“زيتونة الأم” قصَّة قصيرة للفتيان
حمزة مرعي
تاريخ النشر: 30/10/26 | 14:32
حقوق النَّشر محفوظة للمؤلِّف
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحيمِ
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)آل عمران
على بُعد مئة فرسخ من الإمبراطوريَّة، وفي أعالي جبالٍ تكسوها الأشجار الوارفة العالية، كانت هناك بقعة كبيرة تجمع ما بين الغابات الكبيرة ومجمَّع سكنيٍّ هو أقرب إِلى القرية الكبيرة، إذ كان ساكنو هٰذِهِ البقعة من البشر البسطاء. اِمتدَّت القرية على مساحات واسعة من الأرض، وقد تعاقب على أرضها كثير من الأجيال الَّتي لم تعرف لها وطنًا سواها. كانت الأشجار تحتضن بيوتها، بالإضافة إِلى عين ماء تنحدر بين بساتينها لتصل إِلى وسط القرية، بحيث كانت العين قلب المدينة وروحها، حَتّٰى غلب اسمها على المكان، وصار العابرون يسمُّونها «قرية عين الجبل».
في الغابة تعيش الحيوانات من كلِّ الأنواع. كانت الحياة هناك تتَّسع لكلِّ من فيها، حيث إِنَّها رزقت من كلِّ ما تشتهيه الأنفس، وأقرب ما قد يقال عنها إِنَّ عندها اكتفاءً ذاتيًّا، أي لا تحتاج أحدًا من الخلق.
عاش أهلها حياة بسيطة؛ في بيوت من الطِّين والحجر، لا يرتفع أعلاها عن طابقين، وحول كلِّ بيت حديقة واسعة، وَهٰذا ما يميِّز هٰذِهِ القرية بطابعها المعماريِّ. كان أصحابها يزرعون ما يحتاجون إليه من الخضروات والفاكهة. وفي طرف كلِّ حديقة يبني صاحب البيت حظيرة للماشية وإسطبلًا للخيل، وأقنانًا للدَّجاج والطُّيور. وبين البيوت أشجار زيتون عتيقة، تدلُّ على تراث عتيق جميل.
عرف أهل القرية أنَّ الغنى الحقيقيَّ هو ذٰلِكَ القمح في المخازن، والماء في مجراه، والثَّمر على الشَّجر، وأنَّ من نقصه شيء وجده عند جاره. ولم تكن حاجتهم إِلى بعضهم تُشعر أحدًا منهم بالذُّلِّ؛ فاليد الَّتي تأخذ اليوم تعطي غدًا.
وكان بينهم شيخ طبيب، عُرف بالحكيم. عالج أجسادهم طويلًا، وأصلح غير قليل ممَّا يقع بينهم من خصومات. يطرق النَّاس بابه إذا
مرض لهم طفل، أو استعصى عليهم أمر، فيجدونه إِلى جوار نافذته، يقرأ أو يهيِّئ دواء، وتطلُّ عليه من الحديقة زيتونة غرستها أمُّه قبل قرن من الزَّمان.

أحاط السُّكَّان القرية بسور مرتفع يحميهم من مفترسات الغابة، وجعلوا له أبوابًا تُفتح عند الفجر وتُغلق بعد عودة الخارجين. وكان الصَّيَّادون والحطَّابون، وهم أعرف النَّاس بمسالك الأشجار ومكامن الخطر، يغادرون في الصَّباح الباكر؛ ويعودون بما يكفي أهل القرية من الصَّيد، وما تحتاجه المواقد والأفران من الحطب.
كان أهل القرية مثالًا يحتذى به في التَّعاون في شتّٰى مجالات الحياة. وَهٰكَذا مضت حياتهم.
ذات يوم حدث ما لم يكن بالحسبان. لقد دوَّى في طرف القرية صوت هائل، أعقبه صراخ واضطراب. خرج النَّاس من بيوتهم، فرأوا جسمًا غريبًا يتهاوى بين الأشجار، تعلوه قطعة ضخمة من القماش الممزَّق، وتتدلَّى منه حبال تشابكت بالأغصان.
أسرع الرجال إليه، وأخرجوا من سلَّته نفرًا من الغرباء، أصيبوا بجراح وكسور. ولم يسأل أحد عن أسمائهم قبل أن يحملهم، ولا عن بلادهم قبل أن يفتح لهم بابه.
قال كبيرهم، بعدما استردَّ بعض أنفاسه، إنَّهم علماء خرجوا من الإمبراطوريَّة لدراسة الجبال، فأضلَّتهم الرِّيح، ثُمَّ أصاب منطادهم ما أصابه.

تولَّى الحكيم علاجهم، وتقاسم أهل القرية ضيافتهم. حملت النِّساء إليهم الطَّعام، وجمع الحطَّابون ما يحتاج إليه إصلاح سلَّتهم، وأخرج بعض النَّاس أثوابًا ادَّخروها لسنوات، لتُرقَّع بها أجزاء المنطاد.
وَهٰكَذا لبث العلماء في القرية فترة كبيرة حَتّٰى تماثلوا للشِّفاء والْتأمت جراحهم. وقد انبهروا من كرم أهل القرية، وجمال أخلاقهم. وكانوا طيلة فترة العلاج يجلسون بجانب النَّوافذ ويشاهدون الحياة البسيطة في القرية. وأعجبوا بها أيمَّا إعجاب.

وما إن استطاعوا المشي حَتّٰى أخذوا يجوبون القرية وما حولها، وفي أيديهم دفاتر صغيرة لا تفارقهم.
وقد أضمروا أمرًا فيما بينهم، وأرادوا استغلال هٰذِهِ الفرصة الَّتي بين أيديهم أثناء مكوثهم في هٰذا المكان. ثُمَّ أخذوا يسألون عن مجرى العين، وعن الأراضي الَّتي تسقيها، وعن محصول الزَّيتون والقمح، وأنواع الأخشاب في الغابة. ثُمَّ سألوا عن عدد البيوت، وأسماء أصحابها، وعادات النَّاس، ومواعيد خروج الرِّجال وعودتهم. وكانوا يقفون طويلًا عند السُّور المحيط بالقرية.
ذات مرَّة قال أحدهم لحطّابٍ رافقه: “من يحتفظ بمفاتيح هٰذِهِ الأبواب؟”
أجابه الرَّجل ببساطة: “نتناوب عليها. وَلِـماذا تسأل؟”
فابتسم الغريب، وأعاد قلمه إِلى الورق: “نحن علماء نبحث ونستقصي، وإنَّنا وإن وصلنا إِلى قريتكم صدفة، إلَّا أنَّنا لن نُضَيِّعَ هٰذِهِ الفرصة من أيدينا، فنحن ندوِّن ونكتب وصفًا لحياتكم في هٰذِهِ القرية، وَهٰذا الشَّيء يفيد العلم، ويفيد الأجيال القادمة، وسيقرأكم النَّاس في كتب التَّاريخ.”
ولم يجد الحطَّاب في الجواب ما يدعو إِلى الرِّيبة.
أمَّا الحكيم، فكان يراهم يتناجون إذا انفردوا، فإذا أقبل عليهم سكتوا أو أشاروا إِلى شجرة أو صخرة. ظنَّها أوَّل الأمر عادات العلماء في البحث، ثُمَّ شعر بشيء لم يعرف له اسمًا. غير أنَّه كان كلَّما تذكَّر هيئتهم يوم حملهم من الحطام، استبعد خاطر السُّوء، وَلٰكِنْ ظلَّ الشَّكُّ يراوده.

وتسارعت الأيَّام حَتّٰى جاء وقت الرَّحيل. ووقف أهل القرية يودِّعون ضيوفهم، وقد زوَّدوهم بالطَّعام والماء. وشكر الغرباء للحكيم عنايته، وللنَّاس كرمهم، ثُمَّ ارتفع المنطاد شيئًا فشيئًا، حَتّٰى غاب خلف الجبال.
حَتّٰى إِنَّ بعض الصِّبية ظلُّوا يلوِّحون له بعد اختفائه.
***

ما إن بلغ العلماء عاصمة الإمبراطوريَّة حَتّٰى قصدوا قصر الملك على وجه السُّرعة. وبسطوا أمامه خرائطهم، ودفاترهم، ثُمَّ راحوا يصفون له ما وراء الجبال. حدَّثوه عن الماء والأرض والأشجار، وعن أناس يملكون قوتهم، ولا يدفعون لخزانته شيئًا. ما إن سمع الملك هٰذِهِ الكلمات حَتّٰى رفع رأسه عند الكلمة الأخيرة مستغربًا.
وأكمل كبير العلماء: “أرض واسعة، وخير كثير، وأهل لا يعرفون من العالم إلَّا ما يحيط ببيوتهم. إن تركتها اليوم، فقد تمتدُّ إليها يد غيرك غدًا.”
أطال الملك النَّظر في الخريطة، ثُمَّ وضع إصبعه على الدَّائرة الَّتي تحيط بالنَّبع. ثُمَّ سأل: “ما هٰذِهِ؟”
– “هٰذِهِ عين القرية، يا مولاي.”

بعد أشهر، ظهرت طلائع الجند على الطَّريق الجبليِّ.
لم يضلُّوا في الغابة، ولم يتوقَّفوا ليسألوا عن الممرَّات. وصلوا إِلى السُّور من الجهة الأقلِّ تحصينًا، ودخلوا القرية، وسط ذهول أهلها، واستدلَّ الجند على موضع مخزن الحبوب قبل أن يعرف بعض أهل القرية أنَّهم قد اقتربوا.

وعلى الفور أحسَّ أهل القرية بالخطر يداهمهم، فخرج الشُّبَّان بما استطاعوا جمعه من سلاح، وقاتلوا عند الأبواب. لٰكِنَّ الجنود كانوا أكثر عددًا وأشدَّ عدَّة. كُسر أحد الأبواب، واقتحمت الخيل الأزقَّة، ثُمَّ اقتيد كثير من المدافعين مكتوفي الأيدي، من أمام البيوت الَّتي خرجوا لحمايتها.

لم يمض أسبوع حَتّٰى وقف الملك في السَّاحة. حيث كانت رايته تعلو السُّور، وخلفه صفٌّ من الجند، وأمام النَّاس وجوه مألوفة، كانت هنا ذات يوم.
في هٰذِهِ اللَّحظات رفع الملك يده، وعمَّ الهدوء الأرجاء خوفًا، وأخذ يخطب فيهم بكلمات منمَّقة سياسيَّة:
– “أيُّها النَّاس لقد جئتكم اليوم بعهد جديد، شيء لم تعهدوه من قبل. سأشقُّ الطُّرق، وأبني لكم البيوت الواسعة، وأفتح لكم أبواب التِّجارة على مصاريعها، وسأجعل في أيديكم من المال ما لم تعرفوه من قبل. ستعيشون من الآن فصاعدًا في حمايتي آمنين، ولن ينالكم بعد اليوم الشَّقاء.”
نظر بعضهم إِلى ثيابه، وإِلى سرج جواده، وإِلى الذَّهب الَّذي يلمع على سيوف حرَّاسه. ثُمَّ نظروا إِلى أيديهم المتشقِّقة من العمل.
أمَّا الحكيم فقد ظلَّ واقفًا يستمع إِلى هٰذِهِ الكلمات المنمَّقة، ولم يبد اعتراضًا. إلَّا أنَّه سأل نفسه: “هل نحتاج إِلى هٰذِهِ الأشياء الَّتي يذكرها الملك؟ وَلِـماذا يعطينا؟ لا بدَّ وأن وراء هٰذا الأمر شيء عظيم قادم لا ينبئ بخير.”
في هٰذِهِ الأثناء بدأ أعوان الملك يوزِّعون النُّقود، فتقدَّم أوَّل رجل، ثُمَّ تبعه آخرون من الطَّامعين أصحاب النُّفوس الدَّنيَّة، إلَّا الحكيمَ ونفرًا قليلًا قد منعتهم عزَّة نفوسهم أن يمدُّوا أيديهم إِلى هٰذِهِ الأموال.
أوصى الملك قائد الجند قبل رحيله بما يريد، وقال له: “والمهمُّ أن تبقى لنا في القرية عين.”

لم تتأخَّر عطايا الملك كما وعد. حيث رُصفت السَّاحة، وأُقيمت البيوت الجديدة على أطراف البساتين، وافتُتحت سوق تعرض أقمشة وأطعمة وأدوات لم يعهدها النَّاس من قبل. وصار بعض أبناء القرية يعملون عند أعوان الملك، ويتقاضون أجورًا سخيَّة يعودون بها فرحين إِلى بيوتهم في آخر النَّهار.
كان الحكيم يقوم كلَّ يوم بجولة في القرية، مارًّا بالسُّوق؛ فاستوقفه بعض النَّاس وأشاروا إِلى الطَّريق الجديد، وقالوا: “ألم يفِ الملك بوعده؟”
وأمسك أحدهم بطرف ثوبه المطرَّز أمام الحكيم: “هل كان عندنا مثل هٰذا قبل مجيئه؟”

لم ينكر الحكيم ما رأى. لٰكِنَّهُ كان يرى أيضًا عربات الخشب تغادر الغابة كلَّ صباح، وأكياس القمح تُحمل إِلى مخازن يحرسها جنود الإمبراطوريَّة، وقنوات جديدة تصرِّف جزءًا من ماء العين إِلى أملاك أحاطها الملك بسياج.
وبعد مدَّة صدر أمر ملكي يمنع قطع الأشجار بغير إذن، وآخر يمنع الصَّيد إلَّا لمن يحمل ورقة مختومة. وصار الفلاَّح يدفع ليوصل الماء إِلى أرضه، والحطَّاب ينتظر السَّماح بدخول الغابة الَّتي عرف طرقها منذ طفولته.

في دار العطاء جلس كاتب وراء سجلٍّ ضخم، ونادى في النَّاس: “من أراد نصيبه، فليدخل في القيد.”
فاصطفَّ النَّاس أمامه. وكان كلُّ رجل ينصرف مسرورًا حين يجد لاسمه موضعًا.
بدأت الحدائق تضيق، ثُمَّ أهمل بعضها. حيث صار أصحابها يشترون من السُّوق ما كانوا يخرجونه من ترابهم، ويحسبون الأيَّام إِلى موعد الأجور والعطايا. فإذا تأخَّرت النُّقود ضاقت البيوت، وإذا وصلت ارتفعت الأصوات بالدُّعاء للملك.

كان الحكيم يدور بينهم ويقول لهم: “اُنظروا إِلى العربات الملكيَّة وما تحمله من خيراتكم وأرزاقكم خارج القرية، ثُمَّ انظروا إِلى ما يعود إليكم منها.”
فيجيبه رجل من العامَّة، بدون أدنى تفكير: “لٰكِنَّهُ أعطانا.”
فيقول الحكيم: “كان هٰذا الَّذي أعطاكم إيَّاه هو بعض ما تملكون، فهو في الأصل ملككم.”
وَلٰكِنْ لم يكن الحديث يطول بعد ذٰلِكَ. فقد كانت في الأيدي نقود، وفي السُّوق أشياء كثيرة، وكان النَّاس يتهامسون فيما بينهم بأنَّ كلام الحكيم يفسد على النَّاس فرحتهم بما يشترون ويأخذون.

بعد أعوام، رأى الملك أن يجعل للقرية مختارًا، يكون له كاليد الَّتي تساعده في إدارة شؤون القرية. فاستدعى معاونيه في الحال، ثُمَّ قال لهم: “اختاروا أربعة من أهل القرية، من وجهائها، وأعلنوا أنَّ أمر القرية سيُترك لأهل القرية.”
فسأله أحدهم: “وأيُّهم تريد أن يتولَّى الأمر؟”
أجاب الملك وهو يراجع حسابات الخشب الوارد من تلك الغابة: “تأكَّدوا أوَّلًا أنَّ هٰؤُلاءِ الأربعة يصلحون لخدمتي، ثُمَّ دعوا النَّاس يختارون أحدهم.”
وصل الخبر إِلى أهل القرية، فامتلأت السَّاحة بالفرح. ومن سذاجة النَّاس وبساطتهم درج على لسانهم قولهم: “إنَّ الملك قد أنصفهم أخيرًا، فإنَّهم سيصبحون أصحاب الكلمة في شؤونهم.”
بدأ المرشَّحون بالظُّهور أمام النَّاس، وقد أخذ كلُّ واحد منهم يَعِدُ بما لا يَعِدُ به الآخر. فَهٰذا يعد بزيادة العطاء، وثانٍ بتوسيع السُّوق، وشقِّ الطُّرقات الجديدة، وثالث ببناء البيوت والكتاتيب، ورابع بتخفيف ما يُجبى من الضَّرائب على الماء والمحاصيل.
وقد كانوا يختلفون في كلِّ مجلس، ثُمَّ يدخلون، واحدًا بعد الآخر، إِلى دار قائد الجند، ليملي عليهم ما عليهم قوله وفعله.
ثُمَّ علِّقت أسماؤهم على الجدران، ورفعت لهم رايات عند مفارق الطُّرق. صار لكلِّ مرشَّح رجال يجلسون باسمه، ويتحدَّثون باسمه، ويغضبون إذا ذُكر غيره بخير.
في بيت واحد اختلف أخوان. وفي بستان واحد تخاصم شريكان. وامتنع جار عن إجابة جاره لأنَّ راية مخالفة ظهرت فوق بابه.

في هٰذا الوقت كان الحكيم يتجوَّل في السَّاحة، بين النَّاس، يسمع ما يقولون وما يفعلون، مستغربًا من هٰذا الأمر أيَّما استغراب. فلم يعهد هٰذا الأمر من قبل، ولم يعلم هل هو خير أم شرٌّ. وَلٰكِنَّهُ كان يشكُّ في خيريَّته.
فجأة سمع أصواتًا تتعإِلى بين جماعتين، حيث إِنَّهما تتجادلان في شؤون المرشَّحين، فذهب ووقف بينهما، وقال: “قبل أن تختلفوا فيمن يجلس على كرسيِّ المختار، اِسألوا: من يملك أن يفتح باب القرية ويغلقه؟”
فأشار أحدهم إِلى البناء الجديد الَّذي أُعدَّ للمختار، وقال: “سيكون له مجلس، وسيكون لنا عنده صوت.”

نظر الحكيم إِلى السُّور. حيث كان قائد الجند يمرُّ من هناك، ويتدلَّى
المفتاح الكبير من حزامه. فقال: “فاسألوه إن كان يستطيع إخراج أبنائكم من الأسر. أو هل يستطيع أن يسمح لكم بزيارة الغابة كما كنتم سابقًا.”
وواصل الحكيم طرح الكثير من الأسئلة عليهم… دون أدنى جواب. فهم منشغلون بما هو أهمُّ حسب فهمهم.
وما زال الحكيم يدور بين النَّاس يحذِّرهم من الانخراط في هٰذا الأمر، ويدعوهم إِلى العودة إِلى ما كانوا عليه سابقًا فلم يصدِّقه أحد. بل كانوا يتَّهمونه بالجنون.
وكان بعض النَّاس يردُّون عليه: “مالك كيف تحكم أيُّها العجوز؟ هل تريد منَّا العودة إِلى الوراء بعد أن تقدَّمنا كلَّ هٰذا التَّقدُّم.”
وبعض آخر يقول: “نحن نريد تحسين حياتنا، وأنت لا تزال تحدِّثنا عن أيَّام الطِّين والحطب.”
ذات مرَّة قال شابٌّ متحمِّس للحكيم: “يا حكيم اُنظر إِلى الطَّريق الَّذي تقف عليه. من الَّذي رصفه لك؟”
خفض الحكيم عينيه إِلى الحجارة، ثُمَّ نظر إِلى الشَّابِّ: “أعرف من رصفه، وأعرف من يمرُّ فوقه بما يحمله من أرضنا.”

اِشتدَّ التَّنافس، حَتّٰى لم تعد الوعود تكفي. وتفرَّق النَّاس وتشرذموا، ودخلت بينهم الفتن؛ وَهٰذا ما كان يفرح الملك كثيرًا، فقد كان يعلم بأمر الحكيم الَّذي يدور بين النَّاس، وَلٰكِنْ كان يتركه ليقوم بدوره، فَهٰذا أَيْضًا يخدم مصلحته.
أُشيعت أخبار عن هٰذا، واتُّهم ذاك بخيانة أهل القرية، وأُحرقت ذات ليلة شجرة أمام بيت رجل، ثُمَّ وُجد في اللَّيلة التَّالية متجر مكسور الباب. ووقع قتال في السُّوق، وأُريق دم هنا وهناك.
اِستُبدل الباب المحطَّم في السُّور بباب أثقل، وزاد عدد الجنود عنده. وقال أعوان الملك للنَّاس إنَّ ذٰلِكَ لحماية النَّاس من أنفسهم.
كانت التَّقارير تصل إِلى القصر بانتظام. يقرأ الملك أسماء الجماعات، وعدد الخصومات، وما وقع من اعتداءات، ثُمَّ يضع الأوراق جانبًا مطمئنًّا.
في أحد الأيَّام قال له معاونه: “بقي أمر الشَّيخ. لا يزال يطوف بين النَّاس، ويقول إنَّك أخذت منهم أكثر ممَّا أعطيتهم.”
فسأله الملك: “وهل اجتمعوا عليه؟”
– “أكثرهم يسخر منه. لٰكِنَّ نفرًا قليلًا أخذوا يصغون إليه”.
– “وماذا يفعل هٰؤُلاءِ؟”
– “يخاصمون أنصار المرشَّحين، ويعيِّرونهم بقبول عطاياك”.
– “إذن دعه”.

مرَّت السُّنون على هٰذِهِ الحال، وفي كلِّ فترة يتنافس النَّاس كسابق عهدهم على اختيار المختار، ويحدث كما يحدث في كلِّ مرَّة.
أصبح الحكيم وحيدًا، أكثر من ذي قبل، بعد أن كان مجلسه يعمر بالنَّاس. إلَّا أنَّه ذات مرَّة وجد أخيرًا من يصغي إليه كما كان في سابق عهده، فجلس إِلى ثلَّة من النَّاس قد التفُّوا حوله، وحدَّثهم عن الأرض والماء، وعن البيوت الَّتي كان أصحابها يملكون أمرها. وعن أشياء كثيرة قد سلبت منهم.
وبعد فترة صار بعضهم يخرج من مجلسه ليقول للآخرين إنَّهم وحدهم أهل الفهم، وإن سائر القرية قد باعت نفسها للملك. ثُمَّ صاروا يردُّون الإساءة بمثلها، ويخاصمون باسم الحكيم من لم يخاصمهم قط. فنهاهم الحكيم عن هٰذا، إلَّا أنَّهم سمعوا بعض قوله، وتركوا بعضه.
وحين اقترب موعد اختيار مختار جديد، دعاه أحدهم إِلى السَّاحة، قائلًا: “ينبغي أن يروا كثرتنا. لقد جمعنا رجالًا يعلنون رفضهم.”
فسأله الحكيم: “وماذا ستقولون لهم؟”
– “سنُريهم أنَّ جماعتنا أكبر من جماعتهم.”
طال نظر الشَّيخ إليه، كأنَّه يسمع للمرَّة الأولى كلمة كان يسمعها منذ سنوات، وتساءل: “جماعتنا؟”
قال الشَّابُّ بحماسة: “نعم، جماعتنا. وَلِـماذا نترك لهم السَّاحة؟”
اِمتعض الحكيم من هٰذا، وَلٰكِنَّهُ لم يجب. ثمَّ خرج معه، ووقف بعيدًا عند طرف السُّوق. رأى الرَّايات تتزاحم، وسمع أسماء المرشَّحين تتردَّد، ثُمَّ رأى رجالًا يرفعون اسمه، ويدفعون رجلًا آخر لأنَّه خالفهم.
حاول أن يبلغهم، بأنَّ ذٰلِكَ الفعل خطأ، فضاع صوته بين الأصوات.
وفي تلك اللَّحظات تحرَّكت عربة كبيرة من عند المخازن. كانت محمَّلة بأخشاب الغابة وأكياس المحصول. فأفسحت لها الجماعات الطَّريق، كلُّ جماعة تزعم أنَّها هي الَّتي ستنقذ القرية. ثُمَّ مرَّت العربة من بينهم، واتَّجهت إِلى الباب. وهناك، رفع الجنديُّ المفتاح.
وَهٰكَذا ظلَّ الحكيم ينظر ويراقبها حَتّٰى اختفت خلف السُّور. ثُمَّ عاد إِلى بيته متثاقلًا.
جلس إِلى النَّافذة الَّتي كان يقرأ عندها، فرأى زيتونة أبيه. جفَّ بعض أغصانها منذ نَقَصَ الماء عن الحديقة، لأنَّه كان قد أجَّل العناية بها مرارًا، لانشغاله بالمجالس والخصومات. ثُمَّ مدَّ يده إِلى مذكِّراته، وكتب فيها:
“كيف يكون المرء مختارًا، ومفتاح بابه في يد غيره؟”
وبعدها ظلَّ طوال ليلته يستعيد بذاكرته تلك الوجوه الَّتي خاصمته، وتلك الَّتي خاصمت باسمه. فأدرك في قرارة نفسه أنَّ كلامه الَّذي أراد به جمع النَّاس قد أصبح عند بعضهم سببًا آخر للتَّفرقة.
وفي الصَّباح جاءه نفر من أصحابه يدعونه إِلى مجلس جديد. فقال لهم: “لن أذهب.”
فظنّوا أنَّه مريض، وسألوه عن وجعه. فأطرق قليلًا، ثُمَّ قال: “لقد أيقنت أخيرًا أنَّ وجودي بينكم في تلك المعمعات، هو أحد أهداف الملك. فكما أنَّ هناك فرقًا ومرشحين فَكَذٰلِكَ أنا مثلهم، ولو لم أرشِّح نفسي، وكنت أدعو إِلى خلاف ذٰلِكَ.”
لٰكِنَّ النَّاس لم يفهموا مقالته. فقال بعضهم إنَّه خذلهم، واختلفوا في اعتزاله كما اختلفوا في كلامه.
أمَّا هو فودَّعهم وأغلق بابه. ومنذ ذٰلِكَ اليوم اعتزل المجالس، ومواسم الاختيار، والخصومات الَّتي لا تنتهي. علَّق عصاه خلف الباب، وانقطع عن الدَّوران بين النَّاس.
في الخارج كانت الأصوات ترتفع باسم المختار الجديد، بينما تعبر السَّاحة عربة أخرى، محمَّلة بما بقي من خشب الغابة، في طريقها إِلى قصر الملك.

في عزلته، تذكَّر الحكيم أخيرًا كلام أمِّه العجوز قبل نحو أربعين عامًا. حيث كانت توصيه قائلةً:
“يا بُنيَّ، لا تَخُضْ مع الخائضين، واعتزل الفتن ما استطعت”.
يومها حفظ الكلمات، ولم يفهم ما وراءها؛ وكان يحسب أنَّ حُسن قصده ونواياه يكفيانه في هٰذا الزَّمان. أمَّا الآن، وقد رأى كيف يُعكِّر الخوضُ مع الخائضين المزاج، فقد عاد إليه صوتها واضحًا، كأنَّ السِّنين كلَّها لم تكن إلَّا طريقًا طويلًا إِلى فهم وصيَّة قصيرة.
أطرق الحكيم طويلًا، ثُمَّ قال في نفسه: “الآن فهمتُ يا أمِّي”.
وأخذ يستذكر حديث رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم: “وأفضل النَّاس يومئذ مؤمن معتزل في شعب من الشِّعاب يتَّقي الله ويدعُ النَّاس من شرِّه”.

وفي إحدى المرات، كان الحكيم جالسًا قرب نافذة منزله، يتأمل شجيرات الزيتون التي زرعها منذ أعوام، فوجدها هشَّة غير قوية. ثم ألقى نظرة إلى شجرة الزيتون التي زرعتها أمُّه فوجدها متينة قوية.
فأخذ يفكِّر مليًّا، إلى أن فهم أخيرًا أن الاعتناء بالجذور يُنبِت لنا أشجارًا قويَّة كزيتونة أمِّه، أصلها ثابت وفرعها في السماء. ثم أخذ يتذكَّر كيف أنَّه قد زرع تلك الشجيرات ولم يعتنِ بها، كاعتناء أمّه بتلك الشجرة.
تمت بحمد الله







