أعطني فنًّاً أعطِك شعبًا (42)
حسن عبادي
تاريخ النشر: 19/10/26 | 14:01
دعاني الفنان إيليا بعيني لحضور افتتاح معرضه الفني “بين اللون والذاكرة والواقع” مساء الثلاثاء 13.10.2026 في جاليري مركز كيميديا للثقافة والفنون/ حيفا (تأسس مركز كيميديا بمبادرة فنان الحروفيّة الحيفاوي كميل ضو، ليكون بيتاً للفن والثقافة والخط العربي. ومساحة مفتوحة للإبداع والحوار والتبادل الثقافي) ولكن تعذّرت مشاركتي بسبب التزام سابق لتصوير حلقة من “قدس بودكاست” مع الصحفي سامر خويرة في نابلس.
الفنان إيليا بعيني من مؤسسي جمعية إبداع (رابطة الفنّانين التشكيليّين العرب، جمعيّة غير ربحيّة، تأسّست نتيجة الظروف الخاصّة في الوسط العربيّ في البلاد، وتجاوبًا مع الحاجة لتأطير الفنّانين ضمن إطار واحد كون الموضوع رافدًا من روافد المجتمع العربيّ الحضاريّ، ومقرّها كفر ياسيف الجليليّة)، صاحب أستوديو ومرسم حفر على الزنك في كفر ياسيف، شارك في العديد من المعارض الفرديّة والجماعية، وله العديد من الأعمال والتماثيل الفنية المعروضة بشكل ثابت.
تواصلت مع الفنان كميل ضو واستقبلني في المعرض، قمت بجولة فنيّة فرديّة بين لوحات المعرض الفاتنة.
استخدم إيليا ألوان الأكريليك على القماش، وفي بعض اللوحات استعمل الأكريليك بتقنيّة مختلطة، وظهر طابع النحت والحفر على الزنك في خلفيّة غالبية الرسومات ويبدو أنّ أثرها بنيويّ راسخ في خلفيّته الباطنيّة، فوجدت خلفيّتها ثلاثية الأبعاد ممّا أضاف بعداً للعمل الفني بعيداً عن الرسومات السطحيّة التصويريّة المباشرة، فحين نتمعن بلوحاته نشاهد العمق والبعد الباطني والماورائي الآخر، فوجدتها مختلفة، ليست مجرّد ألوان على قماش بل تحمل عمقاً، ثلاثيّة الأبعاد، منحوتة بإزميل نحّات متمرّس محترف لديه مقولة عميقة يحاول تمريرها عبر ريشته.
استعمل إيليا لعبة الألوان وطوّعها لإيصال رسالته؛ اللون الأزرق (الذي طغى على غالبية اللوحات، وجاء متحرّكاً ديناميكياً) والأحمر (جاء جذّاباً وتحذيرياً يثير التوتّر ويبعث الحياة) والأصفر والبرتقالي (يُدخل الهدوء والطمأنينة)، والأخضر (يسرح بنا إلى الطبيعة وفضاء الحريّة)، وتأخذنا الألوان إلى صيرورة الرسم، وكأننا نشاهد إيليا حاملاً فراشته ويرسم.
استنطق إيليّا بريشته لوحاته بحرفيّة، وأخذ بأيدينا لنتجوّل مع ريشته بين اللون والذاكرة والواقع؛
برز حضور الهويّة القوميّة، الثقافيّة والدينيّة المسيحيّة في رسوماته، ليتحاور الإنسان والمكان حول أسئلة وجوديّة عابرة للحدود والإيمان عابقة بالأمل من ذاكرة بقت عالقة في المكان، ذاكرة لا تموت رغم الواقع المرير.
لفتت انتباهي لوحات تحمل الموتيف الديني المسيحي المتسامح؛ لوحة “الصليب الذي لا يُرى”، لوحة طريق الصليب” (تحمل رموزاً دينيّة وروحيّة وثقافيّة متداخلة وعميقة، والصيب يشكّل بوصلة للطريق ودرب الآلام والأمل، بعيداً عن دلالاته الدينيّة)، لوحة “تيار من السماء”، ولوحة “الهام إلهي”؛ تمعّنت بها جليّاً فوجدت البُعد الروحي وفضاء بلا حدود.
مزج إيليا بين واقعنا المرير من خلال لوحة “جدار” (الجدار الفاصل/ العنصري/ الأبرتهايدي/ الذي يفرّق بين الناس، يحمي ويفصل ويُبعد، ويثير التساؤل: ماذا يوجد خلفه من الجهة الأخرى؟) والخيال والأمل عبر لوحة “حصان يركض”.
يبعدنا إيليا عن اليأس الذي وصل إليه غالبيتا المتمثّل بلوحة “خط أحمر” لنجد طريقنا، حسب رؤيته، بلوحة “حوار” (الأعراف بوجود الآخر، صاحب وجهة نظر أخرى ومغايرة) وكأني به يقول: هيّا بنا نخلق علاقة دون محو الاختلاف.
تمعّنت جلياً في لوحة “صورتي الشخصيّة” ووجدتها تمثل سؤال الهويّة الذي يلاحق كلّ منا، تُبرز التناقضات بين الظاهر والمخفي، و”تفضح” التأمل الذاتي، وكأني به يصرخ بها بصريح ريشته “أنا أفكّر، فأنا موجود”.
تصوّر لوحات المعرض الواقع الذي نعيشه برمزية مهضومة، من خلال الصورة والرمز (الجدار، النافذة، الخط، الصليب، الحصان، اللون، الحوار والبورتريه)، الألم والأمل وما بينهما.
ويبقى الحصان يركض بنا نحو فضاء الحريّة المشتهاة.
وجدته معرضا مختلفا؛ يدعونا إلى التوقّف والتريّث والتفكير بحياة أفضل.
رافق المعرض مطويّة (كتالوج) مهنيّة وفخمة، بالعربيّة والعبريّة، وحبّذا يحذو فنّانونا حذوه، فهذا قيمة مضافة لا تُعوّض بثمن.
كتب فادي ضو/ كانز المعرض:
“أن ينظر إلى الوجه
أن يتطلع إلى ما وراء الجدار
أن يتعرّف إلى الخط.
أن يشعر باللون
أن يصغي إلى الحوار
وأن يترك مساحة مفتوحة لما لم يُعرف بعد.
بين الإطار وما يتجاوزه، بين الواقع والذاكرة، بين الإنسان والعالم، يوجد رسم إيليّا.
وهذا الرسم لا يغلق الواقع داخل القماش؛ بل يفتح نافذة”.
ملاحظة لا بدّ منها؛ حبّذا لو عنوَنت لوحاتك يا ايليا.
أبدعت صديقي.
نعم؛ أقولها مرّة أخرى: “أعطني فنًّا أعطِك شعباً”!!








