كهفُ الكتاب

فخري هوّاش البروة/ جديدة المكر

تاريخ النشر: 29/10/26 | 11:07

للكتابِ كهفٌ،
لا تدلُّ عليه الخرائط،
ولا تفضي إليه الطرقاتُ المعبّدة.
هناك،
في عتمة الروح،
تجلسُ فكرةٌ عارية،
ترتجفُ من بردِ المعنى،
وتبحثُ عن حرفٍ يسترُ ارتباكَها.
تلك ولادةُ النصّ…
حين يطرقُ المعنى بابَ القلب،
ولا يجدَ غيرَ الصمتِ يفتحُ له،
تبدأ آلامُ المخاض.
تتقلّبُ الفكرةُ في رحمِ اللغة،
تشدُّ الحروفَ من أطرافها،
وتستدعي الغائبين من قبور الذاكرة،
وتجرحُ صاحبَها
كي يخرجَ الكلامُ سليمًا.

كم من قصيدةٍ ماتت في رحمِ الصمت،
وكم من جملةٍ شاخت
قبل أن تجدَ طريقَها إلى الورق!
ثم تأتي الولادة…
حرفٌ يتلوه حرف،
وجملةٌ تتعثّرُ في ضوء المعنى،
حتى يخرجَ النصُّ
من عتمة الروح
إلى بياض الصفحة.
لكنَّ المخاضَ لا ينتهي هنا.
ثمةَ يدٌ تقلّبُ الورق،
وعينٌ تلاحقُ الحبر،
وأنفٌ يقتربُ من رائحة الكتاب،
كأنّ للورق ذاكرةً
تحتفظُ بأنفاسِ الذين مرّوا من هنا.
رائحةُ الورق…
ليست رائحةَ شجرٍ مات،
بل رائحةُ غابةٍ
عادت إلى الحياة
على هيئةِ كلمات.
وفي آخر النفق،
يجلسُ القارئ.
لا يعرفُ كم نزفَ الكاتب،
ولا كم ليلةً
أمضاها يفاوضُ الأرق،
ولا كم مرّةً
دفنَ جملةً كي تنجو القصيدة.
يفتحُ الكتاب،
فتفتحُه الكلماتُ بدورها.
قد يمرُّ بها عابرًا،
وقد يجدُ بين سطورها
وجهَ أمٍّ غابت،
أو وطنًا أضاعَ عنوانه،
أو جرحًا ظنَّ أنّه جرحُه وحده.
وهنا،
في تلك اللحظة الغامضة،
يحدثُ ما لا يملكه الكاتب:
يموتُ النصُّ الذي كتبه،
ويولدُ النصُّ الذي يقرؤه الآخر.
فيا أيها القارئ،
إذا وجدتَ في الكتابِ شيئًا منك،
فلا تسألْ الكاتبَ
كيف عرفَ سرَّك.
ربّما لم يكن يكتبُ عنك،
بل كان يحفرُ في روحه
حتى بلغَ كهفَك.
فالكتابُ لا تكتملُ ولادتُه حين يُكتب،
ولا حين تفوحُ منه رائحةُ الورق،
بل حين يجدُ قلبًا
يُشبهُ وحدتَه،
ويمنحُ كلماتِه
حياةً أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة