كسبنا الأجر **
د. حاتم عيد خوري
تاريخ النشر: 29/10/26 | 11:16
في قريتي فسوطة، كما في كثير من القرى العربية، لم تكن العلاقات الإنسانية تُقاس بعدد الزيارات ولا بحجم الكلمات، بل بصدق الوقوف إلى جانب الإنسان في ساعة شدّته. كانت القرية، على صغر مساحتها، أشبه بعائلة واحدة، تتقاسم الأفراح كما تتقاسم الأحزان، حتى ليبدو أن نبض قلب واحد يسري في الجميع.
وكان الزجال اللبناني قد لخّص هذه الروح الشعبية بكلمات بسيطة لكنها عميقة الدلالة:
بضيعتنا لو حدا مات
نسهر مع أهلو للفجر
هيدي ما كانت واجبات
كنّا نقول: كسبنا الأجر.
لم تكن تلك الأبيات مجرد شعرشعبي يُتداول بين الناس، بل كانت دستورًا اجتماعيًا غير مكتوب، يختصر فلسفة كاملة في التكافل الإنساني. فمشاركة أهل المصاب لم تكن تُعدّ واجبًا اجتماعيًا فحسب، بل عبادةً يتقرب بها الإنسان إلى الله، وعملًا يخفف عن القلوب أوجاعها ويجعل الألم أقل قسوة.
ولذلك، ما إن كانت تُسمع دقات جرس الكنيسة المتقطعة، تلك الدقات الحزينة التي يعرفها كل أبناء القرية، حتى ينتشر الخبر في الأزقة قبل أن ينطق به أحد. كان الجميع يدرك أن الموت قد طرق بابًا من بيوت القرية. وسرعان ما يتردد السؤال على كل لسان:”مين مات؟”
ولم يكن السؤال بدافع الفضول، وإنما بدافع المبادرة. فما إن تُعرف هوية الفقيد حتى يبدأ الناس بالتوافد إلى بيت العزاء، رجالًا ونساءً، شيوخًا وشبابًا، ليقفوا إلى جانب الأسرة المنكوبة، يواسي بعضهم بالكلمة، وبعضهم بالصمت، وبعضهم بمجرد الحضور.
في طفولتي، كان الموت بالنسبة إليّ حدثًا يقع دائمًا للآخرين. كنت أرافق والدي في تقديم واجب العزاء، لا لأنني كنت أفهم معنى الموت، بل لأن والدي كان يصرّ على اصطحابي معه. ولم أكن أدرك آنذاك أن الرجل كان يربيني، بصمت، على درسٍ من أهم دروس الحياة.
كان يقول لي: “هذه مدرسة يا بني… مدرسة لا تُدرَّس في الكتب.” وحقًا، كانت مدرسة كاملة تعلمتُ فيها احترام الإنسان في ضعفه، والوقوف إلى جانبه حين تنفضّ الجموع عنه، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يقوله في أوقات الفرح، وإنما بما يفعله في ساعات الحزن.
غير أن هذه المدرسة توقفت مؤقتًا عندما غادرت فسوطة لمتابعة دراستي الثانوية في الناصرة، ثم الجامعية في القدس. ابتعدت عن القرية سنوات، لكن صور تلك المجالس، ووجوه المعزين، وأصوات الدعاء، بقيت محفوظة في الذاكرة، وإن بدا لي مع مرور الزمن أن كثيرًا من تلك الطقوس لا يعدو كونه تقليدًا اجتماعيًا يؤديه الناس بحكم العادة.
كنت أتساءل بيني وبين نفسي: “هل تغيّر كلماتُ التعزية شيئًا؟ هل تعيد الميتَ إلى الحياة؟ وهل تختلف عبارة “البقية بحياتكم” عن “سلامة راسكم” أو “طول العمر لكم”؟ كنت أرى أن الناس يكررون العبارات نفسها في كل جنازة، حتى كادت تبدو لي كلمات محفوظة تُقال بلا شعور. لكن الإنسان لا يدرك حقيقة الأشياء إلا عندما يختبرها بنفسه.
وجاء اليوم الذي انتقل فيه الموت من كونه خبرًا أسمعه إلى تجربة أعيشها. كان ذلك سنة 1964. أصيبت شقيقتي، رحمها الله، في حادث مروّع، وظلّت أسبوعًا كاملًا تصارع الموت في مستشفى الجليل الغربي. كنّا نتشبث بكل خيط أمل، نراقب الأطباء، وننتظر أي كلمة تبعث فينا الرجاء.
إلى أن جاء الطبيب المناوب، وكانت ملامحه تسبق كلماته. قال بهدوء ثقيل إن حالتها أصبحت ميؤوسًا منها، وإنها تعيش سكرات الموت، وإن النهاية باتت وشيكة. في تلك اللحظة انهارت كل الجسور التي كنا نعبر عليها نحو الأمل. شعرت وكأن الزمن توقف.
لم تكن شقيقتي مجرد أخت تكبرني بعامين. كانت بالنسبة إليّ أمًّا ثانية. منذ طفولتي كانت تحيطني بعاطفتها، تتابع شؤوني، وتخاف عليّ، وتفرح لفرحي وتحزن لحزني. وكانت قد بلغت أواسط العشرينيات من عمرها، أما لطفلين، أصغرهما رضيعة لم تكمل أربعين يومًا. كان منظر طفلتها الصغيرة يزيد المشهد إيلامًا. شعرت يومها بأن قطعة من قلبي قد اقتُلعت. وبأن الأرض التي أقف عليها تميد بي. تسلل الحزن إلى أعماقي حتى كاد يطفئ في نفسي كل رغبة في مواصلة مسيرتي التعليمية.
وكنت آنذاك على مشارف إنهاء دراستي في كليتي العلوم والتربية في الجامعة العبرية في القدس، ولم يبق بيني وبين التخرج سوى الامتحانات النهائية. لكن أي امتحان يمكن أن يشغل إنسانًا فقدَ جزءًا من روحه؟ خيّل إليّ أن كل ما بنيتُه خلال سنوات الدراسة قد ينهار في لحظة.
غير أن ما حدث بعد ذلك غيّر نظرتي إلى الحياة كلها. فما إن شاع خبر الوفاة حتى بدأ الناس يتوافدون إلى بيت العزاء من كل حدب وصوب. وجوه أعرفها، وأخرى لا أعرفها. أيدٍ تمتد للمصافحة وأخرى تحتضن وعيون تدمع وكلمات تخرج من القلب قبل اللسان.
وللمرة الأولى اكتشفت أن كلمات التعزية التي كنت أظنُّها مجرد عبارات مكرّرة، تحمل في داخلها طاقة عجيبة لا تُقاس بألفاظها، بل بالمحبة التي تحملها.
لم تكن الكلمات وحدها هي التي عزّتني. كان حضور الناس الدافئ ونظراتهم المتعاطفة ودموعهم المنسالة وصمتهم المعبّر يبعث بي إحساسا باننا لسنا لوحدنا في مجابهة هذه الفاجعة
شيئًا فشيئًا بدأت الغمامة السوداء تنقشع. ليس لأن الحزن قد انتهى، فالحزن على الأحبة لا ينتهي، وإنما لأن حمله أصبح أخفّ حين حمله معنا الآخرون. شعرت أن هؤلاء جميعًا اقتسموا معنا شيئًا من الألم. وأن المصيبة، مهما كانت عظيمة، تصبح أقل وطأة عندما تتوزع على قلوب كثيرة.
استمددت من كلمات المعزين واحتضانهم لنا على امتداد بضعة ايام الناس، قوة جديدة أعادتني الى صوابي. كانت قوة خفية، لكنها حقيقية، هي التي دفعتني إلى العودة إلى القدس، ومتابعة دراستي، وخوض الامتحانات النهائية.
لكن ما إن وصلت إلى الجامعة حتى عادت الوحشة من جديد. لقد عاودتني مشاعر الضيق والحزن. شعرت بتعب جسمي ونفسي وبدوت كمن يعيش غربتين: غربة بعدٍ عن الأهل في فسوطة وغربة نفسية عن الدراسة ناهيك عن امتحانات نهائية مصيرية. كنت أجلس أمام الكتب بينما ذهني معلق في فسوطة وكل صفحة أقرؤها كانت تختلط بذكريات أختي.
وهنا حدث ما لم أنسه طوال حياتي، فقد التفَّ حولي زملائي الطلاب العرب، يواسونني ويشدّون من أزري، وكان في مقدمتهم صديقي العزيز، طيب الذكر، الدكتور سامي مرعي الذي احتضنني بحرارة وقال جملة ما زالت ترنُّ في أذني حتى اليوم: “شدّ حيلك يا حاتم… مدارسنا العربية تنتظرك.”
لم تكن تلك عبارة مجاملة، ولم تكن محاولة لتخفيف الحزن بكلمات عابرة. كان سامي يعرف أنني أدرس موضوع علم الأحياء وأساليب تدريسه، وأنني على وشك أن أكون أول طالب عربي يتخصص في هذا المجال لخدمة مدارسنا العربية. لقد نقلني بكلماته من دائرة الحزن الشخصي إلى دائرة الرسالة. ذكّرني بأن هناك أجيالًا تنتظر، وأن الإنسان، مهما اشتد حزنه، يبقى مسؤولًا عن أداء رسالته في الحياة. لقد كانت تلك الكلمات نقطة تحوّل انتشلتني، في لحظة مفصلية في حياتي، من هوة سحيقة كدت انزلق اليها.
نهضت من انكساري، واستجمعت قواي، وأكملت امتحاناتي ثم بدأت رحلة طويلة في ميدان التربية والتعليم، حملتُ خلالها رسالة كنتُ أشعر في أعماقي أن شقيقتي كانت ستفرح بها لو بقيت على قيد الحياة.
ومنذ ذلك اليوم تبدلت نظرتي إلى التعزية. أصبحت أؤمن أن الإنسان لا يذهب إلى بيت العزاء ليقول كلمات محفوظةً إنما يذهب ليمنح جزءًا من قلبه، ويقتسم شيئًا من الألم، ويقول لأهل المصاب، بصوته أو بصمته: لسنا بعيدين عنكم، وأنتم لستم وحدكم.
واليوم، كلما شاركت في عزاء، أستعيد كلمات والدي، رحمه الله، التي لم أفهم عمقها إلا بعد سنوات طويلة: “شارك الناس أفراحهم وأتراحهم، فيتعاظم فرحهم ويتضاءل حزنهم”، فبتُّ أعتبر ان مشاركة الناس افراحهم واتراحهم، هي دَين عليّ حرصت منذ سنة 1964 وسأحرص دوما، على إيفائه ما دام في العمر بقية…
** نصٌّ من كتابي الجديد الذي سيصدر قريبا بعنوان “ذاكرة قرية….سيرة وطن”







