“الجيل الذهبي” قصة قصيرة
بقلم فخري هوّاش
تاريخ النشر: 21/10/26 | 8:39
أطلقوا على جيله اسم «الجيل الذهبي»، فابتسم حين سمع التسمية أول مرة. أعجبه أن يجدوا أخيرًا اسمًا يليق بعمره، بعد أن أمضى سنواته في العمل، وتربية الأبناء، وسداد الفواتير، وتأجيل أحلامه إلى إشعار آخر.
لم يسألهم لماذا الذهب، ولماذا الآن. كان قد تعلّم أن بعض الكلمات تأتي متأخرة، مثل الاعتذار، وأن بعض الاعتذارات لا تحتاج إلى إجابة.
استيقظ صباحًا قبل المنبّه. لم يكن لديه موعد، ولا عمل ينتظره، ولا أحد سيعاتبه إن تأخر. ومع ذلك، نهض، رتّب سريره، وحضّر فنجان القهوة، ثم جلس قبالة النافذة يراقب الناس وهم يعبرون الشارع مسرعين.
تذكّر أيامًا كان يخرج فيها قبل طلوع الشمس، يحمل حقيبته وأحلامه، ويعود آخر النهار متعبًا، لكنه يشعر أن العالم يحتاج إليه.
أما الآن، فالعالم يمضي في طريقه من دون أن يلتفت.
رنّ هاتفه. أسرع إليه، لكن المتصل كان شركة اتصالات تعرض عليه باقة جديدة. اعتذر وأغلق الخط، ثم بقي ممسكًا بالهاتف قليلًا، كأنه ينتظر أن يعتذر أحدهم عن المكالمة الخاطئة.
فتح قائمة الأسماء. مرّ على أسماء أبنائه وأصدقائه القدامى. توقّف عند اسم صديق رحل منذ سنوات، وابتسم.
قال لنفسه:
ـ هذا الوحيد الذي لم يعد يستطيع أن يؤجّل زيارتي.
ضحك، ثم فوجئ بأن ضحكته بدت غريبة في الغرفة.
شغّل التلفاز. كان المذيع يتحدث عن الأزمات والحروب، فبدأ الرجل يجادله بصوت مرتفع، ويشير بيده، ويستعيد حججًا لم يعد أحد يسمعها. وحين انتهت النشرة، ظلّ يتحدث قليلًا، ثم سكت فجأة.
كان الصمت قد عاد إلى الغرفة، وجلس في المقعد المقابل.
نهض الرجل، حرّك الكرسي، فتح النافذة، وأغلقها. بحث عن نظارته، مع أنها كانت فوق رأسه، ثم سأل بصوت عالٍ: أين وضعت مفاتيحي؟
لم يكن يبحث عن المفاتيح.
كان يريد فقط أن يسمع صوته.
عند الظهيرة، اتصل بابنته. سألها عن الأولاد، وعن المدرسة، وعن الطقس، وعن أشياء لا تحتاج إلى كل تلك الأسئلة. وحين قالت إنها مشغولة وستتصل به لاحقًا، أجابها بهدوء:
ـ لا بأس يا ابنتي، أنا فقط أردت الاطمئنان عليكم.
وضع الهاتف على الطاولة، وبقي ينظر إليه.
كان يستطيع أن يقول لها إنه اشتاق إليها، وإن البيت صار واسعًا أكثر مما ينبغي، وإنه لم يعد يعرف ماذا يفعل بكل هذا الوقت الذي حلم يومًا أن يمتلكه.
لكنه لم يقل شيئًا.
في المساء، ارتدى قميصًا أنيقًا، وصفّف شعره القليل، وخرج إلى المقهى. جلس مع رجال من عمره، تبادلوا النكات، واستعادوا حكايات الشباب. تحدثوا عن أبنائهم الذين كبروا، وأجسادهم التي بدأت تخذلهم، وأصدقاء صاروا أسماء على شواهد القبور.
قال أحدهم ضاحكًا:
ـ نحن الجيل الذهبي يا جماعة!
ردّ آخر:
ـ نعم، لكن يبدو أنهم وضعونا في الخزائن ونسيوا المفتاح.
انفجروا بالضحك.
ضحك الرجل معهم، حتى دمعت عيناه. لم يعرف إن كانت دموعه من شدة الضحك أم من شيء آخر، ولم يسأل.
عاد إلى البيت متأخرًا قليلًا. أشعل المصباح، وخلع حذاءه، وجلس على حافة السرير.
فكّر في السنوات التي عمل فيها كي لا يحتاج أبناؤه إلى أحد. نجح في ذلك. صار لكل واحد منهم بيته وعمله وأسرته. كان فخورًا بهم، لكنه لم يتوقع أن ينجح إلى هذا الحد في جعلهم قادرين على العيش من دونه.
نظر إلى صور العائلة المعلّقة على الجدار. في إحداها، كان يحمل حفيدته الصغيرة بين ذراعيه. كانت تضحك، وكان هو يضحك معها، كأن العمر لم يترك فيه شيئًا قابلًا للكسر.
مدّ يده إلى الصورة، ومسح عنها غبارًا خفيفًا.
ثم قال:
ـ كبرنا يا صغيرة.
لم يجبه أحد.
أطفأ التلفاز، لكنه لم يطفئ المصباح. كان يخشى أن يترك الغرفة للصمت وحده.
وقبل أن ينام، رنّ هاتفه.
كانت حفيدته.
ـ جدي، ماذا تفعل؟
اعتدل في جلسته، ونظر حوله كأن أحدًا دخل الغرفة فجأة.
ـ لا شيء يا حبيبتي، كنت أشاهد التلفاز.
ـ هل أحكي لك ماذا حدث معي اليوم؟
ـ طبعًا، احكي.
وبدأت تحكي. عن صديقتها، وعن المعلمة، وعن قطة رأتها في الطريق، وعن أشياء صغيرة لا تستحق، في نظر الكبار، أن تُروى.
لكنه أصغى إليها كما لو أنها تقرأ عليه أخبار العالم.
وحين انتهت، قالت:
ـ جدي، لماذا تتكلم بصوت مرتفع دائمًا؟
سكت قليلًا، ثم ابتسم.
ـ حتى يسمعني العالم يا حبيبتي.
ضحكت وقالت:
ـ لكنني أسمعك.
أغمض عينيه لحظة.
لأول مرة منذ زمن، لم يجد حاجة إلى تشغيل التلفاز، أو تحريك الكراسي، أو اختراع سؤال لا يحتاج إلى إجابة.
قال لها:
ـ أعرف يا حبيبتي، أعرف.
وبعد أن أنهت المكالمة، ظلّ الهاتف في يده، وابتسامته على وجهه.
كان الصمت لا يزال في الغرفة، لكنه بدا هذه المرة أقلّ اتساعًا.
في الصباح التالي، سيستيقظ الرجل من الجيل الذهبي، وسيحضّر قهوته، ويفتح النافذة، وربما سيرفع صوته من جديد.
فمكالمة واحدة لا تهزم الوحدة، لكنها قد تمنحها إجازة قصيرة.
أما هو، فلم يكن يريد من العالم أن يعيده إلى شبابه، ولا أن يصفّق لما أنجزه، ولا أن يعلّق ميدالية ذهبية على صدره.
كان يريد فقط أن يتذكّر أحدهم، من حين إلى آخر، أن وراء ذلك اللقب اللامع رجلًا ما زال هنا.
رجلًا لم ينتهِ عمره بعد، وإن انتهت حاجات الآخرين إليه.
فهو لم يكن يخشى أن يشيخ؛ كان يخشى أن يصبح غيابه عاديًّا، وهو ما يزال حاضرًا.
البروة/ جديدة المكر


