سأجلس على عتبة بيتي، وأسمّي الأشياء بأسمائها.

فخري هوّاش / البروة - جديدة المكر

تاريخ النشر: 02/11/26 | 7:11

يريدونني أن أخرج من جلدي،
كما تخرج الروحُ من نافذةٍ ضاق بها الجسد،
وأن أترك اسمي على عتبة النسيان،
وأمضي خفيفًا من الذاكرة،
ثقيلًا بما يكفي لخدمتهم.
♦ ♦ ♦
يريدونني دابّةً تجرُّ النهار إلى حقولهم،
وحطّابًا يقطع الشجرة التي علّمت أبي اسم الريح،
وسقّاءً يروي عطشهم،
ثم يعود إلى بيته وفي حلقه بقيّةُ بئر.
♦ ♦ ♦
يريدونني يدًا بلا كفّ،
وصوتًا بلا حنجرة،
وظلًّا يمرّ على الأرض ولا يترك أثرًا.
♦ ♦ ♦
يريدونني أن أنسى أن لأمّي لغةً خبّأتها في رغيف،
وأن لأبي ترابًا كان إذا مسّه بيديه استعاد ملامح وجهه،
وأن لي في هذه الأرض حكايةً لم تنتهِ، ولو كُسِرتِ الأقلامُ وجفّتِ الصُّحُف.
♦ ♦ ♦
لكنني لن أخرج من جلدي؛
هذا الجلد ليس معطفًا على مشجب الغزاة،
وهذه الهوية ليست ورقةً تأكلها نارُ المكاتب.
♦ ♦ ♦
أنا ما تبقّى من الحكاية حين يُصلَبُ الرواة،
وما تبقّى من الشجرة حين يقتلعون الغابة،
وما تبقّى من الماء حين يعلنون النبع ملكًا لهم.
♦ ♦ ♦
أنا ابنُ هذه الأرض؛
لا لأنني ورثت ترابها فحسب،
بل لأن ترابها إذا ناداني، عرفتُ اسمي من ملامح جدي.
♦ ♦ ♦
خذوا ما شئتم من ظلالي، واتركوا لي شمسًا واحدة،
خذوا الطريق، واتركوا لي خُطاي،
خذوا الأبواب، لن تأخذوا المفتاح الذي تنام عليه الذاكرة.
♦ ♦ ♦
لن أكون دابّتكم، ولا فأسكم، ولا جرّة الماء التي ترفعها ألسنتكم وتكسرها أيديكم.
أنا لست فائضًا عن أرضكم، ولا عابرًا في جغرافيا أقلامكم، ولا خطأً يحتاج إلى التصحيح.
♦ ♦ ♦
أنا هنا.
وهنا ليست كلمةً تُمحى من سجلّ،
ولا مقعدًا شاغرًا يملؤه القادمون.
♦ ♦ ♦
هنا أمّي، وهنا أبي، وهنا أسماء الذين مرّوا وتركوا في الحجارة أصواتهم.
وهنا، حين ينتهي كل شيء،
سأجلس على عتبة بيتي، وأسمّي الأشياء بأسمائها:
الأرض أرضي، والجرح جرحي، والاسم اسمي.
♦ ♦ ♦
ومن أرادني بلا اسم،
فليتعلّم أولًا كيف يقنع شجرةً أن تتبرّأ من جذورها،
وكيف يقنع نهرًا أن يعتذر للبحر،
وكيف يقنع شعبًا أن يخرج من جلده.. ثم يطلب الحياة.
________________________________________

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة