل ترامب؟

من الأدوات الدستورية المتاحة لمجلس النواب فتح إجراءات المساءلة والعزل (Impeachment)، إذا توفرت الأسس الدستورية لذلك.

يستطيع مجلس النواب توجيه اتهامات للرئيس بأغلبية بسيطة، لكن إدانته وعزله يتطلبان موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين.

لذلك، حتى لو سيطر الديمقراطيون على المجلسين، فإن عزل ترامب ليس أمرًا تلقائيًا، بل يتطلب إجراءات دستورية وأغلبية كبيرة في مجلس الشيوخ.

الديمقراطية الأمريكية واختبار توازن السلطات

إن أهمية انتخابات التجديد النصفي تتجاوز التنافس الحزبي بين الجمهوريين والديمقراطيين. فهي تطرح سؤالًا جوهريًا حول طبيعة النظام الديمقراطي، وحدود سلطة الرئيس، ودور المؤسسات التشريعية والرقابية في حماية التوازن بين السلطات.

فالرئيس الأمريكي يمتلك صلاحيات واسعة، لكنه ليس صاحب السلطة المطلقة. هناك كونغرس يشرّع ويراقب ويقر الميزانيات، ومحاكم تراجع دستورية القرارات، ومؤسسات تضمن وجود توازن بين السلطات.

والدرس الأساسي هنا أن الديمقراطية لا تقوم فقط على انتخاب رئيس ومنحه تفويضًا للحكم، وإنما تقوم أيضًا على وجود مؤسسات قادرة على مراقبته ومساءلته، وعلى منع تركيز السلطة في يد واحدة.

إن انتخابات منتصف الولاية في الولايات المتحدة ستكون اختبارًا للعلاقة بين الرئيس والكونغرس، ولقدرة المؤسسات الديمقراطية على ممارسة دورها الرقابي. فالسؤال ليس فقط من سيفوز: الجمهوريون أم الديمقراطيون؟ بل أيضًا كيف يمكن ضمان أن تبقى السلطة خاضعة للمساءلة، وأن تكون قرارات الحرب والسلام والميزانيات والسياسات العامة نتاج نظام مؤسساتي متوازن، لا قرارًا فرديًا معزولًا عن الرقابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة