هواجس الحياة… حين يحاور الإنسان نفسه

بقلم: النقابي جهاد عقل

تاريخ النشر: 02/11/26 | 14:04

خاطرة أدبية
في الآونة الأخيرة، أخذت الهواجس تزورني دون استئذان. بعضها يأتي محمّلًا بعبق الذكريات الجميلة، فيوقظ في روحي شيئًا من الفرح والحنين، وبعضها يتسلل بصمت، حاملاً معه وجعًا قديمًا ظننت أن الأيام نجحت في مداواته.
أحاول أحيانًا أن أغلق نوافذ الذاكرة، وأن أترك للماضي ما مضى، لكن بعض الذكريات لا تعرف الرحيل. تعود فجأة، مع كلمة عابرة، أو وجه مألوف، أو لحظة صمت تطول أكثر مما ينبغي.
وأجدني أسأل نفسي: لماذا نحتفظ في أعماقنا بكل هذه الحكايات؟ لماذا تظل بعض المواقف حيّة في وجداننا، رغم أن أصحابها ربما نسوها منذ زمن؟

ثم أبتسم لنفسي وأهمس: تلك هي الحياة!

فليس العمر طريقًا مفروشًا بالورود، ولا الأيام جميعها على صورة واحدة. في الحياة من يمنحك المحبة دون مقابل، ومن يترك في قلبك جرحًا دون أن يدري. فيها لحظات تود لو أن الزمن توقف عندها، وأخرى تتمنى لو أنك استطعت محوها من دفاتر الذاكرة.
ومع مرور السنوات، أدركت أن الإنسان لا يكبر بالعمر وحده، بل بما يختزنه قلبه من تجارب، وما يحمله في روحه من أفراح وأوجاع، وما يتعلمه من لقاءات وفراق، ومن أحلام تحققت وأخرى بقيت معلقة على شرفات الانتظار.

وأنا، كغيري من البشر، أحمل في داخلي شيئًا من كل ذلك.

عرفت الفرح حين كان صادقًا، وذقت مرارة الخيبة حين جاءت ممن لم أتوقع. أحببت أناسًا بصدق، واحتفظت لهم بمكان في القلب، حتى حين باعدت بيننا الأيام. ومضيت في دروب الحياة مؤمنًا بأن الخير الذي نزرعه لا يضيع، حتى لو تأخر حصاده.
كما أجد نفسي حين تثقل الهواجس روحي، أبحث في ذاكرتي عن نافذة يطل منها الضوء.
أتذكر وجهًا أضاءته ابتسامة، ويدًا امتدت بالمحبة، وكلمة طيبة تركت أثرها في نفس إنسان. أتذكر لحظات عشتها مع من أحب، وضحكات صادقة، ومواقف صغيرة اكتشفت مع الزمن أنها كانت من أثمن ما منحته لي الحياة.
نعم،حينها أشعر أن في القلب متسعًا للطمأنينة، وأن ما عشناه من خير أكبر من أن تطمسه لحظة حزن، أو خيبة عابرة.
ومع ذلك، لا أنكر أن بعض الذكريات ما زال يوجعني. ثمة كلمات تمنيت لو لم تُقل، ومواقف تمنيت لو أنها انتهت على نحو مختلف، وأشخاص تمنيت لو أن المسافات لم تتسع بيننا.
لكنني تعلمت، أو ما زلت أحاول أن أتعلم، أن التصالح مع الماضي لا يعني نسيانه، وأن التسامح لا يمحو الوجع دائمًا، لكنه يخفف وطأته على الروح.

ولعل أجمل ما تمنحنا إياه السنوات هو تلك الحكمة الهادئة التي تجعلنا أقل انشغالًا بما فقدناه، وأكثر تقديرًا لما بقي معنا.
فما قيمة العمر إن لم نترك فيه أثرًا طيبًا؟ وما جدوى الأيام إن لم نمنح فيها شيئًا من المحبة، أو نمسح دمعة، أو نزرع ابتسامة، أو نقف إلى جانب إنسان حين تضيق به الحياة؟
اليوم، وأنا أحاور نفسي، لا أبحث عن حياة خالية من الهواجس، فذلك أمر لا أظنه ممكنًا. كل ما أريده أن تبقى الهواجس الجميلة أقرب إلى قلبي، وأن تصبح الذكريات المؤلمة أقل قدرة على انتزاع سكينتي.
أريد أن أتذكر الخير أكثر مما أتذكر الألم، وأن أفرح بما أعطيت أكثر مما أحزن على ما فقدت، وأن أحتفظ لمن أحببتهم بمكان دافئ في الذاكرة.
أريد أن أعيش ما تبقى من العمر بقلب لا يفقد قدرته على المحبة، وروح لا تتخلى عن الأمل، وضمير يجد راحته في أنه حاول، ما استطاع، أن يكون وفيًّا للخير والإنسان.
فالعمر، مهما امتد، ليس سوى رحلة نعبرها بين لقاء ووداع، وفرح وحزن، وأمل وخيبة. وما يبقى في نهايتها ليس ما جمعناه لأنفسنا، بل ما تركناه من محبة في قلوب الآخرين.

وها أنا، كلما عادت إليّ هواجسي، أفتح لها باب الذاكرة، لكنني أحاول ألا أترك لها مفاتيح حياتي.

أصغي إليها قليلًا، ثم ألتفت إلى ما حولي، إلى الوجوه التي أحبها، وإلى النعم الصغيرة التي كثيرًا ما نغفل عنها، وأقول لنفسي:
ما دام في القلب متسع للمحبة، وفي الروح نافذة للأمل، فإن الحياة ما زالت تستحق أن نبتسم لها.
فالسعادة كنز لا يفنى لمن يعرف كيف يعيشها، والمحبة أثر لا يمحوه الزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة