الدروز والانتخابات ومجزرة باكو والـ %50 المقاطعون وقفات على المفارق

سعيد نفّاع

تاريخ النشر: 19/10/26 | 8:12

** الوقفة الأولى.. ومدخل.
الدروز في البلاد يشكّلون %1.3 من عدد السكّان الكليّ وَ %7 من الأقليّة العربيّة، ولكّن “ضجيجهم” الانتخابيّ وسباق شبابهم للترشّح “كيف ما كان يكون”، يجعل المرء للوهلة الأولى يحسب وكأنّ قيام إسرائيل وزوالها متعلّق بهم!
حوالي %50 منهم يقاطعون الانتخابات في العقدين الأخيرين ونيّف.. وأولئك بالذات هم من يجب أن يكونوا جمهور الهدف للقوى الوطنيّة، وواجبهم هم الخروج والتصويت للأحزاب العربيّة، وعلى الأقلّ من باب الاحتجاج، وإن كنت على المستوى الشخصيّ أفضّل المشتركة؟
دخلت على الخط (وَ “كأنّ اللي فيهم مش مكفّيهم”) هرطقات لبنانيّة وجبليّة وصهيونيّة ودرزيّة إسرائيليّة، تعمل على حشر مأساة جبل العرب في مزبلة الانتخابات الإسرائيليّة. يمكن أن يقول المرء الكثير في هذا الدرك الأسفل، ولكن لعلّ الردّ الأمثل على هؤلاء هو أنّ: شسع نعل الطفلة حلا خطيب الوحيدة من عائلتها التي نجت من مجزرة “باكو – نعم باكو 12 تمّوز 2025″، أعلى من رأس كلّ من يضع المأساة في السويداء على أجندته الانتخابيّة!
وعلّ الاستعراضَ الآتي قولُ فصل لمن يودّ أن يستزيد!
** الوقفة الثانية.. والوزن الانتخابي الدرزيّ.
كلّ الدروز في البلاد “من الكبير للّي مقمَّط في السرير” اليوم: 129 ألف نسمة. ونسبة أصحاب حقّ الاقتراع في المجتمعات البشريّة هو %63 يعني عند الدروز 81,200 صوت. نسبة الحسم في الانتخابات الحالية ستتراوح بين 140 لـ 195 ألف صوت (يتعلّق بنسبة التصويت)، يعني حتّى لو صوّت %100 من الدروز معًا لن يعبروا نسبة الحسم.
وللذكرى والتذكير: تناولت الانتخابات بين الدروز، آخر مرّة، بدراسة حول انتخابات الـ 2019. وتقول الأرقام مقرّبة للمِئة: كان عدد الدروز الكلي في البلاد 115,900 نسمة (ستجدون في الأدبيّات الإسرائيليّة أرقاما أكبر وذلك لاشتمالها على قرى الجولان المحتل وغالبيّتهم العظمى لا تحمل الجنسيّة الإسرائيليّة ولذا لا يملكون حقّ الاقتراع). شارك من أصحاب حق الاقتراع من الدروز في البلاد في هذه الانتخابات فقط: 37,500 مقترع. نسبة لم تتعدّ الـ %55 وللمثال؛ كسرى وكفر سميع %32، وساجور %41، بيت جن %52.5، أما أعلى نسبة فكانت في الدالية %62.
** الوقفة الثالثة.. والتمثيل الدرزي تاريخيّا – سياسيّا.
من نافل القول أنّ “حشر” مرشّحين دروز على لوائح الأحزاب الصهيونيّة بمعزل عن قوّتهم الانتخابيّة، كان ومازال حلقة إضافيّة من حلقات فصل الدروز سياسيّا عن فضائهم العربيّ.
بدءًا من الكنيست الثانية 1951 وحتّى نهاية السبعينيّات تداول على عضويّة الكنيست ثلاثة أعضاء دروز ضمن القائمتين العربيّتين اللتين كان يشكّلهما حزب العمل “ذيْلين” للمّ أصوات العرب وتنفيذ سياسته تجاههم وكانت التشكيلة: “مسلم، مسيحي، درزي”.
دخل حزب الليكود أوائل السبعينيّات على الساحة وصار يضع في تشكيلة قائمته درزيّا. وحتّى نهاية الألفيّة الثانية كان الحزبان الكبيران المتنافسان؛ التكتّل والعمل “يزيّن” كلّ منهما قائمته بدرزيّ فـ “يسحبان” أصوات الدروز الذين كانوا يصوّتون بنسب عالية تفوق النسبة العامّة في البلاد، بغضّ النظر عن وزنهم الإلكتورالي العام.
الحزب الشيوعيّ – والجبهة لاحقًا – لم يتركا الساحة الدرزيّة ونشطا فيها بمرشّحين دروز وبدون ذلك وإن بقي “حصادهما” محدودّا. وفي أواخر التسعينيّات دخل حزب التجمّع الساحة وحتّى الـ 2009 ضمّت قائمته مرشّحا درزيّا!
** الوقفة الرابعة.. وكيف تطوّر شكل التصويت وَ “حتّى أنت يا بروتس؟!”
في انتخابات عام 1969 وحين ظهرت في الصناديق في القرى الدرزيّة بشكل مفاجئ وعلى غير عادة مئات الأصوات للحزب الشيوعي، خرجت صحيفة يديعوت أحرونوت بعنوان: “حتّى أنت يا بروتس!”. كان جاء شكل التصويت هذا احتجاجًا على مصادرة غالبيّة أراضي الدروز والتمييز اللاحق بقراهم رغم “الزواج العرفي” الذي كانت عقدته الدولة مع بعض قياداتهم وكان المهر: “التجنيد الإجباري”. في بيت جن، للمثال، كان الحزب الشيوعي حصل في الانتخابات التي سبقت على (5) أصوات وإذ به يحصل في انتخابات الـ 69 على (153) صوتًا، هذه البلدة كان صودر من أراضيها الأجود وقرابة الـ %70 وكانت حتّى هذه السنة وبعدها بسنتين دون شبكة كهرباء حتّى!
صارت نسبة التصويت بين الدروز بعد هذه السنوات تتراجع تدريجيّا، ويرتفع عدد المصوّتين للأحزاب العربيّة، وللمثال؛ انتخابات 2006: نسب التصويت كانت: بيت جن (درزيّة): 73% (وجود مرشّحين من أبناء البلد)، البقيعة (مختلطة): 76%، ساجور (درزيّة): 63%، جولس (درزيّة): 65%، الدالية (%95 درزيّة) 47%، المغار (مختلطة 40% دروز) 46%. تراوح ما حصلت عليه الأحزاب العربيّة في هذه الانتخابات بين %12- %25 من الأصوات في القرى المختلفة، علمًا أنّه كان على لوائحها مرشّحون دروز.
هذه النسب تدنّت في انتخابات الكنيست الـ 18 رغم أنّ الأحزاب الصهيونيّة حاولت التقاط أنفاسها وإعادة العرب الدروز إلى الحظيرة، فعملت هذه المؤسسة على وضع أربعة مرشحين على لوائح الأحزاب الصهيونيّة في أماكن مضمونة أو قريبة، ولكن كل هذا لم يستطع أن يغيّر من: “نسبة المقاطعة” لا بل فإن النسبة ازدادت؛ ففي المغار بلغت النسبة 34% فقط وبالذات بين الدروز، وفي الدالية وعسفيا 44% وفي الكثير من المجمعات الأخرى (عدا القلّة ك- بيت جن ويركا وحرفيش) لم تتعد ال-51%. وبالمجمل كان عدد المصوتين الدروز الكلّي في هذه الانتخابات: 65,540 صاحب حقّ اقتراع، اقترع منهم فقط 33,620 مصوت %51.
** الوقفة الخامسة… مع بداية تحوّل إلى تحوّل!
هذه المعطيات كانت جديرة بدراسة موضوعية لدى القوى الوطنية بعيدًا عن “العوم على شبر ماء” انطلاقًا من أسبابها، وضرورة وإمكانية التعامل معها لتحويلها من مؤشر على بداية تحول الى تحول، وهذا لم يتمّ لشديد الأسف. علمًا أنّ نسبة التصويت في الوسط العربي الدرزي كانت عادة من الأعلى في البلاد والناتجة عن التصويت الشخصي؛ فالعرب الدروز الذين صوتوا للأحزاب الصهيونية لم يصوتوا لبرامجها وإنّما انطلت عليهم مؤامرة التصويت لمرشحين دروز في هذه الاحزاب الأمر الاساس الذي رفع نسبة التصويت بينهم، لكنّ حتّى هذا لم يشفع وتدّنت نسبتهم إلى %45 في الدورات المتأخرة رغم وجود مرشّحين دروز على لوائحها.
هذا الامتناع الكبير عن التصويت، والذي ما زال مستمرّا، مردّه؛ أنّ العرب الدروز ملّوا من تلك الأحزاب وملّوا من زُلمِها؛ مرشحيها بينهم. ملّوها بسبب كذبها المنعكس في الوضع المزري الذي آلت اليه اوضاعهم في شتى المجالات الحياتية، حتى صاروا يصنَّفون في أسفل درجات السلم الـ “سوتسيو- إكونومي” لشرائح المجتمع الإسرائيلي؛ ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا. ضفّ إلى ذلك أزمة السكن الخانقة وأوامر الهدم القائمة على 2162 بيتًا بقانون كامِنِتْس، عداك عن قانون القوميّة الذي لطمهم وقيادتهم لطمة أطارت الصواب!
** الوقفة الأخيرة.. وخلاصة القول.
هذا الواقع لم يحظ للاهتمام الذي يستأهل على يد الأحزاب العربيّة ولا القوى العربيّة الدرزيّة الفاعلة فيها رغم طرحه مرّات ومرّات، ومن نافل القول أنّ الأيّام القليلة المتبقيّة لموعد الانتخابات ليست كفيلة بإصلاح ما فات. ولكن عليها فيما تبقّى (وعينيّا الناشطين الدروز في صفوفها) أن يتوجّهوا للـ %45 الممتنعين \ المقاطعين، للخروج والاقتراع للأحزاب العربيّة وإن كنت أنا أفضّل المشتركة، هذا هو الطريق وليس القعود في البيوت، وعلى الأقلّ من باب الاحتجاج.
فهل ستشهد انتخابات الـ 26 تغيّرًا؟! لا أعتقد وإنّ غدًا لناظره قريب!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة