حين نتحرّر من نفوذ الأذى في استرداد الذات والتحرّر من سلطة الآخرين

بقلم ارانية مرجية

تاريخ النشر: 21/10/26 | 17:07

ليس كلّ ما يستفزّنا يستحقّ ردًّا، وليس كلّ من يسيء إلينا يستحقّ أن نمنحه مزيدًا من أعمارنا. فثمّة معارك لا نُهزم فيها حين نخسرها، بل حين نقبل خوضها، وثمّة سلوكيات مؤذية لا تنتهي آثارها بانتهاء أصحابها، بل تواصل استنزافنا حتى بعد أن يغادروا حياتنا.

مع النضج، ندرك أنّ الابتعاد عن العلاقات المؤذية ليس استعلاءً، بل حمايةٌ لسلامنا الداخلي. وأن نعرف متى نتكلّم، ومتى نصمت، ومتى نغادر، دون أن نظلّ أسرى لما حدث، تلك حكمة تمنحنا إيّاها الخيبات حين نتوقّف عن سؤال الآخرين: لماذا آذونا؟ ونبدأ بسؤال أنفسنا: لماذا نسمح للأذى بأن يقيم فينا أطول ممّا ينبغي؟

تأمّلوا موظفًا يهنّئه زميله أمام الجميع على نجاحه، ثم ينتقص من كفاءته في غيابه. وامرأةً ائتمنت صديقةً على سرّها، فإذا به يتنقّل بين الألسنة. وإنسانًا اعتاد أن يكون سندًا للآخرين، فلم يجد كتفًا يستند إليه حين أثقلته الحياة.

لا ينتهي الألم عند الخذلان؛ فكثيرًا ما يبدأ بعده استنزافٌ آخر: حوارٌ لا يتوقّف في داخلنا. نستعيد الكلمات، ونراجع المواقف، ونرتّب ردودًا كان ينبغي أن نقولها، كأنّنا نحاول إصلاح مشهدٍ انتهى، أو انتزاع اعترافٍ من شخصٍ قد لا يعترف أبدًا.

وهنا تكمن المفارقة: قد نُخرج أصحاب الأذى من حياتنا، لكنّنا نُبقيهم في حواراتنا الداخلية؛ نغلق الأبواب، ونفتح لهم محاكم لا تنتهي داخلنا. نغادر المكان، ونحمل المعركة معنا، فنظلّ أسرى لما أردنا التحرّر منه.

أخطر ما تفعله بعض السلوكيات المؤذية أنّها لا تكتفي بإيلامنا، بل تجعلنا نواصل استنزاف أنفسنا ونحن نحاول فهمها أو الردّ عليها. فقد يتحوّل الحوار مع من لا يريد الإصغاء إلى جدالٍ غايته إثبات التفوّق، ومحاولة إقناع من لا يرغب في الفهم إلى عبءٍ لا ينتهي، وملاحقة تناقضات الآخرين إلى انشغالٍ يسرق منّا ما هو أثمن من اعترافهم: وقتنا وطمأنينتنا.

لكنّ بعض السلوكيات تتّضح مع الوقت، وبعض العلاقات تكشف حقيقتها في المواقف. وأحيانًا، يكفي أن نرى بوضوح، ونضع حدودًا، ونمنع الأذى من التكرار، دون أن نستنزف أنفسنا في محاولة تغيير من لا يريد أن يتغيّر.

وليس في ذلك دعوةٌ إلى الصمت عن الظلم أو التنازل عن الحقوق؛ فثمّة مواجهات واجبة، وحقوق تستحقّ الدفاع عنها. غير أنّ فرقًا شاسعًا يفصل بين مواجهةٍ تحمي كرامتنا، ومعركةٍ نخوضها لأنّنا لا نحتمل أن يسيء إلينا أحد دون أن ننتزع منه اعترافًا أو نلقّنه درسًا.

ليس كلّ صمت حكمة، ولا كلّ ردّ ضعفًا؛ الحكمة أن نعرف متى يكون الكلام دفاعًا عن كرامتنا، ومتى يتحوّل إلى استنزافٍ لها.

وقد نظنّ أنّنا تحرّرنا من الأذى لمجرّد أنّنا ابتعدنا عن أصحابه، بينما يظلّ نفوذهم قائمًا في طريقة تفكيرنا، وفي قدرتهم على تعكير يومنا، وفي حاجتنا المستمرّة إلى تفسير ما فعلوا أو إثبات أنّهم أخطؤوا. عندئذٍ، لا يعود السؤال: هل غادروا حياتنا؟ بل: هل استعدنا حياتنا منهم؟

إنّ أعمق أشكال الابتعاد ألّا نجعله رسالةً إلى الآخرين، بل عودةً منّا إلى أنفسنا. ألّا ننتظر ندمهم كي نتعافى، ولا اعترافهم كي نستردّ كرامتنا، ولا فهمهم كي نطمئنّ إلى حقيقة أنفسنا. فليس من العدل أن نعلّق سلامنا على قرار شخصٍ آخر، ولا من الحكمة أن نجعل تعافينا رهينة اعتذارٍ قد لا يأتي.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحوّل هذا الوعي إلى غرورٍ أخلاقي. فليس كلّ من خالفنا مؤذيًا، ولا كلّ من أخطأ متعمّدًا، ولا كلّ نقدٍ إهانة. أحيانًا يكون الآخر مرآةً تكشف عيبًا فينا، وأحيانًا نسمّي الناس مؤذين لأنّهم رفضوا أن يمنحونا ما أردناه منهم.

الحكمة ليست في تصنيف الناس وفق ما يريح كبرياءنا، بل في التمييز بين من يصارحنا ومن يتعمّد إذلالنا، وبين اختلافٍ يوسّع وعينا وسلوكٍ يستنزف ثقتنا. أن نتقبّل النقد دون أن نقبل الإهانة، وأن نراجع أنفسنا دون أن نسلّمها لمن يريد تحطيمها، وأن نسامح إن استطعنا، دون أن نجعل التسامح إذنًا مفتوحًا لتكرار الأذى.

فالحياة أثمن من أن نبدّدها في شرح نوايانا لمن لا يريد أن يفهمها، أو في مطاردة اعتذارٍ قد لا يأتي. لسنا مطالبين بالانتصار في كلّ حكاية، ولا بإقناع الجميع بروايتنا. يكفينا أن نفهم ما حدث، وأن نتعلّم منه، وأن نحمي أنفسنا من تكراره، ثم نمضي.

الابتعاد عن السلوكيات المؤذية نعمة، لا لأنّ أصحابها أقلّ من أن نلتفت إليهم، بل لأنّ حياتنا أكبر من أن نختصرها في أذاهم.

فالنصر الأعمق ليس أن يندم من خذلنا، أو يعترف من أساء إلينا بخطئه، بل ألّا نعود بحاجة إلى شيءٍ منهم كي نكون بخير. ألّا ننتظر اعتذارًا لننام مطمئنّين، ولا اعترافًا لنؤمن بقيمتنا، ولا هزيمتهم كي نشعر أنّنا انتصرنا.

أن نستعيد وقتنا وانتباهنا، ونمنح قلوبنا لمن يعرف معنى الوفاء، وعقولنا لما يستحقّ التفكير، وأيّامنا لما يجعلها جديرةً بأن تُعاش. فحسن الظنّ لا يلغي البصيرة، ونقاء القلب لا يعني تركه مكشوفًا لكلّ عابر، والتسامح لا يفرض علينا إعادة فتح الأبواب لمن أساء إلينا.

في النهاية، ليس النضج أن نصبح أقلّ إحساسًا، بل ألّا نسمح لكلّ عابر بأن يحدّد ما نشعر به. وليس السلام أن تخلو حياتنا من العلاقات الصعبة، بل ألّا نمنحها مفاتيح حياتنا.

أحيانًا، لا يكون أعظم انتصارٍ أن نغادر من آذانا، بل أن نغادر دون أن نحمل معنا حاجتنا إلى انتصارهم علينا أو هزيمتهم أمامنا.

هناك، تحديدًا، ينتهي نفوذ الأذى وتبدأ حياتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة