صور على جدار الزمن

ماتيلدا عواد

تاريخ النشر: 23/10/26 | 7:15

“فرغت من كتابته 24/8/2016 – الساعة 20:58 مساء الأربعاء”
(الصورة المرفقة لوالدي، علي الكايد عواد سيلاوي، في سوق الناصرة العتيق).

مهلًا… مهلًا…
لا تُسرعوا في مسيركم
لا تُقلّبوا الصورة سريعًا
أريد أن أُمعن النظر أكثر
دون أن أترك ركنًا منها دون تأمّل
فلربما ألمح طيف أمي
وهي تمرُّ من هنا
أو ظلَّ عكازةِ أبي،ط
التي كانت بمثابة نصفه،ط
وجزؤه الشاهد على الانقلاب
غير المتوقع في حياة أمي
ذاك الانقلاب الذي حوّلها من امرأةٍ عادية
إلى امرأةٍ فولاذية
تصهر الحديد لتقينا شرَّ الحياة
ولتجمع لنا قوتنا

قلتُ لكم مهلًا… لا تُسرعوا
ربما هنا… أو هناك، في هذه الزاوية أو تلك
اتركوني أبحث براحتي
عن دمعةٍ سقطت من عينيها
بحرقةِ حلمٍ هارب
على أرصفةِ وأزقّةِ مدينتنا

ما هذا؟ بماذا تعثّرت؟
آه… إنه شبابُ أبي المختزلُ من عمره
تركه هنا، في هذه الصورة
وثب منها، وعنه
وحين التفت خلفه
وجد نفسه قد شاخ وشاب
تاركًا وراءه قميصَه الواسعَ الأزرق
ذا الجيوب الكبيرة
الذي قصَدَ شراءه لتتسع لعلبة سجائره وقلبه الحنون

وهذه الصورة… بنكهةِ قهوةِ أمي
مرّروا أنوفكم عليها، واملأوا رئاتكم برائحتها
سيطولُ عمركم بقدرِ عمرِكم
فكانت الحنونةَ بعطرِ القهوة، وهالِ الحب
كان ظلُّها يسبقها،ط
ويخرجُ من البيت قبلها
ليحبو ويتعلّقَ طيفُها
على جدرانِ حارتنا يُزيّنها

مهلًا…
لا تُقلّبوا هذه الصورة أيضًا
فهي ذكرى عائليةٌ لنا جميعًا:
أنا، إخوتي، أمي، أبي…
كنّا متماسكين، متراصّين
في حضن بعضنا البعض
وكان حبّنا يطغى جمالًا واضحًا عليها

انظروا إلى كفّي الصغيرة
غطّت وجوههم عندما تحسّستها
بوضعية الخمسة على الصورة العتيقة
والآن، بتنا نشتاق لبعضنا
وللحضن الذي ضمّنا

فلم يبقَ لي ولإخوتي
إلّا الورودُ التي قطفناها
لنضعها على قبورهم في الأعياد
بعد الدعاء لهم
ودمعةٌ ملتهبةٌ لم تجفّ أبدًا
ما زالت تتدحرج من القلب
إلى الخدّ، تحرقه شوقًا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة