عندما يُساءُ فهمُ الحرّيّةِ… الحضارةُ مسؤوليّةٌ، والكرامةُ حقٌّ، والتّعايشُ التزامٌ.
الباحث الدكتور رافع حلبي – دالية الكرمل.
تاريخ النشر: 28/10/26 | 7:58
مقدّمةٌ: الحضارةُ بينَ المظاهرِ المادّيّةِ والقيمِ الإنسانيّةِ.
إنَّ الحضارةَ، في جوهرِها العميقِ، ليست مجرّدَ أبنيةٍ شاهقةٍ، وشوارعَ منظَّمةٍ، ومؤسّساتٍ متقدّمةٍ، وتقنيّاتٍ حديثةٍ، ولا هي امتيازٌ جغرافيٌّ تحتكرُه شعوبٌ دونَ أخرى، بل هي منظومةٌ متكاملةٌ من القيمِ والمعارفِ والسّلوكيّاتِ الّتي ترتقي بالإنسانِ من حدودِ الغريزةِ إلى آفاقِ الوعيِ، ومن منطقِ القوّةِ إلى منطقِ القانونِ، ومن التّعصُّبِ والانغلاقِ إلى رحابةِ العقلِ، واحترامِ الكرامةِ الإنسانيّةِ، وقبولِ الآخرِ المختلفِ، فالحضارةُ الحقيقيّةُ تُقاسُ بما يبلغه الإنسانُ من نضجٍ فكريٍّ وأخلاقيٍّ، وبما يُظهرُه من قدرةٍ على التّعايشِ مع الآخرينَ، وصيانةِ حقوقِهم، واحترامِ حرّيّاتِهم، وتحويلِ المعرفةِ إلى عملٍ نافعٍ، والحرّيّةِ إلى مسؤوليّةٍ، والاختلافِ إلى مصدرٍ للإثراءِ والتّكاملِ، لا إلى ذريعةٍ للصّراعِ والكراهيةِ والعداءِ، ومن هذا المنطلقِ، فإنَّ ما تشهدُه بعضُ المجتمعاتِ الأوروبيّةِ وغيرها من المجتمعاتِ من اضطراباتٍ وأعمالِ عنفٍ وتخريبٍ واعتداءاتٍ على الممتلكاتِ العامّةِ والخاصّةِ، وما يرافقُ بعضَ الاحتجاجاتِ من خروجٍ على القانونِ وتهديدٍ لأمنِ النّاسِ واستقرارِهم، يستحقُّ وقفةً فكريّةً جادّةً تتجاوزُ الانفعالَ الآنيَّ، وتبحثُ في العلاقةِ بينَ الحرّيّةِ والمسؤوليّةِ، وبينَ الحقوقِ والواجباتِ، وبينَ الامتيازاتِ الّتي توفّرُها المجتمعاتُ الحديثةُ وما تفرضُه من التّزاماتٍ أخلاقيّةٍ وقانونيّةٍ على الأفرادِ الذينَ يعيشونَ فيها، فالمسألةُ ليست إدانةَ شعبٍ أو ثقافةٍ أو مجموعةٍ بشريّةٍ بعينِها، وليست محاولةً لتصنيفِ النّاسِ وفقَ أصولِهم أو أماكنِ ولادتِهم، وإنّما هي دعوةٌ إلى إعادةِ الاعتبارِ إلى المعيارِ الإنسانيِّ الّذي ينبغي أن يحكمَ سلوكَ الجميعِ دونَ استثناءٍ:
لا حرّيّةَ بلا مسؤوليّةٍ، ولا حقوقَ بلا احترامٍ لحقوقِ الآخرينَ، ولا حضارةَ حقيقيّةً حيثُ يُستباحُ القانونُ وتُهانُ كرامةُ الإنسانِ.
أوّلًا: أوروبا بينَ منجزاتِ الحضارةِ وتحدّياتِ الواقعِ الاجتماعيِّ.
لقد استطاعتْ دولٌ أوروبيّةٌ عديدةٌ، عبرَ مساراتٍ تاريخيّةٍ طويلةٍ، أن تبنيَ مؤسّساتٍ دستوريّةً وقضائيّةً وتعليميّةً واجتماعيّةً، وأن تطوّرَ منظوماتٍ لحمايةِ الحقوقِ والحرّيّاتِ، وأن تجعلَ سيادةَ القانونِ والمساواةَ أمامَه من المبادئِ الأساسيّةِ في تنظيمِ الحياةِ العامّةِ، كما أتاحتْ لكثيرٍ من مواطنيها والمقيمينَ فيها فرصًا للتّعليمِ والعملِ والعلاجِ والمشاركةِ في الحياةِ الاجتماعيّةِ، وسعتْ إلى توفيرِ مستوياتٍ من الأمانِ والاستقرارِ والعيشِ الكريمِ، وهذه المنجزاتُ ليست أمرًا هيّنًا، ولا يجوزُ النّظرُ إليها باعتبارِها امتيازاتٍ عابرةً أو مكاسبَ مضمونةً إلى الأبدِ، فهي ثمرةُ جهودٍ بشريّةٍ وتراكمٍ معرفيٍّ وتشريعيٍّ ونضالٍ اجتماعيٍّ طويلٍ، وتحتاجُ إلى حمايةٍ مستمرّةٍ، وإلى مواطنينَ يدركونَ قيمتَها، ومؤسّساتٍ تحافظُ عليها، وقوانينَ تُطبَّقُ بعدالةٍ على الجميعِ،
غيرَ أنَّ الواقعَ الأوروبيَّ، شأنَه شأنَ واقعِ سائرِ المجتمعاتِ، لا يخلو من أزماتٍ اقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ، وتفاوتاتٍ في الفرصِ، وصعوباتٍ في الحصولِ على السّكنِ والعملِ، وضغوطٍ على المؤسّساتِ التّعليميّةِ والخدماتِ العامّةِ، فضلًا عن خلافاتٍ سياسيّةٍ وثقافيّةٍ قد تتّخذُ أحيانًا أشكالًا حادّةً من الاحتجاجِ والمواجهةِ.
إنَّ ما تشهدُه بعضُ الدّولِ الأوروبيّةِ، ومنها فرنسا وإنجلترا وبلجيكا وهولندا وألمانيا وإسبانيا وغيرها، من اضطراباتٍ واحتجاجاتٍ وأعمالِ عنفٍ في بعضِ الحالاتِ، يفتحُ البابَ أمامَ تساؤلاتٍ جادّةٍ حولَ قدرةِ المجتمعاتِ على المحافظةِ على استقرارِها، وحولَ مسؤوليّةِ الأفرادِ والمؤسّساتِ في حمايةِ الحياةِ العامّةِ من الفوضى والتّخريبِ، ومع ذلكَ، ينبغي التّمييزُ بينَ الاحتجاجاتِ السّلميّةِ وأعمالِ العنفِ، وبينَ المطالبِ الاجتماعيّةِ المشروعةِ والتّصرّفاتِ الّتي تنتهكُ حقوقَ الآخرينَ، إذ لا يجوزُ اختزالُ أحداثٍ متنوّعةٍ في تفسيرٍ واحدٍ، أو اعتبارُ الهجرةِ سببًا تلقائيًّا لكلِّ اضطرابٍ اجتماعيٍّ، وهنا ينبغي ألّا نخلطَ بينَ الاحتجاجِ السّلميِّ والفوضى، ولا بينَ المطالبةِ بالإصلاحِ والاعتداءِ على الآخرينَ، فمن حقِّ الإنسانِ أن يحتجَّ على سياسةٍ يراها ظالمةً، وأن يطالبَ بتحسينِ ظروفِ حياتِه، وأن ينتقدَ الحكومةَ والمؤسّساتِ، ولكن ليس من حقِّه أن يحوّلَ مطالبَه إلى اعتداءٍ على إنسانٍ بريءٍ، أو أن يحرقَ مدرسةً، أو يدمّرَ مرفقًا عامًّا، أو ينهبَ متجرًا، أو يروّعَ أسرةً آمنةً.
إنَّ الدّولةَ التي تحمي حقَّ الاحتجاجِ مطالبةٌ أيضًا بحمايةِ حقِّ النّاسِ في الأمنِ والحياةِ والعملِ والتّنقّلِ، كما أنَّ الفردَ الّذي يتمتّعُ بحرّيّةِ التّعبيرِ مطالبٌ باحترامِ الحرّيّاتِ المقابلةِ، وعدمِ تحويلِ صوتِه إلى أداةٍ لإسكاتِ الآخرينَ بالقوّةِ.
ثانيًا: الحرّيّةُ ليست تمرّدًا على القانونِ.
من أخطرِ الالتباساتِ الفكريّةِ أن يتوهّمَ بعضُ النّاسِ أنَّ الحرّيّةَ تعني القدرةَ على فعلِ كلِّ ما يرغبونَ فيه، دونَ اعتبارٍ لحقوقِ الآخرينَ أو للمصلحةِ العامّةِ أو للقواعدِ الّتي تنظّمُ الحياةَ المشتركةَ، فالحرّيّةُ، في معناها الحضاريِّ، ليست انفلاتًا من كلِّ قيدٍ، وإنّما هي قدرةُ الإنسانِ على الاختيارِ والتّعبيرِ والتّصرّفِ ضمنَ إطارٍ يحفظُ حقوقَه وحقوقَ سائرِ البشرِ، وهي لا تفقدُ قيمتَها حينَ تقترنُ بالقانونِ، بل تكتسبُ معناها العمليَّ حينَ يحمي القانونُ الإنسانَ من اعتداءِ غيرِه، ويمنعُ الأقوى من فرضِ إرادتِه على الأضعفِ، ولذلكَ، فإنَّ مَن يطالبُ بحرّيّتِه ينبغي أن يكونَ أوّلَ المدافعينَ عن حرّيّةِ الآخرينَ، ومَن يطالبُ بحمايةِ حقوقِه لا يجوزُ له أن يتعاملَ مع حقوقِ الآخرينَ باعتبارِها شأنًا ثانويًّا، ومَن يستفيدُ من مؤسّساتِ المجتمعِ وخدماتِه، فإنَّ عليه أن يحترمَ القواعدَ الّتي تتيحُ لهذه المؤسّساتِ الاستمرارَ في أداءِ وظائفِها، ولا يستقيمُ أن يطالبَ الإنسانُ بالأمنِ لنفسِه، ثم يهدّدَ أمنَ جيرانِه، أو أن يطالبَ باحترامِ معتقدِه، ثم يزدريَ معتقداتِ غيرِه، أو أن يحتجَّ على التّمييزِ ضدَّه، ثم يمارسَ التّمييزَ ضدَّ الآخرينَ.
إنَّ المبدأَ الأخلاقيَّ الّذي ينبغي أن يحكمَ المجتمعاتِ المتحضّرةَ واضحٌ: الحقوقُ لا تُمنَحُ لفئةٍ كي تستخدمَها في الانتقاصِ من حقوقِ فئةٍ أخرى، والقانونُ لا يكونُ عادلًا إذا تحوّلَ إلى أداةٍ لحمايةِ طرفٍ وإعفاءِ طرفٍ آخرَ من المسؤوليّةِ، ومن هنا، فإنَّ تطبيقَ القانونِ بعدالةٍ وشفافيّةٍ، ومحاسبةَ مَن يرتكبُ العنفَ أو التّخريبَ وفقَ الإجراءاتِ القانونيّةِ، يشكّلانِ شرطًا أساسيًّا لحمايةِ الحرّيّةِ نفسِها، فلا التّساهلُ مع الاعتداءاتِ يحمي المجتمعَ، ولا العقابُ الجماعيُّ يحقّقُ العدالةَ، بل إنَّ المطلوبَ هو تحديدُ المسؤوليّةِ الفرديّةِ، وإثباتُ المخالفاتِ، ومحاسبةُ مرتكبيها دونَ تمييزٍ في الأصلِ أو الدّينِ أو الثّقافةِ أو الانتماءِ، وهنا تبرزُ حقيقةٌ جوهريّةٌ: الحرّيّةُ ليست إعفاءً من المسؤوليّةِ، والمساواةُ ليست إلغاءً للواجباتِ، والكرامةُ الإنسانيّةُ ليست ترخيصًا للاعتداءِ على كرامةِ الآخرينَ.
ثالثًا: الحقوقُ والواجباتُ وجهانِ متكاملانِ للحياةِ الكريمةِ.
إنَّ الحياةَ في مجتمعٍ حديثٍ لا تقومُ على ما يحصلُ عليه الفردُ من حقوقٍ فحسبُ، بل على ما يتحمّلُه من واجباتٍ أيضًا، فالمجتمعُ ليس مكانًا يقيمُ فيه الأفرادُ بصورةٍ منفصلةٍ، يستفيدُ كلُّ واحدٍ منهم من خدماتِه دونَ أن يعنيَه مصيرُ الآخرينَ، بل هو شبكةٌ من العلاقاتِ والمصالحِ والمسؤوليّاتِ المتبادلةِ، فالمدرسةُ الّتي تُعلّمُ أبناءَنا تحتاجُ إلى الاحترامِ والحمايةِ، والمستشفى الّذي يُعالجُ مرضانا يحتاجُ إلى مؤسّساتٍ قادرةٍ على العملِ، والطّريقُ الّذي نسلكُه يحتاجُ إلى الالتزامِ بقواعدِ السّيرِ، والحديقةُ العامّةُ الّتي يستريحُ فيها أطفالُنا تحتاجُ إلى المحافظةِ عليها، والقانونُ الّذي يحمي حقوقَنا يحتاجُ إلى أن نحترمَه حينَ يطبَّقُ على غيرِنا كما نحترمُه حينَ يطبَّقُ علينا.
إنَّ الاعتداءَ على الممتلكاتِ العامّةِ ليس فعلًا موجّهًا ضدَّ الحكومةِ وحدَها، فقد يكونُ اعتداءً على مصالحِ آلافِ المواطنينَ الذينَ تُموَّلُ هذه الممتلكاتُ من أموالِهم، وعلى حقوقِ الأطفالِ والمرضى والطلّابِ وكبارِ السنِّ، وعلى المواردِ الّتي ينبغي أن تُوجَّهَ إلى تحسينِ حياةِ المجتمعِ، وكذلكَ، فإنَّ الاعتداءَ على الممتلكاتِ الخاصّةِ لا يصبحُ مقبولًا لمجرّدِ أنَّ مرتكبَه يرفعُ شعارًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا، فالمطالبُ العادلةُ لا تكتسبُ شرعيّتَها من الشّعاراتِ وحدَها، بل من الوسائلِ الّتي تُستخدَمُ لتحقيقِها، ومن مدى احترامِها لكرامةِ البشرِ وحقوقِهم، وإذا كانت بعضُ السّياساتِ الحكوميّةِ تستحقُّ النّقدَ والمراجعةَ، فإنَّ علاجَها يكونُ بالمشاركةِ المدنيّةِ، والاحتجاجِ السّلميِّ، والعملِ النّقابيِّ، والحوارِ، والوسائلِ القانونيّةِ المتاحةِ، لا بإحراقِ المدنِ أو تخويفِ النّاسِ أو نشرِ الفوضى الّتي يدفعُ الأبرياءُ ثمنَها قبلَ غيرِهم، إنَّ المجتمعَ المتحضّرَ لا يكتفي بالمطالبةِ بالانضباطِ، بل يُنشئُ بيئةً تساعدُ على الالتزامِ، ويضمنُ عدالةَ القوانينِ، ويتيحُ للنّاسِ سُبُلًا مشروعةً للتّعبيرِ عن مطالبِهم، وفي المقابلِ، لا يجوزُ أن يتحوّلَ الشّعورُ بالظّلمِ أو الإحباطِ إلى مبرّرٍ لإيذاءِ الأبرياءِ أو انتهاكِ حقوقِهم.
لا تُقاسُ قيمةُ الإنسانِ بما يطالبُ به لنفسِه فقط، بل أيضًا بما يحترمُه من حقوقِ الآخرينَ، وبما يتحمّلُه من مسؤوليّاتٍ تجاهَ المجتمعِ الّذي يعيشُ فيه.
رابعًا: الهجرةُ والانتماءُ والتّعايشُ في المجتمعاتِ المتعدّدةِ الثّقافاتِ.
تُعدُّ الهجرةُ من القضايا الّتي تثيرُ نقاشاتٍ واسعةً في أوروبا وغيرها من مناطقِ العالمِ، وهي قضيةٌ مركّبةٌ تتداخلُ فيها الاعتباراتُ الإنسانيّةُ والقانونيّةُ والاقتصاديّةُ والثّقافيّةُ والأمنيّةُ، فهناكَ مَن يهاجرُ هربًا من الحربِ والاضطهادِ، وهناكَ مَن يبحثُ عن العملِ والتّعليمِ وفرصٍ أفضلَ للحياةِ، وهناكَ مَن ينتقلُ لأسبابٍ عائليّةٍ أو اجتماعيّةٍ متعدّدةٍ، ولا يجوزُ اختزالُ هذه التّجاربِ الإنسانيّةِ المختلفةِ في صورةٍ واحدةٍ، كما لا يجوزُ افتراضُ أنَّ كلَّ مهاجرٍ يشكّلُ عبئًا على المجتمعِ المضيفِ، أو أنَّ كلَّ شخصٍ ينتمي إلى ثقافةٍ مختلفةٍ عاجزٌ عن التّعايشِ مع غيرِه، فكثيرٌ من المهاجرينَ يدرسونَ ويعملونَ، ويدفعونَ الضّرائبَ، ويسهمونَ في الاقتصادِ، ويربّونَ أبناءَهم على احترامِ القانونِ، ويشاركونَ في بناءِ المجتمعاتِ الّتي اختاروا العيشَ فيها، وفي المقابلِ، فإنَّ الاعترافَ بحقوقِ المهاجرينَ وكرامتِهم لا يعني إلغاءَ حقِّ الدولِ في تنظيمِ الدّخولِ والإقامةِ، أو تجاهلَ ضرورةِ تطبيقِ قوانينِها، أو الامتناعَ عن مناقشةِ الصّعوباتِ الّتي قد تنشأُ عن ضعفِ الاندماجِ أو قصورِ السّياساتِ العامّةِ، فالنّقاشُ المسؤولُ لا يقومُ على إنكارِ المشكلاتِ، ولا على تضخيمِها، وإنّما على فهمِها وتحديدِ أسبابِها ووضعِ حلولٍ عادلةٍ لها.
يجبُ هنا أن نميّزَ بينَ احترامِ ثقافةِ الإنسانِ وخصوصيّتِه من جهةٍ، وبينَ قبولِ أيِّ سلوكٍ يصدرُ عنه مهما كانَ من جهةٍ أخرى، فالتّعدّديّةُ الثّقافيّةُ لا تعني أنَّ كلَّ ممارسةٍ تصبحُ مقبولةً لمجرّدِ ارتباطِها بتقاليدَ معيّنةٍ، كما أنَّ احترامَ الاختلافِ لا يفرضُ على المجتمعِ التّساهلَ مع العنفِ أو الإكراهِ أو الاعتداءِ على الحقوقِ الأساسيّةِ.
إنَّ احترامَ الثّقافاتِ لا يتعارضُ مع وجودِ إطارٍ قانونيٍّ مشتركٍ يحمي الجميعَ، فمن حقِّ كلِّ إنسانٍ أن يحتفظَ بلغتهِ وموروثِه وعاداتِه السّلميّةِ ومعتقداتِه، ما دامَ يمارسُ ذلكَ في إطارِ احترامِ حقوقِ الآخرينَ والقوانينِ النّافذةِ، وفي الوقتِ نفسِه، فإنَّ الاندماجَ النّاجحَ ليس مطالبةً للإنسانِ بالتّخلّي عن هويّتِه أو محوِ ذاكرتِه، بل هو بناءُ علاقةٍ متوازنةٍ بينَ خصوصيّتِه الثّقافيّةِ وانتمائِه إلى المجتمعِ الأوسعِ الّذي يعيشُ فيه، يستطيعُ الإنسانُ أن يكونَ وفيًّا لجذورِه، ومعتزًّا بثقافتِه، ومشاركًا في بناءِ مجتمعِه، دونَ أن يضعَ هويّتَه في مواجهةٍ دائمةٍ مع هويّاتِ الآخرينَ، إنَّ المشكلةَ ليست في اختلافِ النّاسِ، بل في تحويلِ الاختلافِ إلى جدارٍ يمنعُ التّواصلَ، أو إلى ذريعةٍ لتبريرِ التّعصُّبِ ورفضِ القواعدِ المشتركةِ الّتي تحفظُ الحياةَ العامّةَ.
خامسًا: لا تُبنى الحضارةُ بالامتيازاتِ وحدَها، بل بالوعيِ والمسؤوليّةِ.
قد يحصلُ الإنسانُ على فرصٍ واسعةٍ في التّعليمِ والعملِ والعلاجِ والحمايةِ القانونيّةِ، ومع ذلكَ لا يُحسنُ استخدامَها إذا لم يكتسبْ وعيًا بقيمتِها، ولم يتعلّمْ أنَّ الحرّيّةَ تتطلّبُ ضبطَ النّفسِ، وأنَّ الحقوقَ تتطلّبُ احترامَ حقوقِ الآخرينَ، وأنَّ الحياةَ المشتركةَ لا تستقيمُ حينَ يضعُ كلُّ فردٍ رغباتِه الشّخصيّةَ فوقَ مصلحةِ الجميعِ، فالتّقدُّمُ المادّيُّ لا يضمنُ وحدَه التّقدُّمَ الأخلاقيَّ، كما أنَّ امتلاكَ المعرفةِ التّقنيّةِ لا يعني بالضّرورةِ امتلاكَ الحكمةِ في استخدامها، وقد يتعلّمُ الإنسانُ القراءةَ والكتابةَ، ويحصلُ على الشّهاداتِ، ويعيشُ في مدينةٍ متقدّمةٍ، لكنّه يظلُّ محتاجًا إلى تطويرِ قدرتِه على الحوارِ، وإدارةِ الخلافِ، واحترامِ القانونِ، والتّعاملِ مع الآخرينَ باعتبارِهم شركاءَ في الإنسانيّةِ، ومن هنا، فإنَّ التّعليمَ الحضاريَّ لا ينبغي أن يقتصرَ على نقلِ المعلوماتِ وإعدادِ الأفرادِ لسوقِ العملِ، بل يجبُ أن يشملَ تنميةَ الضّميرِ الاجتماعيِّ، وتدريبَ العقلِ على التّفكيرِ النّقديِّ، وتعزيزَ القدرةِ على التّمييزِ بينَ الحقِّ والباطلِ، وبينَ الاحتجاجِ المشروعِ والاعتداءِ، وبينَ الحرّيّةِ والفوضى، فالإنسانُ الّذي يتعلّمُ أنَّ الآخرَ ليس عدوًّا لمجرّدِ اختلافِه عنه، وأنَّ القانونَ ليس أداةً لإذلالِه بل ضمانةٌ لحقوقِه، وأنَّ المحافظةَ على الممتلكاتِ العامّةِ مسؤوليّةٌ مشتركةٌ، يكونُ أكثرَ قدرةً على المشاركةِ في بناءِ مجتمعٍ مستقرٍّ ومتوازنٍ.
لا ينبغي أن ننسى أنَّ هذه المسؤوليّةَ تقعُ على الجميعِ: على الأسرةِ الّتي تغرسُ القيمَ الأولى، وعلى المدرسةِ الّتي تصقلُ الوعيَ، وعلى المؤسّساتِ الدّينيّةِ والثّقافيّةِ الّتي تخاطبُ الضّميرَ، وعلى وسائلِ الإعلامِ الّتي تستطيعُ أن تهدّئَ التّوتّراتِ أو تؤجّجَها، وعلى الدّولةِ الّتي يجبُ أن تقدّمَ نموذجًا في العدالةِ والشّفافيّةِ والمساءلةِ، فحينَ يرى الإنسانُ أنَّ القانونَ يُطبَّقُ على الجميعِ، وأنَّ حقوقَه مصونةٌ، وأنَّ فرصَ التّقدّمِ ليست حكرًا على فئةٍ دونَ أخرى، تزدادُ فرصُ الثقةِ بينَه وبينَ المؤسّساتِ، أمّا حينَ يشعرُ بالتّمييزِ أو التّهميشِ أو انسدادِ الأفقِ، فإنَّ مشاعرَ الإحباطِ قد تتفاقمُ، ويصبحُ استغلالُها من قِبَلِ أصحابِ الخطاباتِ المتطرّفةِ أكثرَ سهولةً، ولا يعني ذلكَ أنَّ الإحباطَ يبرّرُ العنفَ، بل يعني أنَّ معالجةَ أسبابِه الاجتماعيّةِ والاقتصاديّةِ، بالتّوازي مع تطبيقِ القانونِ، أكثرُ قدرةً على حمايةِ المجتمعِ من الاكتفاءِ بالمواجهةِ بعدَ وقوعِ الأضرارِ.
سادسًا: الصّحراءُ ليست نقيضَ الحضارةِ، والجغرافيا ليست مقياسًا لقيمةِ الإنسانِ.
إنَّ من الأخطاءِ الفكريّةِ الشّائعةِ أن يُربطَ مستوى الحضارةِ بأصلِ الإنسانِ أو ببيئتِه الجغرافيّةِ، وكأنَّ العيشَ في الصّحراءِ دليلٌ على التّخلّفِ، أو الإقامةَ في المدنِ الحديثةِ شهادةٌ تلقائيّةٌ بالتّقدّمِ والرّقيِّ، والحقيقةُ أنَّ الصّحراءَ أنجبتْ مجتمعاتٍ لها تاريخُها وقيمُها ومعارفُها وتجاربُها، كما أنَّ المدنَ الكبرى، على الرّغمِ من تقدّمِها المادّيِّ، ليست محصّنةً ضدَّ التّعصُّبِ والعنفِ والفسادِ والاستغلالِ، فلا الجغرافيا تصنعُ الأخلاقَ وحدَها، ولا الثّروةُ تضمنُ الحكمةَ، ولا المظهرُ الحضاريُّ يكفي لإثباتِ النّضجِ الفكريِّ الإنسانيِّ.
إنَّ المعيارَ الحقيقيَّ هو ما يبنيه الإنسانُ في عقلِه وضميرِه، وما يقدّمُه من عملٍ نافعٍ، وما يُظهرُه من احترامٍ للحقوقِ، وما يلتزمُ به من عدلٍ وإنصافٍ، وقدرتُه على التّعلّمِ والتّطوّرِ ومراجعةِ أخطائِه، ولذلكَ، فإنَّ الدّعوةَ إلى الحضارةِ ليست دعوةً إلى احتقارِ بيئةٍ أو شعبٍ أو ثقافةٍ، بل إلى تجاوزِ كلِّ ما يعيقُ نموَّ الإنسانِ، سواءٌ أكانَ جهلًا أم تعصُّبًا أم انغلاقًا أم استسلامًا للخرافةِ أم رفضًا للعلمِ أم استخفافًا بكرامةِ الآخرينَ، فقد يكونُ الإنسانُ ابنَ قريةٍ صغيرةٍ أو صحراءَ واسعةٍ، لكنّه يحملُ من الحكمةِ والإنسانيّةِ ما يجعلُه أقربَ إلى جوهرِ الحضارةِ من شخصٍ يعيشُ في أكثرِ المدنِ تطوّرًا، إذا كانَ هذا الأخيرُ يعتدي على النّاسِ، أو يزدري اختلافَهم، أو يعتقدُ أنَّ القوّةَ تمنحُه الحقَّ في إهانتِهم.
إنَّ الحضارةَ ليست ميراثًا جغرافيًّا ثابتًا، بل مسارٌ إنسانيٌّ مفتوحٌ أمامَ كلِّ مَن يختارُ العلمَ والعملَ والعدلَ والاحترامَ، ويجعلُ من كرامةِ الإنسانِ مبدأً لا يتجزّأُ.
سابعًا: كرامةُ الإنسانِ لا تُصانُ بالتّسامحِ مع العنفِ، ولا بالتّمييزِ بينَ البشرِ.
إنَّ الدّفاعَ عن كرامةِ الإنسانِ يقتضي موقفًا واضحًا من العنفِ، أيًّا كانَ مرتكبُه، وأيًّا كانت الذّريعةُ الّتي يرفعُها لتبريرِ فعلِه، فلا يجوزُ تبريرُ الاعتداءِ على النّاسِ باسمِ الاحتجاجِ، كما لا يجوزُ تبريرُ الاعتداءِ على حقوقِ النّاسِ باسمِ الأمنِ، فالتّسامحُ لا يعني القبولَ بالظّلمِ، والانفتاحُ لا يعني التّخلّي عن القانونِ، واحترامُ الاختلافِ لا يعني الصّمتَ أمامَ التّخريبِ أو التّهديدِ أو التّحريضِ على الكراهيةِ، وفي المقابلِ، فإنَّ رفضَ العنفِ لا يبيحُ إهانةَ جماعةٍ بشريّةٍ بأكملِها، أو تحميلَ أفرادٍ مسؤوليّةَ أفعالٍ لم يرتكبوها، أو حرمانَ النّاسِ من حقوقِهم بسببِ أصولِهم أو أسمائِهم أو معتقداتِهم، فالعدالةُ لا تعرفُ العقابَ الجماعيَّ، والمسؤوليّةُ لا تُحدَّدُ بالهويّةِ، بل بالفعلِ المثبتِ والأدلّةِ والإجراءاتِ القانونيّةِ العادلةِ، وإذا ارتكبَ شخصٌ جريمةً، وجبَ أن يُحاسَبَ بصفتهِ الفرديّةِ، لا أن تتحوّلَ جريمتُه إلى حكمٍ على ملايينَ من البشرِ الذّينَ يشتركونَ معه في لغةٍ أو دينٍ أو أصلٍ جغرافيٍّ، كما أنَّ انتماءَ شخصٍ إلى المجتمعِ المضيفِ لا يمنحُه حصانةً من المساءلةِ إذا ارتكبَ فعلًا مماثلًا.
هنا تظهرُ قيمةُ القانونِ بوصفِه ميزانًا مشتركًا، لا أداةً للانتقامِ أو التّمييزِ، فالمجتمعُ الّذي يتسامحُ مع العنفِ حينَ يصدرُ عن جماعةٍ يفضّلُها، ثم يرفضُه حينَ يصدرُ عن جماعةٍ أخرى، لا يحمي العدالةَ، بل يُضعفُ الثّقةَ بها، إنَّ المبدأَ الحضاريَّ الّذي يستحقُّ الدّفاعَ عنه هو أنَّ كلَّ إنسانٍ مسؤولٌ عن أفعالِه، وأنَّ حقوقَ الجميعِ مصونةٌ، وأنَّ القانونَ ينبغي أن يحمي الضّحايا، ويحاسبُ المعتدينَ، ويمنعُ تكرارَ الانتهاكاتِ، من دونَ انتقائيّةٍ أو تحيّزٍ.
ثامنًا: الاندماجُ الحقيقيُّ يبدأُ من الاعترافِ المتبادلِ بالمسؤوليّةِ.
لا يمكنُ بناءُ مجتمعٍ متماسكٍ بالاكتفاءِ بمطالبةِ الوافدينَ باحترامِ قوانينِه، إذا كانت مؤسّساتُه لا تؤمّنُ فرصًا عادلةً للتّعليمِ والعملِ والسّكنِ، ولا يمكنُ بناءُ هذا المجتمعِ أيضًا بتجاهلِ واجبِ الأفرادِ في احترامِ القانونِ والمشاركةِ الإيجابيّةِ في الحياةِ العامّةِ،
فالاندماجُ عمليّةٌ متبادلةٌ، تتطلّبُ من المجتمعِ المضيفِ أن يعاملَ النّاسَ بعدالةٍ، وأن يمنحَهم فرصًا حقيقيّةً للمشاركةِ، وأن يرفضَ التّمييزَ ضدَّهم، كما تتطلّبُ من المقيمينَ الجددِ أن يتعرّفوا إلى قوانينِ المجتمعِ ومؤسّساتِه، وأن يتعلّموا لغتَه عندَ الحاجةِ، وأن يحترموا قواعدَ الحياةِ المشتركةِ، وأن يسهموا في صيانةِ الأمنِ والنّظامِ والمصلحةِ العامّةِ، ولا يتحقّقُ ذلكَ بالشّعاراتِ وحدَها، بل بسياساتٍ تعليميّةٍ فعّالةٍ، وبرامجَ لغويّةٍ ومهنيّةٍ، وفرصِ عملٍ منصفةٍ، ومكافحةِ التّمييزِ، وتعزيزِ التّواصلِ بينَ مكوّناتِ المجتمعِ، ومواجهةِ الخطاباتِ الّتي تُصوّرُ جماعةً بأكملِها على أنَّها مصدرُ خطرٍ أو تهديدٍ، كما أنَّ على الأفرادِ أن يدركوا أنَّ الاندماجَ لا يعني الاستفادةَ من مزايا المجتمعِ مع رفضِ كلِّ ما يفرضُه من التّزاماتٍ، فالمواطنةُ، أو الإقامةُ القانونيّةُ، أو الانتماءُ إلى المجتمعِ، لا يمكنُ أن تُختزلَ في الحقوقِ وحدَها، بل تتطلّبُ احترامًا متبادلًا، والتّزامًا بالقواعدِ المشتركةِ، واستعدادًا للمشاركةِ في بناءِ مستقبلٍ أفضلَ للجميعِ.
كلّما تعزّزَ هذا التّوازنُ بينَ الحقوقِ والواجباتِ، تراجعتْ فرصُ العزلةِ والعداءِ، وازدادتْ قدرةُ المجتمعاتِ على مواجهةِ التّطرّفِ والفوضى، من دونَ أن تتخلّى عن مبادئِ الحرّيّةِ والمساواةِ والكرامةِ الإنسانيّةِ.
تاسعًا: مسؤوليّةُ الدّولةِ والمجتمعِ في حمايةِ الحضارةِ.
إنَّ المُحافظَة على الحياةِ الحضاريّةِ ليس واجبَ الأفرادِ وحدَهم، ولا يجوزُ للدّولِ أن تكتفيَ بمطالبةِ النّاسِ بالانضباطِ من دونَ أن تقدّمَ لهم نموذجًا في العدالةِ والشّفافيّةِ واحترامِ القانونِ، فالدّولةُ مسؤولةٌ عن حمايةِ المواطنينَ والمقيمينَ، وصيانةِ الممتلكاتِ العامّةِ والخاصّةِ، وضمانِ أمنِ الشّوارعِ والمدارسِ والمرافقِ، ومحاسبةِ مَن يرتكبُ العنفَ أو التّخريبَ، وهي مسؤولةٌ كذلكَ عن معالجةِ أسبابِ التّهميشِ، وتحسينِ جودةِ التّعليمِ، وتوفيرِ فرصٍ عادلةٍ للعملِ والسّكنِ، وضمانِ الوصولِ إلى الخدماتِ الأساسيّةِ
ولا يجوزُ أن يتحوّلَ تطبيقُ القانونِ إلى وسيلةٍ للانتقامِ، أو أن تُستخدمَ حمايةُ الأمنِ ذريعةً لانتهاكِ الحقوقِ، فالمؤسّساتُ القويّةُ ليست تلكَ الّتي تُظهرُ قدرتَها على العقابِ فحسبُ، بل تلكَ الّتي تستطيعُ منعَ الجريمةِ، وحمايةَ الأبرياءِ، والتّحقيقَ بنزاهةٍ، وضمانَ المحاكمةِ العادلةِ، واستعادةَ الثّقةِ بينَ المجتمعِ ومؤسّساتِه، وعلى وسائلِ الإعلامِ أن تتحلّى بالدّقّةِ والمسؤوليّةِ، فلا تخلطَ بينَ الاحتجاجِ السّلميِّ وأعمالِ الشّغبِ، ولا تنشرَ صورًا أو رواياتٍ غيرَ موثوقةٍ، ولا تُسهمَ في تأجيجِ الكراهيةِ أو تحويلِ الأحداثِ الفرديّةِ إلى أحكامٍ جماعيّةٍ. فالمعلومةُ غيرُ الدّقيقةِ قد تُلحقُ ضررًا اجتماعيًّا لا يقلُّ خطورةً عن الضّررِ الّذي تُحدثُه بعضُ الأفعالِ على الأرضِ.
كما تقعُ على النّخبِ الثّقافيّةِ والفكريّةِ مسؤوليّةٌ خاصّةٌ في ترسيخِ لغةٍ تضعُ الحقيقةَ فوقَ الانفعالِ، والإنسانَ فوقَ التّعصُّبِ، والمسؤوليّةَ فوقَ الشّعاراتِ، فالمجتمعاتُ لا تحتاجُ إلى أصواتٍ تزيدُ الانقسامَ، بقدرِ حاجتِها إلى عقولٍ تساعدُها على فهمِ مشكلاتِها، والتّمييزِ بينَ أسبابِها الحقيقيّةِ والتّفسيراتِ المتسرّعةِ الّتي قد تُضلّلُ الرّأيَ العامَّ، إنَّ الدّولةَ العادلةَ والمجتمعَ المسؤولَ ليسا طرفينِ متعارضينِ، بل شريكانِ في حمايةِ الحياةِ الكريمةِ، كلٌّ منهما يؤدّي دورَه في إطارِ القانونِ والاحترامِ المتبادلِ.
عاشرًا: أيُّ مستقبلٍ نريدُ للأجيالِ القادمةِ؟
إنَّ السّؤالَ الأهمَّ الّذي ينبغي أن نطرحَه على أنفسِنا ليس فقط: كيف نواجهُ أعمالَ الشّغبِ حينَ تقعُ؟ بل أيضًا: كيف نبني مجتمعًا تقلُّ فيه احتمالاتُ العنفِ، ويجدُ فيه الإنسانُ طرقًا سلميّةً للتّعبيرِ عن غضبِه، ويشعرُ فيه أنَّ حقوقَه مصونةٌ، وأنَّ مسؤوليّاتِه واضحةٌ، وأنَّ اختلافَه عن الآخرينَ لا يحوّلُه إلى عدوٍّ لهم؟
إنَّ الأجيالَ القادمةَ تحتاجُ إلى مدارسَ تعلّمُها التّفكيرَ الحرَّ، لا التّلقينَ الأعمى، وإلى أسرٍ تغرسُ فيها احترامَ الإنسانِ، لا احتقارَ المختلفِ، وإلى مؤسّساتٍ تعزّزُ الثّقةَ بالقانونِ، لا الشّعورَ بأنَّ القوّةَ وحدَها هي الّتي تحسمُ النّزاعاتِ، وتحتاجُ كذلكَ إلى فرصٍ واقعيّةٍ لبناءِ حياةٍ كريمةٍ، لأنَّ الحديثَ عن المسؤوليّةِ يفقدُ جانبًا من تأثيرِه إذا لم يقترنْ بالعملِ على إزالةِ العوائقِ الّتي تمنعُ النّاسَ من المشاركةِ الفعليّةِ في المجتمعِ، فالعدالةُ الاجتماعيّةُ والأمنُ وسيادةُ القانونِ ليست أهدافًا متنافسةً، بل عناصرُ متكاملةٌ في بناءِ الاستقرارِ، ولا يعني ذلكَ أنَّ الفقرَ أو التّهميشَ يبرّرانِ الاعتداءَ على الآخرينَ، بل يعني أنَّ المجتمعَ الحكيمَ يجمعُ بينَ المحاسبةِ العادلةِ والوقايةِ من أسبابِ الجريمةِ، وبينَ حمايةِ الأمنِ العامِّ وصيانةِ الحقوقِ، وبينَ مطالبةِ الفردِ بالمسؤوليّةِ وتحمّلِ الدّولةِ لمسؤوليّاتِها.
إذا أردنا أن نتركَ للأجيالِ القادمةِ عالمًا أفضلَ، فعلينا أن نعلّمَها أنَّ الاختلافَ لا يُحلُّ بالعنفِ، وأنَّ الحرّيّةَ لا تُصانُ بالفوضى، وأنَّ الانتماءَ لا يُثبتُ بالعداءِ للآخرينَ، وأنَّ الإنسانَ لا يصبحُ عظيمًا لأنَّه يملكُ القدرةَ على إيذاءِ غيرِه، بل لأنَّه يمتلكُ القدرةَ على ضبطِ نفسِه، واحترامِ غيرِه، والمشاركةِ في بناءِ حياةٍ يسودُها العدلُ والسّلامُ.
الحادي عشر: المعيارُ الحقيقيُّ للحضارةِ… حينَ تتجلّى القيمُ في سلوكِ الإنسانِ.
إنَّ المعيارَ الحقيقيَّ للحضارةِ لا يكمنُ في ارتفاعِ الأبراجِ، ولا في اتّساعِ الطّرقاتِ، ولا
في وفرةِ المصانعِ، ولا في تقدُّمِ وسائلِ الاتّصالِ، ولا في امتلاكِ أحدثِ التّقنيّاتِ، فهذه كلُّها مظاهرُ للتّقدّمِ المادّيِّ، وهي إنجازاتٌ مهمّةٌ تسهمُ في تحسينِ حياةِ الإنسانِ، لكنّها لا تكفي وحدَها للحكمِ على رُقيِّ المجتمعاتِ أو نضجِها الأخلاقيِّ.
إنَّ المعيارَ الأعمقَ للحضارةِ هو الطّريقةُ الّتي يتعاملُ بها الإنسانُ مع أخيه الإنسانِ، ومدى احترامِه لكرامتِه وحقوقِه، وقدرتُه على ضبطِ قوّتِه حينَ يستطيعُ الاعتداءَ، والتّزامُه بالعدلِ حينَ تتعارضُ مصالحُه مع مصالحِ الآخرينَ، واستعدادُه للاعترافِ بالخطأِ وتصحيحِه، حتّى عندما يكونُ الاعترافُ مكلفًا أو مخالفًا لمصلحتِه الشّخصيّةِ، فقد تمتلكُ دولةٌ ثروةً هائلةً، وجيشًا قويًّا، وجامعاتٍ مرموقةً، ومراكزَ أبحاثٍ متقدّمةً، ولكنّها تظلُّ مطالبةً بأن تثبتَ رُقيَّها من خلالِ احترامِ الإنسانِ، وصيانةِ حقوقِه، وإقامةِ العدلِ بينَ مواطنيها، وعدمِ تحويلِ القوّةِ إلى وسيلةٍ للظّلمِ أو الهيمنةِ، وقد يكونُ مجتمعٌ محدودُ الإمكاناتِ المادّيّةِ أكثرَ قربًا من جوهرِ الحضارةِ في بعضِ جوانبِ حياتِه، إذا كانَ أفراده يتعاونونَ، ويحترمونَ كبارَ السّنِّ، ويحمونَ الضعفاءَ، ويصونونَ الأمانةَ، ويقفونَ إلى جانبِ المظلومِ، ولا يعني ذلكَ التّقليلَ من قيمةِ التّقدُّمِ العلميِّ والاقتصاديِّ، بل يعني وضعَه في إطارِه الصحيحِ: فالعلمُ وسيلةٌ لتوسيعِ قدرةِ الإنسانِ على الفهمِ والإبداعِ، والتّقنيّةُ أداةٌ لتحسينِ الحياةِ، والثّروةُ إمكانٌ لبناءِ الرّفاهِ، أمّا الغايةُ الأسمى فهي أن تُسخَّرَ هذه الإمكاناتُ لخدمةِ الإنسانِ، لا أن يتحوّلَ الإنسانُ إلى مجرّدِ أداةٍ في خدمةِ القوّةِ والثّروةِ والمصلحةِ.
من هنا، يمكنُ القولُ إنَّ الحضارةَ الحقيقيّةَ تقومُ على أربعةِ أركانٍ متكاملةٍ: العلمِ الّذي ينيرُ العقلَ، والعدلِ الّذي يحمي الحقوقَ، والأخلاقِ الّتي تضبطُ السّلوكَ، والمسؤوليّةِ الّتي تجعلُ الإنسانَ شريكًا في حمايةِ المجتمعِ، وإذا اختلَّ أحدُ هذه الأركانِ، تعرّضَ البناءُ الحضاريُّ للاهتزازِ، مهما بدا متينًا من الخارجِ.
1. حينَ تتقدّمُ التّقنيّةُ وتتأخّرُ الأخلاقُ: درسٌ من التّاريخِ.
يقدّمُ لنا تاريخُ القرنِ العشرينَ مثالًا بالغَ الدّلالةِ على أنَّ التّقدُّمَ العلميَّ لا يضمنُ، بمفردِه، التّقدُّمَ الأخلاقيَّ، فقد شهدتْ أوروبا تطوّرًا واسعًا في العلومِ والصّناعةِ والطّبِّ والهندسةِ، واحتضنتْ جامعاتٍ ومراكزَ بحثٍ أسهمتْ في تغييرِ العالمِ، ومع ذلكَ، شهدتِ القارّةُ نفسُها حربينِ عالميّتينِ خلّفتا ملايينَ القتلى والجرحى، ودمارًا هائلًا، ومعاناةً إنسانيّةً لا تزالُ آثارُها حاضرةً في الذّاكرةِ العالميّةِ، وكانتِ الحربُ العالميّةُ الثّانيةُ، على وجهِ الخصوصِ، شاهدًا على التّناقضِ المؤلمِ بينَ القدرةِ التّقنيّةِ الهائلةِ وإمكانِ استخدامها في تدميرِ البشرِ. فقد أظهرتِ الجرائمُ النّازيّةُ، وفي مقدّمتِها المحرقةُ، كيف يمكنُ أن تُسخَّرَ الإدارةُ الحديثةُ والوسائلُ الصّناعيّةُ والتّنظيمُ البيروقراطيُّ لخدمةِ مشروعٍ عنصريٍّ وحشيٍّ، حينَ تتخلّى المؤسّساتُ عن الضّميرِ، ويُجرَّدُ الإنسانُ من إنسانيّتِه في نظرِ مضطهديهِ، إنَّ هذه التّجربةَ التّاريخيّةَ لا تعني أنَّ أوروبا تفتقرُ إلى الحضارةِ، ولا أنَّ شعبًا بعينِه محكومٌ بطبيعتِه بالعنفِ، بل تكشفُ عن حقيقةٍ إنسانيّةٍ أوسعَ: أنَّ أيَّ مجتمعٍ، مهما بلغَ من التّقدُّمِ، يمكنُ أن ينحرفَ حينَ تُستبدَلُ الأخلاقُ بالتّعصُّبِ، ويُستبدَلُ القانونُ بإرادةِ القوّةِ، ويُستبدَلُ احترامُ الإنسانِ بتصنيفِ البشرِ إلى مَن يستحقُّ الحياةَ ومَن يُحرَمُ منها، ومن هذه التّجربةِ نشأتْ، بعدَ الحربِ العالميّةِ الثّانيةِ، جهودٌ دوليّةٌ متزايدةٌ لترسيخِ حقوقِ الإنسانِ، كانَ من أبرزِها اعتمادُ الجمعيّةِ العامّةِ للأممِ المتّحدةِ الإعلانَ العالميَّ لحقوقِ الإنسانِ في العاشرِ من كانونِ الأوّلِ عامَ 1948 وقد مثّلَ الإعلانُ تعبيرًا عن التزامٍ دوليٍّ بأنَّ الكرامةَ والحقوقَ الأساسيّةَ ليستا منحةً تمنحُها دولةٌ لفئةٍ وتمنعُها عن أخرى، بل مبدأٌ ينبغي أن يشملَ البشرَ جميعًا، والدّرسُ الّذي ينبغي أن نحتفظَ به من هذه المرحلةِ هو أنَّ الحضارةَ لا تُختبَرُ في أوقاتِ الازدهارِ والرّخاءِ وحدَها، بل تُختبَرُ بصورةٍ أعمقَ عندما تنتشرُ المخاوفُ، وتشتدُّ الأزماتُ، ويصبحُ من السّهلِ توجيهُ أصابعِ الاتّهامِ نحوَ جماعةٍ ضعيفةٍ أو أقلّيّةٍ أو فئةٍ تختلفُ في الدّينِ أو العِرقِ أو الثّقافةِ، ففي مثلِ هذه الظّروفِ، يُختبَرُ مدى تمسّكِ المجتمعِ بالمبادئِ الّتي يعلنُ إيمانَه بها، ويظهرُ الفرقُ بينَ مَن يجعلُ حقوقَ الإنسانِ أساسًا ثابتًا لا يتغيّرُ بتغيّرِ الظّروفِ، ومَن يتعاملُ معها بوصفِها امتيازاتٍ يمكنُ التّضحيةُ بها عندَ أوّلِ اختبارٍ صعبٍ.
إنَّ الخوفَ، مهما كانتْ أسبابُه، لا ينبغي أن يتحوّلَ إلى مبرّرٍ للظّلمِ، كما أنَّ حمايةَ الأمنِ لا يجوزُ أن تكونَ ذريعةً لإهدارِ الكرامةِ الإنسانيّةِ أو فرضِ العقابِ الجماعيِّ على الأبرياءِ، فالمجتمعُ الّذي يواجهُ الأزماتِ بالعدلِ، ويحاسبُ المسؤولينَ عن أفعالِهم دونَ تمييزٍ، ويحمي حقوقَ الأفرادِ دونَ النّظرِ إلى أصولِهم وانتماءاتِهم، إنّما يحافظُ على الأسسِ الّتي تمنحُ حضارتَه معناها الحقيقيَّ، وليسَ المقصودُ أن تتخلّى الدّولُ عن حقِّها في حمايةِ مواطنيها، أو أن تتسامحَ مع العنفِ والتّخريبِ وانتهاكِ القانونِ، بل المقصودُ أن تمارسَ هذه المسؤوليّةَ في إطارِ العدالةِ وسيادةِ القانونِ، وأن تميّزَ بينَ مرتكبِ الجريمةِ والبريءِ، وبينَ الاحتجاجِ السّلميِّ والاعتداءِ، وبينَ الاختلافِ المشروعِ والتّحريضِ على الكراهيةِ، فالمجتمعُ المتحضّرُ ليس هو الّذي لا يواجهُ الأزماتِ، بل هو الذي لا يسمحُ للأزماتِ بأن تنتزعَ منه إنسانيّتَه، أو تدفعَه إلى التّخلّي عن العدالةِ، أو تحوّلَ اختلافَ البشرِ إلى سببٍ لحرمانِهم من حقوقِهم.
2. روزا باركس، حينَ يصبحُ احترامُ الكرامةِ مقياسًا لرُقيِّ المجتمعِ.
في الأوّلِ من كانونِ الأوّلِ عامَ 1955، رفضتْ روزا باركس، وهي امرأةٌ أمريكيّةٌ من أصولٍ إفريقيّةٍ، التّخلّيَ عن مقعدِها في حافلةٍ بمدينةِ مونتغمري بولايةِ ألاباما، وفقًا لقواعدِ الفصلِ العنصريِّ الّتي كانت تفرضُ معاملةً غيرَ متساويةٍ بينَ البيضِ والسّودِ، وأدّى اعتقالُها إلى انطلاقِ مقاطعةٍ منظّمةٍ للحافلاتِ استمرّتْ أكثرَ من عامٍ، وأسهمتْ في مواجهةِ نظامِ التّمييزِ العنصريِّ، تكشفُ هذه الحادثةُ عن سؤالٍ جوهريٍّ: هل يكونُ القانونُ عادلًا لمجرّدِ أنَّه مكتوبٌ ومطبَّقٌ من قِبَلِ مؤسّساتِ الدّولةِ؟ أم أنَّ عدالتَه تُقاسُ أيضًا بمدى احترامِه لكرامةِ الإنسانِ ومساواتِه بغيرِه؟
لقد كانتِ القوانينُ السّائدةُ آنذاكَ تُطبَّقُ في إطارِ نظامٍ تمييزيٍّ، لكنَّ وجودَها لم يجعلْها
عادلةً، وقد أظهرتْ حركةُ الحقوقِ المدنيّةِ أنَّ المجتمعَ لا يرتقي برُقيِّ مؤسّساتِه الشّكليّةِ وحدَها، بل بقدرتِه على مراجعةِ القوانينِ الظّالمةِ، والاستماعِ إلى أصواتِ المظلومينَ، وتصحيحِ الاختلالاتِ الّتي تحرمُ بعضَ المواطنينَ من حقوقِهم، والأهمُّ في هذه التّجربةِ أنَّ التّغييرَ لم يتحقّقْ من خلالِ الانتقامِ الجماعيِّ أو الاعتداءِ على الأبرياءِ، بل عبرَ تنظيمِ الاحتجاجِ والمقاطعةِ والعملِ الحقوقيِّ والقضائيِّ، رغمَ ما تعرّضَ له المشاركونَ من ضغوطٍ وتهديداتٍ وخسائرَ شخصيّةٍ.
هنا يتجلّى درسٌ بالغُ الأهميّةِ لمجتمعاتِنا المعاصرةِ: ليس كلُّ خروجٍ على قاعدةٍ قائمةٍ خروجًا على العدالةِ، وليس كلُّ قانونٍ قائمٍ دليلًا على العدالةِ، لكنَّ إصلاحَ الظّلمِ يحتاجُ إلى وعيٍ ومسؤوليّةٍ ووسائلَ تحترمُ كرامةَ الإنسانِ وحقوقَه، فالاحتجاجُ السّلميُّ الّذي يهدفُ إلى إزالةِ التّمييزِ يختلفُ جوهريًّا عن العنفِ الّذي يستهدفُ الأبرياءَ، والأوّلُ قد يكونُ وسيلةً ضروريّةً لتصحيحِ المجتمعِ، أمّا الثّاني فيهدّدُ الحقوقَ الّتي يُفترضُ أن يحميَها.
إنَّ المجتمعَ المتحضّرَ ليس هو الّذي يطلبُ من النّاسِ الصّمتَ عن الظّلمِ حفاظًا على الهدوءِ الظّاهريِّ، بل هو الّذي يتيحُ لهم الاعتراضَ، ويستجيبُ لمطالبِهم المشروعةِ، ويصحّحُ أخطاءَه دونَ أن يجعلَ الاختلافَ سببًا للاضطهادِ.
3. جنوبُ أفريقيا: من نظامِ الفصلِ العنصريِّ إلى محاولةِ بناءِ المصالحةِ.
عاشتْ جنوبُ أفريقيا عقودًا تحتَ نظامِ الفصلِ العنصريِّ الّذي رسّخَ التّمييزَ على أساسِ العِرقِ، ومع الانتقالِ إلى الدّيمقراطيّةِ عامَ 1994 بدأتِ البلادُ مسارًا صعبًا لبناءِ نظامٍ أكثرَ شمولًا، وتعزيزِ الحقوقِ الدّستوريّةِ، ومعالجةِ إرثِ الانتهاكاتِ السّابقةِ وفي عامِ 1995 أُنشئتْ لجنةُ الحقيقةِ والمصالحةِ، ثمّ اعتُمدَ دستورٌ جديدٌ عامَ 1996 تقدّمُ هذه التّجربةُ مثالًا آخرَ على أنَّ الحضارةَ لا تتجلّى في القدرةِ على فرضِ الإرادةِ على الآخرينَ، بل في القدرةِ على الانتقالِ من الظّلمِ إلى العدالةِ، ومن الإقصاءِ إلى الاعترافِ المتبادلِ بالحقوقِ، ومن الصّراعِ المفتوحِ إلى محاولةِ بناءِ مستقبلٍ مشتركٍ، لقد واجهتْ جنوبُ أفريقيا تحدّيًا تاريخيًّا بالغَ التّعقيدِ: كيف يمكنُ بناءُ دولةٍ واحدةٍ يعيشُ فيها أناسٌ تعرّضوا لعقودٍ من التّمييزِ والقمعِ، دونَ أن يتحوّلَ الانتقالُ السّياسيُّ إلى دورةٍ جديدةٍ من الانتقامِ؟ وكانتْ لجنةُ الحقيقةِ والمصالحةِ إحدى الوسائلِ الّتي استُخدمتْ للتّعاملِ مع انتهاكاتِ الماضي، من خلالِ الاستماعِ إلى الشّهاداتِ وكشفِ الحقائقِ وفقَ إطارٍ قانونيٍّ محدّدٍ، ولم تكنِ التّجربةُ كاملةً، ولم تُنهِ جميعَ أشكالِ التّفاوتِ والظّلمِ، لكنّها أظهرتْ أهمّيّةَ الاعترافِ بالمعاناةِ، وتوثيقِ الانتهاكاتِ، والسّعيِ إلى تأسيسِ مجتمعٍ تحكمُه الحقوقُ بدلًا من التّمييزِ المؤسّسيِّ، إنَّ الدّرسَ المستفادَ هنا هو أنَّ قوّةَ الدّولةِ لا تُقاسُ فقط بقدرتِها على فرضِ النّظامِ، بل أيضًا بقدرتِها على الاعترافِ بمظالمِ الماضي، وإصلاحِ المؤسّساتِ الّتي سمحتْ بها، وضمانِ ألّا تتكرّرَ، كما أنَّ المصالحةَ لا تعني نسيانَ الضّحايا أو إنكارَ حقوقِهم، ولا تعني أنَّ العدالةَ يمكنُ الاستغناءُ عنها باسمِ التّسامحِ، بل تعني البحثَ عن سُبُلٍ تتيحُ للمجتمعِ مواجهةَ الحقيقةِ، وتحميلَ المسؤوليّاتِ، وإعادةَ بناءِ الثّقةِ على أساسٍ أكثرَ عدلًا.
من هنا، فإنَّ الحضارةَ ليست ادّعاءَ التّفوّقِ الأخلاقيِّ على الآخرينَ، بل القدرةَ على مراجعةِ الذّاتِ والاعترافِ بالأخطاءِ وتصحيحِها، فالمجتمعُ الّذي يعترفُ بظلمِه ويسعى إلى إصلاحِه قد يخطو خطوةً حقيقيّةً نحوَ الرُّقيِّ، بينما المجتمعُ الّذي يُنكرُ ظلمَه، أو يبرّرُه، أو يطالبُ ضحاياَه بالصّمتِ، يظلُّ أسيرًا لماضيه مهما بلغتْ إمكاناتُه المادّيّةُ.
الثّاني عشر: التّعليمُ والتّربيةُ… الأساسُ الّذي تُبنى عليه ثقافةُ الحرّيّةِ والمسؤوليّةِ.
إذا كانتِ الحضارةُ منظومةً من القيمِ والسّلوكيّاتِ، فإنَّ المدرسةَ والأسرةَ وسائرَ المؤسّساتِ التّربويّةِ تُعدُّ من أهمِّ البيئاتِ الّتي تتشكّلُ فيها هذه القيمُ، فالإنسانُ لا يولدُ وهو يعرفُ كيفَ يحترمُ القانونَ، أو يديرُ الخلافَ، أو يقبلُ الآخرَ، أو يوازنُ بينَ حقوقِه وواجباتِه، بل يتعلّمُ هذه المهاراتِ تدريجيًّا من خلالِ التّربيةِ والتّجربةِ والقدوةِ والممارسةِ، ولهذا السّببِ، لا يكفي أن نحفظَ أبناءَنا تعريفاتٍ نظريّةً للحرّيّةِ والدّيمقراطيّةِ والمساواةِ، ثم نتركَهم يواجهونَ الحياةَ دونَ تدريبٍ عمليٍّ على احترامِ هذه المبادئِ، فالقيمُ لا تصبحُ جزءًا من شخصيّةِ الإنسانِ بمجرّدِ سماعِها، بل حينَ يراها مطبّقةً في محيطِه، ويختبرُ آثارَها في علاقاتِه اليوميّةِ، ويدركُ أنَّها قواعدُ مشتركةٌ تحميه وتحمي الآخرينَ.
1. تعليمُ الحرّيّةِ بوصفِها اختيارًا مسؤولًا.
ينبغي أن يتعلّمَ الطفلُ منذُ سنواتِه الأولى أنَّ له حقًّا في التعبيرِ عن رأيِه، وأنَّ الآخرينَ يملكونَ الحقَّ نفسَه، وأنَّ الاختلافَ في الرأيِ لا يبرّرُ الإهانةَ أو الاعتداءَ. كما ينبغي أن يتدرّبَ على تحمّلِ نتائجِ قراراتِه، والاعتذارِ عندما يخطئُ، وإصلاحِ الضررِ الذي تسبّبَ فيه، فعندما يسمحُ المعلّمُ للطلّابِ بمناقشةِ موضوعٍ مختلفٍ عليه، ويشجّعُهم على الاستماعِ إلى بعضِهم بعضًا، فإنّه لا يعلّمُهم مادّةً دراسيّةً فحسبُ، بل يدرّبُهم على ممارسةِ الحرّيّةِ في إطارِ الاحترامِ. وعندما يوضّحُ لهم أنَّ الاعتراضَ على فكرةٍ لا يعني إهانةَ صاحبِها، فإنّه يضعُ أساسًا لثقافةٍ مدنيّةٍ ترفضُ العنفَ اللفظيَّ والجسديَّ.
إنَّ الحرّيّةَ التي لا تقترنُ بالمسؤوليّةِ قد تتحوّلُ إلى أنانيّةٍ، بينما المسؤوليّةُ التي تُفرَضُ من دونِ فهمٍ أو حوارٍ قد تتحوّلُ إلى طاعةٍ عمياءَ. ولذلكَ، ينبغي للتربيةِ السليمةِ أن تجمعَ بينَ استقلالِ الشخصيّةِ واحترامِ القواعدِ، وبينَ التفكيرِ النقديِّ والالتزامِ بالمصلحةِ المشتركة.
2. ترسيخُ احترامِ القانونِ من خلالِ العدالةِ والقدوةِ.
لا يمكنُ أن نطلبَ من الأبناءِ احترامَ القانونِ إذا شاهدوا الكبارَ يخرقونَه دونَ محاسبةٍ، أو إذا شعروا أنَّ القواعدَ تُطبَّقُ على بعضِ النّاسِ دونَ غيرِهم، فالقدوةُ العمليّةُ أقوى تأثيرًا من كثيرٍ من المواعظِ، والعدالةُ في تطبيقِ القواعدِ تمنحُها المصداقيّةَ الّتي تحتاجُ إليها، ولهذا، ينبغي للمؤسّساتِ التّعليميّةِ أن تعتمدَ قواعدَ واضحةً، وأن تطبّقَها على الجميعِ، وأن تمنحَ الطّالبَ حقَّ الاستماعِ إليه وفهمِ ظروفِه، من دونَ أن تجعلَ هذه الضّماناتِ مبرّرًا للتّساهلِ مع الاعتداءِ أو التّنمّرِ أو التّخريبِ، فالهدفُ ليسَ إنشاءَ جيلٍ يخافُ العقوبةَ فحسبُ، بل جيلٍ يفهمُ لماذا وُضعتِ القواعدُ، وكيفَ تحمي الحقوقَ، ولماذا يصبحُ احترامُها مسؤوليّةً أخلاقيّةً واجتماعيّةً.
3. تعليمُ الحوارِ ومهاراتِ حلِّ النّزاعاتِ.
تبدأُ كثيرٌ من الخلافاتِ الاجتماعيّةِ بسوءِ فهمٍ أو اختلافٍ في المصالحِ أو شعورٍ بعدمِ الإنصافِ، ثم تتفاقمُ حينَ يغيبُ الحوارُ ويحلُّ محلَّه التّهديدُ أو الإقصاءُ أو العنفُ، ومن هنا، فإنَّ تعليمَ مهاراتِ التّواصلِ والاستماعِ والتّفاوضِ وحلِّ النّزاعاتِ يُعدُّ جزءًا أساسيًّا من التّربيةِ الحضاريّةِ، يمكنُ للمدارسِ أن تنظّمَ مناقشاتٍ منظّمةً حولَ قضايا اجتماعيّةٍ، وأن تدرّبَ الطّلّابَ على عرضِ الحججِ واحترامِ الآراءِ المخالفةِ، وأن تساعدَهم على التّمييزِ بينَ نقدِ الفكرةِ والتّعدّي على صاحبِها، كما يمكنُها أن تعتمدَ برامجَ للوساطةِ بينَ الأقرانِ، تساعدُ الطلّابَ على حلِّ بعضِ خلافاتِهم بوسائلَ سلميّةٍ، بإشرافِ المعلّمينَ والمختصّينَ، ولا يعني الحوارُ أن نتّفقَ في كلِّ شيءٍ، بل أن نتعلّمَ كيفَ نختلفُ دونَ أن نتحوّلَ إلى أعداءَ، وكيفَ ندافعُ عن مواقفِنا دونَ أن ننكرَ حقوقَ الآخرينَ.
4. التّربيةُ على المواطنةِ والمسؤوليّةِ الاجتماعيّةِ.
ينبغي أن يتعلّمَ الطّالبُ أنَّ المدرسةَ والشّارعَ والحديقةَ والمرافقَ العامّةَ ليست ملكًا لشخصٍ مجهولٍ أو لجهةٍ بعيدةٍ عنه، بل هي جزءٌ من البيئةِ المشتركةِ الّتي ينتفعُ بها الجميعُ، وأنَّ المحافظةَ عليها مسؤوليّةٌ جماعيّةٌ، ويمكنُ تحقيقُ ذلكَ من خلالِ مبادراتٍ مدرسيّةٍ لتنظيفِ الأحياءِ، وزراعةِ الأشجارِ، ومساعدةِ كبارِ السّنِّ، ودعمِ الفئاتِ المحتاجةِ، وتنظيمِ حملاتٍ للتّوعيةِ بالسّلامةِ المروريّةِ، والمشاركةِ في مشاريعَ تطوّعيّةٍ تخدمُ المجتمعَ، فحينَ يشاركُ الطّالبُ في عملٍ تطوّعيٍّ، ويدركُ أنَّ جهدَه يتركُ أثرًا ملموسًا في حياةِ الآخرينَ، فإنّه يتعلّمُ أنَّ المواطنةَ ليست مجرّدَ انتماءٍ قانونيٍّ، بل مشاركةٌ فعليّةٌ في حمايةِ الصّالحِ العامِّ.
5. التّربيةُ الإعلاميّةُ والتّفكيرُ النّقديُّ.
في عصرِ وسائلِ التّواصلِ الاجتماعيِّ، يستطيعُ الخبرُ المضلّلُ والصورةُ المجتزأةُ والخطابُ التّحريضيُّ أن ينتشروا بسرعةٍ كبيرةٍ، وأن يؤثّروا في مواقفِ النّاسِ ومشاعرِهم قبلَ أن تتاحَ لهم فرصةُ التّحقّقِ من الحقائقِ، ولهذا، أصبحَ من الضّروريِّ
تعليمُ النّاشئةِ كيفيّةَ التّحقّقِ من المصادرِ، والتّمييزِ بينَ الرّأيِ والخبرِ، وفهمِ السّياقِ الّذي
نُشرتْ فيه المعلوماتُ، وعدمِ الانجرارِ وراءَ التّعميماتِ الّتي تُحمّلُ جماعةً كاملةً مسؤوليّةَ فعلٍ ارتكبَه فردٌ أو مجموعةٌ صغيرةٌ.
إذا انتشرَ خبرٌ عن جريمةٍ ارتكبَها شخصٌ ينتمي إلى ثقافةٍ معيّنةٍ، ينبغي أن نتعاملَ مع الفعلِ وفقَ الوقائعِ والأدلّةِ، لا أن نحوّلَه إلى حكمٍ على جميعِ أبناءِ تلكَ الثّقافةِ، كما ينبغي ألّا نسمحَ للشّائعاتِ بأن تتحوّلَ إلى وقودٍ للكراهيةِ أو إلى ذريعةٍ للاعتداءِ على الأبرياءِ،
إنَّ العقلَ النّقديَّ لا يعني التّشكيكَ في كلِّ شيءٍ، بل يعني التّحقّقَ قبلَ إصدارِ الأحكامِ، ومراجعةَ المعلوماتِ عندَ ظهورِ أدلّةٍ جديدةٍ، والتّمييزَ بينَ النّقدِ المشروعِ والتّحريضِ على الكراهيةِ.
6. دورُ الأسرةِ في غرسِ القيمِ.
لا تستطيعُ المدرسةُ وحدَها أن تؤدّي هذه المهمّةَ إذا كانَ الطّفلُ يعودُ إلى بيئةٍ منزليّةٍ تُكافئُ العنفَ، أو تُبرّرُ الكذبَ، أو تُعلّمه احتقارَ مَن يختلفُ عنه، فالأسرةُ هي البيئةُ الأولى الّتي يتعلّمُ فيها الإنسانُ معنى الاحترامِ والعدلِ والاعتذارِ والتّسامحِ وتحملِ المسؤوليّةِ، ومن واجبِ الوالدينِ أن يقدّما نموذجًا عمليًّا في التّعاملِ مع الخلافاتِ، وأن يتجنّبا استخدامَ الإهانةِ والعنفِ وسيلةً لفرضِ الرّأيِ، وأن يعلّما أبناءَهما أنَّ القوّةَ لا تمنحُ صاحبَها الحقَّ في ظلمِ غيرِه، وأنَّ الاعترافَ بالخطأِ علامةُ نضجٍ لا دليلُ ضعفٍ.
كما ينبغي أن يتعلّمَ الأبناءُ أنَّ احترامَ الآخرينَ لا يعني التّنازلَ عن المبادئِ، وأنَّ التّسامحَ لا يساوي القبولَ بالاعتداءِ، وأنَّ الدّفاعَ عن الحقوقِ ينبغي أن يجريَ بوسائلَ تحفظُ كرامةَ الإنسانِ ولا تنتهكُ كرامةَ سواه، إنَّ المدرسةَ والأسرةَ والإعلامَ والمؤسّساتِ الثّقافيّةَ والدّينيّةَ شركاءُ في بناءِ هذا الوعيِ، ولا تستطيعُ جهةٌ واحدةٌ أن تنجحَ بمعزلٍ عن الجهاتِ الأخرى.
الثالث عشر: خطواتٌ عمليّةٌ لتعزيزِ التّعايشِ والاندماجِ في المجتمعاتِ المتعدّدةِ الثّقافاتِ.
إنَّ التّعايشَ بينَ الثّقافاتِ المختلفةِ لا يتحقّقُ بمجرّدِ الدّعوةِ إلى التّسامحِ، ولا يكفي أن نرفعَ شعاراتِ الوحدةِ والتّنوّعِ ثم نتركَ أسبابَ العزلةِ والتّمييزِ وسوءِ الفهمِ دونَ معالجةٍ، فالتّعايشُ النّاجحُ يحتاجُ إلى سياساتٍ عادلةٍ، ومؤسّساتٍ موثوقةٍ، وفرصٍ متكافئةٍ، وتواصلٍ مستمرٍّ، وقواعدَ مشتركةٍ تحمي الجميعَ، ومن أجلِ الانتقالِ من المبادئِ النّظريّةِ إلى الممارسةِ العمليّةِ، يمكنُ اقتراحُ مجموعةٍ من الخطواتِ الّتي تساعدُ المجتمعاتِ المتعدّدةَ الثّقافاتِ على بناءِ علاقاتٍ أكثرَ استقرارًا وتوازنًا.
الخطوةُ الأولى: ترسيخُ مبدئ المساواةِ أمامَ القانونِ.
ينبغي أن يشعرَ كلُّ فردٍ بأنَّ القانونَ يحميه، وأنّه مسؤولٌ أمامَه في الوقتِ نفسِه، بصرفِ النّظرِ عن أصلِه أو دينِه أو لغتِه أو موقعِه الاجتماعيِّ، فالمساواةُ أمامَ القانونِ لا تعني أنَّ الجميعَ متطابقونَ في ظروفِهم، بل أنَّ الحقوقَ الأساسيّةَ والضّماناتِ القانونيّةَ لا يجوزُ أن تتحدّدَ بالهويّةِ أو النّفوذِ، ويقتضي ذلكَ التّحقيقَ في الاعتداءاتِ بصورةٍ مهنيّةٍ، ومحاسبةَ المسؤولينَ عن أعمالِ العنفِ والتّخريبِ وفقَ الأدلّةِ والإجراءاتِ العادلةِ، وحمايةَ ضحايا التّمييزِ والعنفِ، وعدمَ التّساهلِ مع أيِّ جهةٍ تستغلُّ انتماءَها أو نفوذَها للإفلاتِ من المساءلةِ، فالقانونُ العادلُ يبعثُ رسالةً واضحةً إلى المجتمعِ مفادُها أنَّ الحقوقَ ليست امتيازًا تمنحُه القوّةُ، وأنَّ المسؤوليّةَ لا تُقاسُ بهويّةِ الشّخصِ، بل بأفعالِه.
الخطوةُ الثّانية: تعليمُ لغةِ المجتمعِ وثقافتِه وقوانينِه.
تُعدُّ اللّغةُ وسيلةً أساسيّةً للتّواصلِ والعملِ والتّعليمِ والمشاركةِ في الحياةِ العامّةِ، ولذلكَ، فإنَّ توفيرَ دوراتٍ لغويّةٍ مناسبةٍ للمهاجرينَ والوافدينَ، إلى جانبِ برامجَ تعرّفُهم إلى القوانينِ والمؤسّساتِ والعاداتِ الاجتماعيّةِ الأساسيّةِ، يساعدُ على تقليلِ سوء الفهمِ ويعزّزُ فرصَ الاندماجِ.
ينبغي أن تُقدَّمَ هذه البرامجُ بطريقةٍ تحترمُ كرامةَ المشاركينَ، وتراعي اختلافَ مستوياتِهم التّعليميّةِ وظروفِهم العمليّةِ، وأن تكونَ متاحةً بصورةٍ معقولةٍ من حيثُ التّكلفةِ والوقتِ، ولا يعني تعلّمُ لغةِ المجتمعِ أو التّعرّفُ إلى ثقافتِه أن يتخلّى الإنسانُ عن لغتِه الأصليّةِ أو تراثِه العائليِّ، فالهدفُ هو تمكينُه من المشاركةِ في المجتمعِ الجديدِ دونَ أن يُطلبَ منه محوُ هويّتِه.
الخطوةُ الثّالثة: تحقيقُ تكافؤِ الفرصِ في التّعليمِ والعملِ.
لا يمكنُ مطالبةُ النّاسِ بالاندماجِ بصورةٍ فعّالةٍ إذا كانتِ الأبوابُ مغلقةً أمامَهم، أو إذا واجهوا تمييزًا في الحصولِ على التّعليمِ أو العملِ أو التّدريبِ المهنيِّ، فالاستقرارُ الاجتماعيُّ يحتاجُ إلى شعورٍ معقولٍ بأنَّ الجهدَ والكفاءةَ يمكنُ أن يفتحا طريقًا للتّقدّمِ، وأنَّ الانتماءَ إلى جماعةٍ معيّنةٍ لا يحرمُ الإنسانَ من الفرصِ بصورةٍ تعسّفيّةٍ، ولهذا، ينبغي تعزيزُ شفافيّةِ التّوظيفِ، ومكافحةُ التّمييزِ غيرِ المشروعِ، وتحسينُ فرصِ التّعليمِ والتّدريبِ، ودعمُ الشّبابِ الذينَ يواجهونَ صعوباتٍ في دخولِ سوقِ العملِ، وتطويرُ برامجَ للتّوجيهِ المهنيِّ والتّأهيلِ، وفي الوقتِ نفسِه، ينبغي تشجيعُ المشاركةِ الاقتصاديّةِ واحترامِ قوانينِ العملِ والالتزاماتِ الضّريبيّةِ والمهنيّةِ وفقًا للقوانينِ النّافذةِ، فالاندماجُ الاقتصاديُّ ليس مسؤوليّةَ طرفٍ واحدٍ، بل نتيجةُ تفاعلٍ بينَ سياساتٍ عادلةٍ وأفرادٍ مستعدّينَ للتّعلّمِ والعملِ والمشاركةِ.
الخطوةُ الرّابعة: إنشاءُ مساحاتٍ مشتركةٍ للحوارِ والتّعاونِ.
من الصّعبِ أن يزولَ الخوفُ من الآخرِ إذا ظلَّ النّاسُ يعيشونَ في مجموعاتٍ منفصلةٍ، ولا يلتقونَ إلّا في أوقاتِ التّوتّرِ أو النّزاعِ، ولهذا، يمكنُ للبلديّاتِ والمدارسِ والجامعاتِ والجمعيّاتِ المدنيّةِ أن تنظّمَ أنشطةً تجمعُ أفرادًا من خلفيّاتٍ ثقافيّةٍ متنوّعةٍ حولَ أهدافٍ مشتركةٍ، وقد تشملُ هذه الأنشطةُ مشاريعَ تطوّعيّةً، وفرقًا رياضيّةً، وندواتٍ ثقافيّةً، ومبادراتٍ بيئيّةً، وبرامجَ لدعمِ كبارِ السّنِّ والأطفالِ، ولقاءاتٍ يناقشُ فيها المشّاركونَ القضايا الّتي تهمُّهم جميعًا.
حينَ يعملُ أشخاصٌ من ثقافاتٍ مختلفةٍ معًا على تنظيفِ حيٍّ، أو دعمِ مدرسةٍ، أو تنظيمِ نشاطٍ للشّبابِ، فإنّهم يكتشفونَ جوانبَ مشتركةً بينهم، ويتعلّمونَ أنَّ التّعاونَ لا يشترطُ التّطابقَ في المعتقداتِ أو العاداتِ، ولا ينبغي أن تقتصرَ هذه المبادراتُ على المناسباتِ الاحتفاليّةِ، بل يجبُ أن تكونَ جزءًا مستمرًّا من الحياةِ الاجتماعيّةِ، بحيثُ تتحوّلُ المعرفةُ المتبادلةُ إلى ثقةٍ، والثّقةُ إلى تعاونٍ، والتّعاونُ إلى شعورٍ حقيقيٍّ بالانتماءِ إلى المجتمعِ.
الخطوةُ الخامسة: رفضُ التّعميمِ ومواجهةُ خطابِ الكراهيةِ.
إنَّ أخطرَ ما يهدّدُ المجتمعاتِ المتعدّدةَ هو تحويلُ الأفعالِ الفرديّةِ إلى أحكامٍ جماعيّةٍ، فعندما يرتكبُ شخصٌ جريمةً، لا يجوزُ أن تُحمَّلَ جماعتُه بأكملِها مسؤوليّةَ فعلِه، كما لا يجوزُ أن تُستخدَمَ جريمةٌ ارتكبَها فردٌ من أغلبيّةٍ معيّنةٍ للحكمِ على جميعِ أبناءِ تلكَ الأغلبيّةِ، إنَّ التّعميمَ يُضعفُ القدرةَ على فهمِ الوقائعِ، ويزيدُ الشّكَّ المتبادلَ، وقد يدفعُ الأبرياءَ إلى الشّعورِ بأنّهم متّهمونَ لمجرّدِ انتمائِهم، ومن هنا، فإنَّ مواجهةَ خطابِ الكراهيةِ تتطلّبُ خطابًا إعلاميًّا مسؤولًا، وتعليمًا نقديًّا، وتطبيقًا عادلًا للقوانينِ الّتي تحمي الأفرادَ من التّهديدِ والتّحريضِ والتّمييزِ غيرِ المشروعِ.
يجبُ في الوقتِ نفسِه ألّا يُستخدمَ وصفُ خطابِ الكراهيةِ لإسكاتِ كلِّ نقدٍ سياسيٍّ أو اجتماعيٍّ مشروعٍ، فالمجتمعُ الحرُّ يحتاجُ إلى مساحةٍ واسعةٍ للنّقاشِ، لكنّه يحتاجُ أيضًا إلى حمايةِ النّاسِ من التّحريضِ على العنفِ والاعتداءِ، والتّمييزُ بينَ النّقدِ والكراهيةِ، وبينَ الاعتراضِ المشروعِ والتّحريضِ، مسؤوليّةٌ مهمّةٌ تقعُ على عاتقِ المؤسّساتِ والإعلامِ والمجتمعِ المدنيِّ.
الخطوةُ السّادسة: دعمُ الأسرةِ والشّبابِ ومواجهةُ التّهميشِ.
يحتاجُ الشّبابُ إلى فرصٍ حقيقيّةٍ للتّعليمِ والعملِ والمشاركةِ، وإلى مؤسّساتٍ تستمعُ إلى مشكلاتِهم وتساعدُهم على تطويرِ قدراتِه، فإذا شعرَ الشّابُّ بأنّه مستبعَدٌ من المجتمعِ، وأنَّ مستقبلَه مسدودٌ، فقد يصبحُ أكثرَ عرضةً للاستغلالِ من قِبَلِ جماعاتٍ متطرّفةٍ أو
خطاباتٍ تقومُ على العداءِ والتّضليلِ، ولهذا، ينبغي الاستثمارُ في المراكزِ الشّبابيّةِ، والأنشطةِ الرّياضيّةِ والثّقافيّةِ، والتّدريبِ المهنيِّ، وبرامجِ الإرشادِ النّفسيِّ والاجتماعيِّ عندَ الحاجةِ، ودعمِ المبادراتِ الّتي تمنحُ الشّبابَ فرصةً للمشاركةِ في اتخاذِ القراراتِ المحليّةِ، كما ينبغي توفيرُ الدّعمِ للأسرِ الّتي تواجهُ ضغوطًا اقتصاديّةً أو اجتماعيّةً، وتعزيزُ التّواصلِ بينَ الأسرةِ والمدرسةِ والخدماتِ الاجتماعيّةِ، بما يساعدُ على اكتشافِ المشكلاتِ مبكّرًا ومعالجتِها قبلَ أن تتفاقمَ.
ولا يعني الاهتمامُ بأسبابِ التّهميشِ التّساهلَ مع العنفِ أو إعفاءَ مرتكبيه من المسؤوليّةِ، بل الجمعَ بينَ الوقايةِ والمحاسبةِ، وبينَ حمايةِ المجتمعِ وفتحِ أبوابِ الإصلاحِ أمامَ مَن يريدُ تغييرَ مسارِه.
الخطوةُ السّابعة: إشراكُ المواطنينَ والمقيمينَ في خدمةِ المجتمعِ.
إنَّ الشّعورَ بالانتماءِ يتعزّزُ حينَ يشعرُ الإنسانُ بأنَّ له دورًا في تحسينِ البيئةِ الّتي يعيشُ فيها، وأنَّ مشاركتَه تحظى بالتّقديرِ والاحترامِ، ولهذا، ينبغي تشجيعُ العملِ التّطوّعيِّ، والمبادراتِ المحليّةِ، والأنشطةِ الّتي تجمعُ النّاسَ حولَ أهدافٍ مشتركةٍ، ويمكنُ للبلديّاتِ أن تدعمَ مشروعاتٍ تطوّعيّةً يشاركُ فيها السّكّانُ من خلفيّاتٍ متعدّدةٍ، مثلَ تحسينِ الحدائقِ، وصيانةِ الأماكنِ العامّةِ، ومساعدةِ المسنّينَ، ودعمِ الطّلابِ، وتنظيمِ حملاتٍ للتّوعيةِ البيئيّةِ والمروريّةِ.
المشاركةُ في خدمةِ المجتمعِ تُحوّلُ الانتماءَ من شعورٍ نظريٍّ إلى مسؤوليّةٍ عمليّةٍ، وتساعدُ على بناءِ علاقاتٍ تتجاوزُ الاختلافاتِ الثّقافيّةَ، وتُظهرُ أنَّ المصلحةَ العامّةَ يمكنُ أن تكونَ أرضيّةً مشتركةً للجميعِ.
الخطوةُ الثّامنة: بناءُ مؤسّساتٍ موثوقةٍ وشفّافةٍ.
لا يمكنُ أن ينجحَ التّعايشُ إذا فقدَ النّاسُ الثّقةَ بالمؤسّساتِ الّتي يُفترضُ أن تحميهم، فحينَ يشعرُ المواطنونَ أو المقيمونَ بأنَّ شكاواهم لا تُسمَعُ، أو أنَّ حقوقَهم لا تُحمى، أو أنَّ القراراتِ تُتّخذُ دونَ شفافيّةٍ، فإنَّ الثّقةَ تتراجعُ، ويزدادُ احتمالُ اللّجوءِ إلى العزلةِ أو المواجهةِ أو فقدانِ الأملِ، ولذلكَ، ينبغي تطويرُ آليّاتٍ واضحةٍ لتلقّي الشّكاوى ومعالجتِها، وتعزيزُ الشّفافيّةِ في عملِ المؤسّساتِ، وتوفيرُ معلوماتٍ موثوقةٍ للجمهورِ، وإتاحةُ قنواتٍ للحوارِ بينَ السّكّانِ والسّلطاتِ المحليّةِ.
كما ينبغي أن تخضعَ المؤسّساتُ للمساءلةِ، وأن تُتاحَ للمتضرّرينَ سُبُلٌ قانونيّةٌ فعّالةٌ للدّفاعِ عن حقوقِهم، فالثّقةُ لا تُبنى بالمطالبةِ بها، بل بالممارساتِ الّتي تجعلُها مستحقّةً.
الخطوةُ التّاسعة: قياسُ النّجاحِ بنتائجَ ملموسةٍ.
إنَّ نجاحَ سياساتِ التّعايشِ والاندماجِ لا ينبغي أن يُقاسَ بعددِ المؤتمراتِ أو الشّعاراتِ أو المناسباتِ الثّقافيّةِ وحدَها، بل بنتائجَ يمكنُ ملاحظتُها وتقييمُها، ومن هذه المؤشّراتِ: تحسّنُ فرصِ التّعليمِ والعملِ، وتراجعُ حوادثِ التّمييزِ والعنفِ، وزيادةُ المشاركةِ في الأنشطةِ المدنيّةِ، وتحسّنُ مستوى الثّقةِ بالمؤسّساتِ، وارتفاعُ معدّلاتِ التّفاعلِ بينَ الفئاتِ المختلفةِ، وتوفيرُ آليّاتٍ عادلةٍ لمعالجةِ الشّكاوى والنّزاعاتِ.
ينبغي مراجعةُ البرامجِ الّتي لا تحقّقُ أهدافَها، وتطويرُها بناءً على الأدلّةِ والتّجاربِ الفعليّةِ، بدلَ الاكتفاءِ بالدّفاعِ عنها لمجرّدِ أنّها وُضعتْ بنوايا حسنةٍ، فالتّعايشُ النّاجحُ ليس حالةً مثاليّةً تتحقّقُ مرّةً واحدةً، بل عمليّةٌ مستمرّةٌ من التّعلّمِ والتّقييمِ والتّصحيحِ وبناءِ الثّقةِ.
الرّابع عشر: نحوَ ثقافةٍ حضاريّةٍ تجمعُ بينَ الحزمِ والإنصافِ.
إنَّ ما سبق عرضه من خطواتٍ عمليّةٍ لتعزيز التّعايش والاندماج يبيّن أنَّ بناء مجتمع متماسك لا يتحقّق بالشّعارات وحدها، ولا بالاكتفاء بالمطالبة بالالتزام بالقانون، بل يحتاج إلى رؤية متكاملة تجمع بين حماية الأمن، وصيانة الحقوق، وتحقيق العدالة، وتعزيز الثّقة بين الأفراد والمؤسّسات، فالمجتمع الّذي يسعى إلى الاستقرار الحقيقي لا بدّ أن يمتلك القدرة على مواجهة الانتهاكات بحزم، وأن يحافظ في الوقت نفسه على المبادئ التي تمنح حياته الاجتماعيّة معناها الحضاري والإنساني.
من هنا، فإنَّ الدّعوة إلى التّعايش لا تعني التّساهل مع العنف أو التّغاضي عن التّخريب أو تبرير الاعتداء على الآخرين، كما أنَّ الدّعوة إلى تطبيق القانون لا تعني رفض التّنوّع الثّقافي أو التّضييق على الحريّات الأساسيّة، فالمجتمع المتوازن هو الّذي يستطيع أن يجمع بين الحزم في مواجهة المخالفات، والإنصاف في تحديد المسؤوليّات، والمساواة في تطبيق القانون، واحترام الاختلاف في إطار الحقوق والواجبات المشتركة، فإذا ارتكب شخصٌ فعلًا من أفعال العنف أو التّخريب، وجب أن يُحاسَب وفقًا للقانون والأدلّة والإجراءات العادلة، وأن تُصان حقوق المتضرّرين، وأن تُتّخذ التّدابير اللازمة لمنع تكرار الاعتداء، وإذا تعرّض شخص آخر للتّمييز أو الإهانة أو الاعتداء بسبب أصله أو دينه أو ثقافته، وجب أن يحظى بالحماية والإنصاف نفسيهما، ولا تناقض بين الموقفين، لأنَّ كليهما يستند إلى مبدأ واحد، هو أنَّ كرامة الإنسان مصونة، وأنَّ المسؤوليّة تُحدَّد بالأفعال المثبتة، لا بالانتماءات والهويّات.
إنَّ العدالة الحقيقيّة لا تقوم على التّساهل مع المخطئ، ولا على تحميل الأبرياء تبعات أخطاء غيرهم، بل على التّمييز الواضح بين الفعل ومرتكبه من جهة، والجماعة الّتي ينتمي إليها من جهة أخرى، فليس من العدل أن تتحوّل جريمة فرد إلى حكم على مجتمع
كامل، كما ليس من المقبول أن يُعفى أحد من المساءلة بسبب مكانته أو أصوله أو انتمائه، وحين يُطبَّق القانون بهذه الرّوح، يصبح ضمانةً مشتركةً للجميع، لا أداةً للانتقام أو وسيلةً لتكريس التّمييز، وفي هذا السّياق، ينبغي فهم الاندماج بوصفه مشاركةً متبادلةً في الحياة العامّة، لا عمليّة إكراهٍ أو إذلال، ولا مطالبةً للإنسان بالتّخلّي عن لغته أو تراثه أو كل ما يميّزه ثقافيًّا. فالاندماج النّاجح يقوم على احترام القوانين والمؤسّسات والقواعد التي تنظّم الحياة المشتركة، مع ضمان حق الأفراد في الاحتفاظ بهويّاتهم الثّقافيّة، ما دام التّعبير عنها لا ينتهك حقوق الآخرين أو يخالف القانون.
التّعدّديّة لا تعني غياب القواعد، بل تعني وجود قواعد عادلة يستطيع المختلفون أن يعيشوا في ظلّها بكرامة وأمان، من دون أن يُفرَض عليهم التّشابه في معتقداتهم أو عاداتهم، وهي لا تقتضي إذابة الهويّات أو إلغاء الفوارق بين البشر، بل تنظيم العلاقة بينهم على أساس الاحترام المتبادل والمساواة أمام القانون وتحمل المسؤوليّة المشتركة،
كما أنَّ المجتمع المتحضّر لا يُقاس بقدرته على تجنّب الخلافات كلّها، فاختلاف المصالح والآراء والثّقافات أمر طبيعي في المجتمعات الإنسانيّة، وإنّما يُقاس بقدرته على إدارة هذه الخلافات بوسائل عادلة وسلميّة، وعلى منع تحوّلها إلى عنف أو كراهية أو إقصاء. فكلّما كانت المؤسّسات أكثر نزاهة، والقوانين أكثر عدالة، وقنوات الحوار أكثر فاعليّة، ازدادت قدرة المجتمع على معالجة أزماته دون المساس بكرامة أفراده أو حقوقهم، ولا يمكن تحقيق هذا التّوازن بالاعتماد على الدّولة وحدها، أو بإلقاء المسؤوليّة على الأفراد وحدهم، بل يتطلّب تعاونًا بين المؤسّسات الرّسميّة والمدارس والأسر ووسائل الإعلام ومؤسّسات المجتمع المدني، إلى جانب استعداد كل فرد لمراجعة سلوكه، واحترام حقوق غيره، والمشاركة في حماية المصلحة العامّة، فالحضارة ليست مجموعة مبادئ نعلن الإيمان بها، بل منظومة قيم تظهر حقيقتها في القرارات والممارسات، ولا سيّما حين تشتدّ الأزمات وتتعارض المصالح.
هكذا، يتّضح أنَّ التّعايش الحقيقي لا يقوم على الاختيار بين الأمن والحرّيّة، أو بين تطبيق القانون واحترام التّنوّع، بل على إقامة توازن عادل يحمي المجتمع من العنف والفوضى، ويصون في الوقت نفسه الحقوق والكرامة الإنسانيّة، وهذا التّوازن هو الذي يقودنا إلى السّؤال الأوسع الّذي يتجاوز حدود السّياسات والإجراءات: ما المعنى الحقيقي للحضارة إذا لم تنعكس في سلوك الإنسان، وفي عدالة المؤسّسات، وفي احترام كرامة الجميع؟
من هذا السّؤال تنطلق الخلاصة النّهائيّة لهذا البحث، لتؤكّد أنَّ الحضارة ليست امتيازًا تحتكره أمّة أو ثقافة، بل مسؤوليّة إنسانيّة مشتركة، تتجدّد كلّ يوم بقدر ما يلتزم الإنسان بالعدل، ويحترم القانون، ويصون حقوق الآخرين.
الخاتمةُ: الحضارةُ مسؤوليّةٌ إنسانيّةٌ مشتركةٌ.
إنَّ ما تشهده بعض المجتمعات من اضطرابات وتوتّرات وأعمال عنف يضعنا أمام سؤال يتجاوز الأحداث الآنيّة وتفاصيلها: ما الّذي يجعل مجتمعًا ما جديرًا بوصف الحضارة؟ أهو ما يملكه من ثروة وتقنيّة وقوّة، أم ما يلتزم به من عدل واحترام لكرامة الإنسان؟ وهل يكفي أن تتقدّم المجتمعات في مظاهر العمران والإنتاج والمعرفة، إذا لم ينعكس هذا التّقدّم على سلوك أفرادها، وعلى طبيعة مؤسّساتها، وعلى الطّريقة الّتي تتعامل بها مع المختلفين عنها؟
إنَّ الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي النّظر إلى الحضارة بوصفها مفهومًا يتجاوز الإنجاز المادّي إلى القيم الّتي توجّه استخدامه، العلم يمنح الإنسان القدرة على الفهم والإبداع، والثّروة تتيح له تحسين ظروف الحياة، والتّقنيّة توسّع إمكاناته، لكنّ هذه جميعها تفقد جانبًا من قيمتها الإنسانيّة إذا لم تُسخَّر لخدمة الإنسان وصيانة حقوقه وتحقيق حياة أكثر عدلًا وكرامةً، التّقدّم الحقيقي لا يتمثّل في امتلاك وسائل القوّة فحسب، بل في امتلاك الوعي والمسؤوليّة اللّذين يحدّدان كيفيّة استخدامها، وقد أظهر التّاريخ أنَّ المجتمعات تستطيع أن تبلغ درجات متقدّمة من التّطوّر العلمي والصّناعي، ثم تنزلق إلى الظّلم والعنف عندما تتراجع القيم الأخلاقيّة، ويحلّ التّعصّب محلّ العقل، وتُقدَّم المصالح الضّيّقة على كرامة الإنسان، كما أظهر أنَّ المجتمعات قادرة على مراجعة أخطائها، وإصلاح قوانينها ومؤسّساتها، وتجاوز بعض موروثاتها الظّالمة، متى توافرت الإرادة والوعي والشّجاعة للاعتراف بالحقيقة، ومن هنا، فإنَّ الحضارة ليست حالة مكتملة تبلغها الشّعوب ثم تستغني عن مراجعة نفسها، بل مسار مستمرّ يُختبَر فيه مدى التّزامها بالمبادئ الّتي تعلنها.
تتجلّى أهمّيّة هذا المعنى بصورة أوضح حين تواجه المجتمعات الأزمات، وتنتشر المخاوف، وتشتدّ الخلافات، ويصبح من السّهل توجيه الاتّهام إلى جماعة أو فئة تختلف في الأصل أو الدّين أو الثّقافة، ففي مثل هذه اللّحظات يظهر الفرق بين مجتمع يجعل العدالة مبدأ ثابتًا، ومجتمع يسمح للخوف والغضب بأن يدفعاه إلى التّعميم والتّمييز والعقاب الجماعي.
من حقّ المجتمعات الأوروبيّة وغيرها أن تحمي أمنها واستقرارها، وأن تطبّق قوانينها على من يخالفها، وأن تحاسب كلّ من يرتكب العنف أو التّخريب أو الاعتداء على حقوق الآخرين، غير أنَّ هذا الحق يقترن بمسؤوليّة لا تقلّ أهمّيّة، تتمثّل في حماية الأبرياء، وضمان المحاكمة العادلة، ورفض التّمييز، وعدم تحميل جماعة كاملة مسؤوليّة أفعال بعض أفرادها، الأمن الّذي يقوم على العدالة يعزّز الثّقة بالمؤسّسات، أمّا الأمن الّذي يُطلب على حساب الحقوق فقد يحقّق هدوءً مؤقّتًا، لكنّه يهدّد الأسس الّتي يقوم عليها الاستقرار المستدام، وبالمثل، فإنَّ احترام حقوق الإنسان لا يعني إعفاء الأفراد من واجباتهم، ولا يبرّر الاعتداء على الآخرين باسم الحرّيّة أو الاحتجاج أو الاختلاف الثّقافي، فالحرّيّة لا تكتمل إلا حين تُمارَس مع احترام حرّيّات الآخرين، والمساواة لا تتحقّق إلا حين تُطبَّق القواعد على الجميع دون انتقائيّة، والانتماء إلى المجتمع لا يُقاس بالشّعارات، بل بمدى المشاركة في صيانة أمنه ومرافقه ومصالحه المشتركة، إنَّ الحقوق والواجبات ليسا طريقين متعارضين، بل وجهان لعلاقة إنسانيّة واجتماعيّة تقوم على الاحترام والمسؤوليّة المتبادلة.
من هنا، فإنَّ الاندماج الحقيقي لا يعني أن يتخلّى الإنسان عن هويّته كي يُقبَل، ولا أن يجعل من هويّته مبرّرًا لرفض القواعد المشتركة أو انتهاك حقوق غيره، بل يعني أن يجد لنفسه مكانًا في المجتمع، وأن يتمكّن من المشاركة في الحياة العامّة بكرامة، وأن يحترم في الوقت نفسه القانون والمؤسّسات والحقوق الّتي تضمن للآخرين العيش بأمان، فالمجتمعات القويّة ليست تلك الّتي تلغي الاختلافات، بل تلك الّتي تستطيع تنظيمها ضمن إطار عادل يتيح للجميع فرصًا متكافئة، ويحميهم من التّمييز والإقصاء،
ولا يمكن بناء هذا الواقع بالاعتماد على العقوبات وحدها، كما لا يمكن تحقيقه بالتّسامح النّظري وحده، إنّه يحتاج إلى تعليم ينمّي التّفكير النّقدي، وتربية تغرس احترام الإنسان، ومؤسّسات تتمتّع بالنّزاهة والشّفافيّة، وقوانين تُطبَّق بعدالة، وسياسات تتيح فرصًا حقيقيّة للتّعليم والعمل والمشاركة، ويحتاج كذلك إلى إعلام مسؤول يميّز بين الوقائع والشّائعات، وإلى خطاب عام يرفض التّحريض والتّعميم، وإلى أفراد يدركون أنَّ كلماتهم وقراراتهم وأفعالهم تؤثّر في حياة الآخرين وفي طبيعة المجتمع الّذي يعيشون فيه.
هنا تبرز مسؤوليّة الدّولة والأسرة والمدرسة والإعلام وسائر المؤسّسات، لا بوصفها جهات منفصلة تؤدّي أدوارًا متفرّقة، بل شركاء في بناء ثقافة مدنيّة تجعل احترام القانون قناعةً، وتحويل الاختلاف إلى حوار ممارسةً، وحماية المصلحة العامّة سلوكًا يوميًّا، فالمجتمع الّذي يريد مستقبلًا أكثر استقرارًا لا يكتفي بمعالجة آثار الأزمات بعد وقوعها، بل يعمل على تقليل أسبابها، ويفتح أمام أفراده سبلًا عادلة للتّعبير والمشاركة، ويحاسب المخطئين دون ظلم، ويحمي المتضرّرين دون تمييز، ولا ينبغي أن ننسى أنَّ هذه المسؤوليّة تبدأ من الإنسان نفسه، ومن تفاصيل حياته اليوميّة، فهي تظهر حين يرفض الظّلم ولو لم يقع عليه، ويحترم القواعد ولو غابت الرّقابة، ويتحقّق من المعلومات قبل نشرها، ويحافظ على الممتلكات العامّة، ويعامل الآخرين بإنصاف، ويعترف بخطئه حين يخطئ، وقد تبدو هذه الممارسات بسيطة إذا نُظر إلى كلّ واحدة منها منفردة، لكنّها في مجموعها تشكّل الأساس الأخلاقي الّذي تقوم عليه المجتمعات المتماسكة.
إنَّ الحضارة ليست جواز سفر، ولا لون بشرة، ولا لغة، ولا انتماءً جغرافيًّا، ولا لقبًا تمنحه جماعة لنفسها وتحجبه عن غيرها، إنّها وعي يتطوّر، وعلم يُسخَّر للخير، وعمل يُتقَن، وقانون يُحترَم، وعدل يُمارَس، وكرامة تُصان، ومسؤوليّة يتحمّلها الإنسان تجاه نفسه وتجاه الآخرين، ولا شعب يحتكر الفضيلة، ولا مجتمع يخلو من الأخطاء، ولا ثقافة تُعفي أبناءها من المساءلة، فالمعيار الحقيقي هو سلوك الإنسان، وقدرته على تحويل القيم الّتي يؤمن بها إلى مواقف وأفعال، وعندما ندرك أنَّ الإنسان هو غاية الحضارة، وأنَّ تقدّم المجتمعات لا يكتمل إلا بتقدّم وعيها الأخلاقي، يصبح الطّريق أوضح نحو عالم أكثر عدلًا وأمنًا وازدهارًا، عالم لا يُطالَب فيه الإنسان بالتّخلّي عن هويّته كي يحظى بالاحترام، ولا يُسمح له بأن يجعل من هويّته ذريعة لانتهاك حقوق الآخرين، بل يعيش فيه الجميع تحت مظلّة القانون والكرامة والمسؤوليّة المتبادلة، وهذه هي الرّسالة الّتي ينبغي أن نحملها إلى الأجيال القادمة: أنَّ الاختلاف لا يُحلّ بالعنف، وأنَّ الحريّة لا تُصان بالفوضى، وأنَّ الأمن لا يستقيم بالتّمييز، وأنَّ العدالة لا تتحقّق بالانتقام، بل بإخضاع الجميع لقواعد منصفة تحمي الحقوق وتحدّد المسؤوليّات، فكلّما تعلّم الإنسان أن يوازن بين حقّه وحقّ غيره، وبين حريّته ومسؤوليّته، وبين انتمائه الخاص واحترامه للإنسانيّة المشتركة، اقترب المجتمع من المعنى الحقيقي للحضارة،
فالحضارة الحقيقيّة هي أن تمتلك القوّة دون أن تظلم، والحريّة دون أن تعتدي، والثّروة دون أن تستغلّ، والمعرفة دون أن تتكبّر، والاختلاف دون أن تتعصّب، وهي أن تجعل من القانون ضمانةً للحقوق، ومن التّعليم طريقًا للوعي، ومن التّربية أساسًا للمسؤوليّة، ومن التّنوّع فرصةً للتّكامل، ومن كرامة الإنسان مبدأً لا يتجزّأ.
ليس أعظم النّاس مَن يفرض إرادته على غيره، بل مَن يعرف كيف يمارس حريّته دون أن يسلب الآخرين حريّتهم، وليس أرقى المجتمعات مَن يملك أكثر، بل مَن يُحسن استخدام ما يملك لخدمة الإنسان وصيانة كرامته وبناء مستقبل يتّسع للجميع.







