بين وجهتين مّني… جدلية الذات وانشطار الوعي في مرايا الوجود قراءة أدبية وفلسفية في نص الشاعرة ماتيلدا عواد

بقلم: د. عادل جوده - من العراق

تاريخ النشر: 30/10/26 | 14:38

المقدمة:
تأخذنا الشاعرة ماتيلدا عواد في نصها “بين وجهتين مّني” إلى
منطقة عميقة من الوجود الإنساني، حيث لا يعود الصراع بين
الإنسان والعالم المحيط به، بل يتحّول إلى مواجهة داخلية بين
الذات وصورتها، وبين الوعي وما يحاول إدراكه.
نحن أمام كتابة فلسفية تتجاوز البوح الوجداني المباشر،
لتلامس أسئلة الهوية والانقسام والإدراك، وتضع القارئ أمام
مرآة لا تعكس ملامحه بقدر ما تكشف عجزه عن الإمساك
بحقيقته الكاملة.
إّنه نّص يفّتش عن الإنسان في المسافة الفاصلة بين ما يكونه
وما يراه في نفسه.
أولا: جدلية الانقسام وصراع الأنا
، وهي
تفتتح الشاعرة نصها بقولها: “عالقٌة بين وجهتين مّني”
عبارة مكثفة تختزل مأزق الذات حين تصبح ساحة لصراعها
الداخلي.
فالانقسام هنا ليس ضعًفا عابًرا، بل حالة وجودية تتجاذب فيها
الرغبات والأفكار والتصورات.
وتبلغ المفارقة ذروتها في قولها: “فأصبحُت القّوة التي تهدم ما
، حيث تتحول الذات من مصدر للبناء إلى قوة تقّوض
ُتنشئه”
منجزها، في تصوير بليغ للتناقض الإنساني.
ثانيا: استحالة معرفة الذات
في المقطع الثاني تنتقل الشاعرة من صراع الانقسام إلى
إشكالية المعرفة، فتقول: “أمّد يدي إلى ذاتي / فتتوّلد بين اليد
وما تمتّد إليه مسافة”. هنا تتجسد الذات في صورة كيان
يصعب بلوغه، وكأن الإنسان يحتاج إلى مسافة بينه وبين نفسه
كي يتمكن من رؤيتها.
إنها مفارقة فلسفية دقيقة؛ فكل محاولة للتأمل في الذات
تستدعي وعًيا يراقبها، وبذلك يصبح الإنسان عارًفا ومعروًفا
في آن واحد، دون أن تتطابق الصورتان تماًما.
ثالثا: تحّولات الوعي ومفارقة الإدراك
تطرح الشاعرة سؤالها العميق: “أّيهما أنا: ما أكونه أم ما يتبّقى
مّني حين أراه؟”.
وهذا السؤال يمثل القلب الفكري للنص؛ إذ يضع الهوية بين
حقيقة الوجود وصورة الوعي عنها. ثم تؤكد أن الاقتراب من
الذات لا يضمن امتلاكها، لأن الإدراك نفسه يعيد تشكيل ما
يدركه.
وهكذا تصبح المعرفة فعًلا متجدًدا، لا يصل إلى حقيقة نهائية،
بل يفتح أبواًبا جديدة من التساؤل.
رابعا: الفارق بوصفه حقيقة الوجود
تبلغ التجربة ذروتها حين تتساءل الشاعرة: “فماذا لو لم أكن ذاًتا
تتشّظى / بل ذلك الفارق الذي يجعلني أنا”. هنا تنقلب الرؤية
من اعتبار الانقسام عيًبا ينبغي إصلاحه إلى اعتباره جزًءا أصيًلا
من تكوين الهوية.
فالإنسان ليس كياًنا جامًدا مكتمًلا، بل حركة مستمرة بين
الوعي والوجود، وبين الحضور ومراقبة الحضور. وتأتي النهاية
لتمنح النص بعًدا تأملًيا بالغ الجمال: “أنȅȢوَجد / ثم أخرج مّني
/ كي أعرف أّننيُوجدت”. إنها خلاصة فلسفية تختزل مفارقة
الوجود الإنساني في أبهى صورها.
الخاتمة:
إن نص “بين وجهتين مّني” للشاعرة ماتيلدا عواد تجربة أدبية
وفلسفية ناضجة، تتجاوز حدود التعبير عن التمزق النفسي إلى
مساءلة ماهية الإنسان وعلاقته بذاته.
وقد نجحت الشاعرة في توظيف اللغة المكثفة، والصورة
الذهنية، والمفارقة الفلسفية، لبناء نص تتفاعل فيه الشعرية مع
الفكر دون أن تطغى إحداهما على الأخرى. إنها لا تبحث عن
ذات مكتملة بقدر ما تحتفي برحلة البحث ذاتها، ولا تقدم
إجابات جاهزة، بل تمنحنا أسئلة تظل يقظة في أعماقنا.
فربما لا تكون مأساة الإنسان أنه لا يعرف نفسه، بل أن معرفته
بنفسه تظل فعًلا متجدًدا، وأنه كلما ظن أنه وصل إلى حقيقته،
اكتشف أن في داخله أفًقا آخر ينتظر الاكتشاف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين وجهتين مّني
ماتيلدا عواد
عالقٌة بين وجهتين مّني
كّلما حاولُت جمع انقسامي
تصادمت شحناتي
فأصبحُت القّوة التي تهدم ماُتنشئه
أمّد يدي إلى ذاتي
فتتوّلد بين اليد وما تمتّد إليه مسافة
كأّن الوعي لا يدرك ذاته
إّلا بقدر ما يفصلها عن نفسها
أّيهما أنا:
ما أكونه
أم ما يتبّقى مّني حين أراه؟
إذا كان كّل إدراٍك يعيد تشكيل موضوعه
فإّنني
كّلما اقتربُت مّني
تغّيرُت في اللحظة التي ظننُت أّنني بلغُتني
لعّل انقسامي ليس خلًلا في وحدتي
بل استحالة أن أكون موضوًعا لنفسي
دون أن أصير
في اللحظة ذاتها
ذاًتا أخرى تراقبني
أعاود جمعي
فلا أجد أصًلا أعود إليه
ولا مركًزا ينجو من فعل التقسيم
فماذا لو لم أكن ذاًتا تتشّظى
بل ذلك الفارق الذي يجعلني أنا
ولا يجعلني مطابقًة لنفسي؟
رّبما لا أسترّدني حين أجمعني
رّبما لا توجد ذاٌت تنتظر اكتمالها
ورّبما أكون هذا الحدث المتجّدد:
أنȅȢوَجد
ثم أخرج مّني
كي أعرف أّننيُوجدت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة