الكرك وامتحان الإنسانية: حين يصبح الأمان حقًا لا يقبل المساومة
بقلم: رانية مرجية
تاريخ النشر: 24/10/26 | 8:57
ثمة مآسٍ لا تنتهي عند حدود ضحاياها، بل تترك خلفها أسئلة تمسّ جوهر المجتمع: كيف نحمي الإنسان حين يصبح الخوف جزءًا من حياته؟ وكيف نتمسّك بالعدالة من دون أن نسمح للألم بأن يتحوّل إلى كراهية؟
ما شهدته الكرك يعيد هذه الأسئلة إلى الواجهة بقسوة. فحين يُمسّ أمن الإنسان في لحظة وداع، وحين يتعرّض الناس للخطر في مناسبة يفترض أن تكون مكرّسة للحزن والسكينة، فإنّ ما يُصاب ليس الأفراد وحدهم، بل الشعور الأساسي بأنّ الحياة وكرامة الإنسان موضع حماية واحترام.
في لحظات الفقد، لا يطلب الإنسان الكثير. يريد أن يودّع من أحبّ بسلام، وأن يجد في محيطه ما يخفّف وطأة الغياب، وأن يمارس حقه في الصلاة والحزن من دون خوف. ولهذا، فإنّ المساس بأمان الناس في مثل هذه اللحظات ليس خبرًا عابرًا، بل جرح إنساني يفرض علينا موقفًا واضحًا ومسؤولية لا يجوز تأجيلها.
غير أنّ الموقف الأخلاقي لا يُقاس بحدّة الإدانة وحدها، بل بما يترتب عليها من التزام بالحقيقة والعدالة. فالتضامن مع الضحايا لا يكتمل بالكلمات، وإنما بالإصرار على صون حقوقهم، واحترام الإجراءات القانونية، ومحاسبة المسؤولين وفق الأدلة والقانون. كما أنّ خطورة أي اعتداء لا تبرّر استباق الوقائع أو تداول معلومات غير موثقة؛ فالحقيقة ليست تفصيلًا ثانويًا في طريق العدالة، بل أساسها الذي لا تستقيم من دونه.
العدالة ليست انتقامًا من أجل الضحايا، بل ضمانة بألّا يُترك حقّهم للغضب أو النسيان.
وفي قلب هذه المأساة تبرز مسألة تتجاوز حدود المكان: حرمة دور العبادة وحق الإنسان في ممارسة معتقده بأمان. فحماية الكنائس ليست شأنًا يخصّ المسيحيين وحدهم، كما أنّ حماية المساجد ليست شأنًا يخصّ المسلمين وحدهم. إنّها مسؤولية عامة تتصل بجوهر المواطنة، وبحق كل إنسان في أن يعيش معتقده بحرية وكرامة، من دون أن يشعر بأنّ هويته تجعله أقل أمنًا أو أقل استحقاقًا للحماية.
إنّ المواطنة المتساوية لا تُقاس بما يقال عنها في المناسبات، بل بما يلمسه الناس في حياتهم اليومية: في حماية القانون لهم، وفي عدالة المؤسسات، وفي قدرتهم على ممارسة حقوقهم من دون خوف أو تمييز. وعندما يتعرض أيّ مواطن للأذى، فإنّ مسؤولية المجتمع والدولة هي أن تضمن له الإنصاف والحماية، لا أن تتركه وحيدًا أمام القلق أو أن تجعل من مأساته موضوعًا عابرًا ينتهي بانتهاء الاهتمام الإعلامي.
وفي المقابل، لا يجوز أن يتحوّل الألم إلى اتهام جماعي، أو أن تصبح الفاجعة مدخلًا إلى خطاب يزرع الشك والعداء بين أبناء المجتمع الواحد. فالمسؤولية تُحدَّد بالوقائع والأدلة، لا بالانتماءات الدينية أو الاجتماعية. وإدانة العنف تفقد جانبًا من معناها إذا تحوّلت إلى ذريعة لإيذاء الأبرياء أو المساس بكرامتهم.
هنا تحديدًا يُختبر معنى العيش المشترك. ليس حين تكون العلاقات هادئة، بل حين يصبح الغضب مفهومًا، ويكون الخوف حاضرًا، وتصبح الكلمات قادرة على توسيع الشرخ أو الحدّ منه. العيش المشترك ليس مطالبة المتضررين بتجاوز آلامهم، ولا الاكتفاء بترديد عبارات التسامح؛ إنّه التزام بحماية الحقوق، وتحقيق العدالة، ورفض كل خطاب يحوّل الاختلاف إلى سبب للتمييز أو العداء.
وللإعلام والكتابة مسؤولية خاصة في هذه اللحظات. فالكلمة قد تسهم في حماية الحقيقة وتهدئة المخاوف، وقد تزيد الألم إذا انفصلت عن الدقة وتحولت إلى أداة للإثارة. المهنية ليست برودًا أمام المأساة، كما أنّ التحقق من المعلومات ليس تراجعًا عن الموقف الأخلاقي. بل إنّ صدقية الكاتب تظهر تحديدًا في قدرته على إدانة العنف بوضوح، من دون أن يتجاوز ما تثبته الوقائع أو يفتح الباب أمام أحكام متسرعة.
أكتب عن الكرك لأنّ كرامة الإنسان لا تتجزأ، ولأنّ التضامن الحقيقي لا ينبغي أن تحدده هوية الضحية، ولأنّ احترام الإنسان لا يُختبر في أوقات الراحة وحدها، بل في اللحظات التي يصبح فيها الدفاع عن حقوقه ضرورة أخلاقية ووطنية.
لا تستطيع الكلمات أن تعيد من رحلوا إلى عائلاتهم، ولا أن تمحو أثر الفقد من حياة من بقوا. لكنها تستطيع أن ترفض اختزال الضحايا في أرقام، وأن تذكّر بأنّ خلف كل مأساة حياةً وعائلةً وذكرياتٍ ومستقبلًا تغيّر إلى الأبد. وتستطيع أيضًا أن تجعل من الحزن مسؤولية مستمرة، لا انفعالًا مؤقتًا ينحسر حين يغيب الخبر عن العناوين.
إنّ ما تحتاج إليه المجتمعات بعد المآسي ليس مزيدًا من الشعارات، بل مؤسسات تحمي، وقانون ينصف، وإعلام يحترم الحقيقة، ووعي اجتماعي يرفض أن يجعل من الخوف أساسًا للعلاقة بين الناس.
فالاختبار الحقيقي لإنسانيتنا ليس في قدرتنا على إدانة العنف بعد وقوعه فحسب، بل في قدرتنا على حماية الإنسان، وصون كرامته، ومنع الخوف من أن يتحوّل إلى قاعدة تحكم حياته.
رحم الله الضحايا، وألهم ذويهم الصبر، ومنح المصابين الشفاء.
إنّ الوفاء للضحايا يبدأ بالتضامن معهم، لكنه لا يكتمل إلا بالعدالة. وإنّ حماية الأمان ليست شعارًا يُرفع بعد وقوع المأساة، بل مسؤولية دائمة تُقاس بما تفعله المؤسسات والمجتمعات كي لا يُترك الإنسان وحيدًا أمام الخوف.
العدالة كرامة للضحايا، والأمان حق للجميع، والإنسانية مسؤولية لا تسقط في لحظات الألم.



