قراءة في نتائج التصويت والوعي السياسي

بقلم عامر كرماوي

تاريخ النشر: 29/10/26 | 11:14

أصوات كثيرة وأثر مفقود:
——‐–
شهد مجتمعنا في الآونة الأخيرة صحوة انتخابية لافتة تمثلت في تدفق تاريخي إلى صناديق الاقتراع بنسب تجاوزت الـ 80%، وهو إنجاز يثلج الصدر ويعكس رغبة عارمة في التغيير وإثبات الوجود.
ومع ذلك، فإن العبرة في العمل السياسي لا تقف عند حدود الكمية والمشاركة الكثيفة، بل تكمن في مكان توجيه هذه القوة التصويتية ومدى قدرتها على تحقيق مكاسب حقيقية وملموسة تخدم قضايا هذا الشعب.

إن تحليل سلوك الناخبين، خاصة أولئك الذين قرروا المشاركة بعد سنوات طويلة من المقاطعة أو العزوف، يكشف عن فجوة في الوعي السياسي؛ فالعديد من المقاطعين السابقين انخرطوا في العملية الانتخابية دون إدراك عميق لآليات التأثير والنهج السياسي الواقعي الذي تمثله القائمة الموحدة.
وبدلاً من تبني النهج البرغماتي والعملي، انساق جزء كبير من هذه الأصوات مدفوعاً بالعاطفة نحو القائمة المشتركة، متأثراً بـ “ماكينة إعلامية ضخمة” مارست التحريض المستمر ونشرت روايات مضللة شوهت النهج الآخر.

هذا التوجيه العاطفي للأصوات أدى في نهاية المطاف إلى إعادة المجتمع إلى المربع الأول، ليجد نفسه مجدداً “معلقاً بين حانا ومانا”؛ حيث يواجه خطر فقدان الزخم الكبير الذي تحقق جراء هذه المشاركة الواسعة.

ويصبح المشهد شبيهاً بالمثل القائل “كأنك يا أبا زيد ما غزوت”، حيث هُدرت طاقات تصويتية هائلة ووُجهت نحو مسارات قد لا تعود بالفائدة المرجوة.

وما يبعث على القلق الحقيقي هو مؤشرات ما بعد الانتخابات، والتي تظهر في التصريحات غير المسؤولية الصادرة عن بعض القيادات السياسية لبعض الأحزاب—مثل الخطاب الأخير للنائب السعدي—والذي تسبب في موجة غضب شديد لدى الشارع والمنظومة السياسية اليهودية. مثل هذه التصريحات المستعجلة والخطابات غير المدروسة تفقد المجتمع أوراق القوة التي اكتسبها، وتوحي بأن هذه الأصوات الكثيرة قد تذهب بلا فائدة، وكأنها حُرقت ولكن بطريقة أخرى.

إن استثمار الثقل الانتخابي يتطلب من القيادة السياسية دراسة كل تصريح وموقف بدقة متناهية قبل إعلانه، لضمان استغلال هذه الأصوات بالشكل الصحيح الذي يخدم مصالح الشعب، بدلاً من التفريط بها في مهب الخطابات الحماسية.

إن الأمل يظل معقوداً على أن تحسن الأحزاب التي نالت هذه الثقة استغلالها بعيداً عن الرائحة غير الطيبة للتصريحات الحالية، حتى لا تتحول هذه الثروة الصوتية الكبيرة إلى فرصة ضائعة أخرى.

#ومع هذه القراءة النقدية للمشهد، لا بد لنا من وقفة نتوجه فيها بالشكر والتقدير لكل من شارك وساهم في العملية الانتخابية.
إن هذا الالتفاف الجماهيري هو شهادة على حيوية مجتمعنا وإصراره على التأثير في صنع القرار، وهو أمانة ثقيلة في أعناق من حازوا على هذه الثقة.
ومن هنا، نوجه نداءً حاراً ومسؤولاً إلى القائمتين (الموحدة والمشتركة) بأن يعملا فوراً على استغلال هذا الإنجاز لصالح مجتمعنا وعدم إضاعة هذه الفرصة.
إن القوة السياسية التي يمتلكها المجتمع اليوم يجب ألا تُهدر، ويجب قطع الطريق تماماً على رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ومنعه من جرّ البلاد إلى انتخابات تعيد تمكينه، وذلك عبر الانخراط الفعال في تشكيل المشهد السياسي؛ سواء بالدخول في ائتلاف مباشر مع “كتلة التغيير” كما يقتضي نهج الموحدة، أو عبر تقديم دعم خارجي من خلال شبكة أمان برلمانية قوية تضمن إسقاط نتنياهو وإنهاء وجوده السياسي الذي طالما تضرر منه مجتمعنا.
#إن المسؤولية الكبرى تقع اليوم على كاهل القائمة المشتركة، والتي أصبحت مطالبة أكثر من أي وقت مضى بأن تستغل أصوات ناخبيها بالشكل الصحيح، وأن تكف نهائياً عن أسلوب العواطف والشعارات الرنانة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل تساهم في تدمير مكتسباتنا وحرق أصوات شعبنا.
#نعم، إن لنا حقوقاً ومطالب نريد تحصيلها ودعمها، ولكن أليس التخلص من نتنياهو هدفاً استراتيجياً كبيراً ومهماً يستحق أن نضحي بالقليل من الشروط والعواطف من أجل تسهيل عملية سقوطه؟

**السؤال المفصلي المطروح اليوم: كيف ستتصرف المشتركة في هذه اللحظة؟ هل ستدير المرحلة بحكمة وعقلانية سياسية تضمن حقوق شعبنا، أم ستنجر وراء العاطفة والتعنت اللذين يحرقان الأصوات بلا فائدة؟

إن النقطة الأهم والملحة الآن هي وقف التهاون في التعامل مع الموحدة، والكف فوراً عن المناكفات السياسية والحزبية الضيقة التي دأبت عليها المشتركة للأسف الشديد.
وينتظر الشارع إجابة عملية من القائمة المشتركة حول مدى احترامها لإرادة الناس والثقة الغالية التي مُنحت لها، أو ما إذا كانت ستختار مجدداً طريق الشعارات لتضيع تلك الأصوات. #الإجابة ستحددها الأيام القادمة، والمجتمع لن يرحم من يفرط بأمانته.
اللهم بلغت اللهم فاشهد
وما على الرسول الا البلاغ
اخوكم المحب لكم جميعا والذي يتمنى لكم كل خير الفقير لله عامر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة