الرهاب الاجتماعي.. المعركة النفسية التي لا يراها أحد

خالد رغدان - أخصائي نفسي

تاريخ النشر: 16/10/26 | 10:06

ليس كل من يبتسم أمام الناس يشعر بالراحة بينهم وليس كل من يختار الصمت يفتقر إلى ما يقوله وليس كل من يعتذر عن حضور المناسبات يكره الآخرين أو يتكبر عليهم، فبعض الناس يخوضون معارك نفسية لا يراها أحد؛ معارك تبدأ قبل أن يفتحوا بابا، أو يدخلوا قاعة، أو يجيبوا عن سؤال بسيط قد يقضون ساعات في التفكير في لقاء لم يحدث بعد ويتخيّلون كيف سينظر إليهم الآخرون وكيف سيحكمون على كلماتهم وهل سيلاحظون ارتباكهم أو ارتعاش أيديهم أو احمرار وجوههم.

إنهم لا يخافون الناس بالضرورة، بل يخافون ما قد يعتقده الناس عنهم وهنا تبدأ الحكاية التي نطلق عليها اسم الرهاب الاجتماعي، ما الرهاب الاجتماعي؟ ولماذا لا يمكن اختزاله في الخجل؟ الرهاب الاجتماعي، أو اضطراب القلق الاجتماعي، حالة نفسية تتمثل في خوف شديد ومستمر من المواقف التي يشعر فيها الإنسان بأنه تحت أنظار الآخرين أو عرضة لتقييمهم أو انتقادهم.

وقد يظهر هذا الخوف عند التحدث أمام الجمهور، أو المشاركة في الاجتماعات، أو مقابلة أشخاص جدد، أو تناول الطعام أمام الآخرين، أو حتى إجراء مكالمة هاتفية ومن الضروري التمييز بين الخجل الطبيعي والرهاب الاجتماعي. فالخجل شعور إنساني مألوف قد يظهر في المواقف الجديدة، ثم يتراجع تدريجيًا مع الألفة والتجربة.

أما الرهاب الاجتماعي، فقد يكون أكثر شدة واستمرارا ويؤدي إلى تجنّب المواقف اليومية ويؤثر في الدراسة والعمل والعلاقات الاجتماعية وقد يحرم الإنسان من فرص كان قادرا على الاستفادة منها لولا خوفه، ليس المعيار هو مدى حب الإنسان للاختلاط بالآخرين، بل مقدار الخوف الذي يشعر به، ومدى تأثيره في حياته والجهد النفسي الذي يبذله لمجرد القيام بأمور تبدو عادية لغيره.

ماذا يحدث داخل الإنسان المصاب بالرهاب الاجتماعي؟

تخيل شخصا طُلب منه تقديم كلمة قصيرة أمام زملائه، قد يبدو الموقف بسيطا، لكنه يبدأ في التفكير: ماذا لو أخطأت؟ ماذا لو ضحك أحدهم؟ ماذا لو لاحظوا ارتباكي؟ ماذا لو اعتقدوا أنني غير كفء؟ تتحول هذه الأفكار إلى استجابة جسدية؛ فيزداد نبض القلب ويتعرق وقد يرتجف صوته أو يشعر بجفاف فمه أو اضطراب معدته، ثم يلاحظ هذه الأعراض، فيخشى أن يلاحظها الآخرون أيضًا، فيزداد قلقه، وتتفاقم الأعراض.

وهكذا تتشكل دائرة مغلقة: الخوف من التقييم يؤدي إلى القلق والقلق يزيد الأعراض الجسدية والأعراض تغذي الخوف من جديد وقد لا ينتهي الأمر بانتهاء الموقف؛ إذ يبدأ الإنسان بعده في مراجعة كل كلمة قالها وكل حركة قام بها، محاولا اكتشاف الأخطاء التي ربما لاحظها الآخرون وقد يضخم هفوة صغيرة، بينما لا يتذكر الحاضرون الموقف أصلا، المؤلم أن الإنسان قد يعيش ساعات من المحاكمة الداخلية بسبب لحظات عابرة لم تحظَ باهتمام الآخرين الذي يتخيله.

لماذا نخاف من نظرات الآخرين؟

لا توجد أسباب واحدة تفسر جميع حالات الرهاب الاجتماعي، فهو غالبا نتيجة تداخل عوامل نفسية وبيولوجية وبيئية وتجارب حياتية مختلفة، قد تسهم بعض الخبرات المبكرة في تشكيل هذا الخوف، خصوصا حين ينشأ الطفل في بيئة يتعرض فيها للسخرية أو الإهانة أو النقد القاسي، أو يقارن باستمرار بغيره، أو يعاقب على أخطائه أمام الآخرين وقد يتعلم الطفل، مع تكرار هذه الخبرات، أن الظهور أمام الناس يحمل خطرا وأن الخطأ لا يعني مجرد محاولة غير ناجحة، بل قد يجلب الإذلال أو فقدان القبول.

وفي حالات أخرى، قد ترتبط بداية القلق بتجربة محرجة في المدرسة، أو موقف اجتماعي مؤلم، أو انتقال إلى بيئة جديدة، أو استعداد شخصي يجعل بعض المواقف أكثر إثارة للقلق لكن من الخطأ أن نبحث عن سبب واحد ونحمّله المسؤولية كاملة؛ فالتجارب المبكرة قد تؤثر في الإنسان، لكنها لا تحدد مصيره بصورة نهائية، كما أن الإصابة بالرهاب الاجتماعي ليست دليلا على ضعف الشخصية أو سوء التربية.

حين يصبح التجنّب راحة مؤقتة ومشكلة طويلة الأمد من أكثر ما يجعل الرهاب الاجتماعي مستمرا أن التجنّب يمنح الإنسان راحة فورية، يعتذر عن مناسبة، فيشعر بالارتياح، يتجنب الحديث في اجتماع، فينخفض قلقه، يرفض فرصة عمل تتطلب مقابلات، فيتخلص مؤقتا من الخوف، لكن العقل قد يتعلم من هذا السلوك رسالة غير دقيقة: «لقد نجوت لأنني تجنبت الموقف وليس لأنني كنت قادرا على التعامل معه».

ومع مرور الوقت، قد تتسع دائرة التجنّب؛ فيبدأ الأمر برفض الحديث أمام مجموعة، ثم يتطور إلى تجنب الغرباء وبعدها إلى الانسحاب من مناسبات عائلية أو فرص مهنية مهمة وقد يدفع ذلك الإنسان إلى الاعتقاد بأنه عاجز عن التواصل، بينما تكون المشكلة الحقيقية أن الخوف لم يمنحه فرصة كافية لاكتساب الخبرة وتصحيح توقعاته وهنا ينبغي التأكيد على أن التجنّب ليس عيبًا أخلاقيًا، بل سلوك قد يلجأ إليه الإنسان لتخفيف معاناته، غير أن فهم وظيفة هذا السلوك يساعده على تغييره بطريقة تدريجية وآمنة.

الرهاب الاجتماعي في مجتمعاتنا العربية

تزداد معاناة بعض المصابين عندما يعيشون في بيئات لا تمنح المشاعر النفسية مساحة كافية للفهم والتعبير، فقد يوصف الشخص بأنه ضعيف، أو مغرور، أو معقد، أو قليل الثقة بنفسه وقد يطالب ببساطة بأن يكون أكثر جرأة أو أن يتوقف عن التفكير، لكن مطالبة الإنسان بالتوقف عن الخوف لا تعلّمه كيف يتعامل معه، كما أن إحراجه أمام الآخرين قد يزيد المشكلة بدلا من حلها.

وقد يُساء فهم الطالب الذي لا يشارك في الصف، أو الموظف الذي يتردد في عرض أفكاره، أو الشاب الذي ينسحب من المناسبات وربما يمتلك هؤلاء المعرفة والقدرات والمهارات، لكن القلق يعوق قدرتهم على إظهارها، إن الوعي بالصحة النفسية يبدأ عندما نتوقف عن تفسير كل سلوك من الخارج ونحاول فهم التجربة التي يعيشها الإنسان من الداخل فليس كل صامت متكبرا وليس كل متردد عاجزا وليس كل من ينسحب رافضا للآخرين، أحيانا يكون الإنسان راغبا في الاقتراب، لكنه لا يعرف كيف يفعل ذلك دون أن يشعر بأنه مهدد.

هل يمكن التغلب على الرهاب الاجتماعي؟

نعم، توجد علاجات نفسية فعّالة للرهاب الاجتماعي ويستطيع كثير من الأشخاص تحقيق تحسن ملحوظ واستعادة قدرتهم على المشاركة في الحياة الاجتماعية والمهنية ومن أبرز الأساليب العلاجية العلاج المعرفي السلوكي، الذي يساعد الشخص على فهم العلاقة بين أفكاره ومشاعره وسلوكه واكتشاف التوقعات السلبية والمبالغات التي تزيد خوفه، ثم اختبار هذه الأفكار بصورة واقعية وتدريجية.

فبدلا من التعامل مع فكرة «إذا أخطأت فسوف يسخر الجميع مني» باعتبارها حقيقة مؤكدة، يتعلم الشخص أن ينظر إليها بوصفها احتمالا يحتاج إلى الفحص وأن الخطأ البشري لا يعني بالضرورة الرفض أو الإهانة ويشمل العلاج، عند ملاءمته للحالة، التعرّض التدريجي للمواقف المخيفة؛ أي مواجهة هذه المواقف وفق خطة مدروسة، بدءا من المواقف الأقل إثارة للقلق، ثم التقدم تدريجيا نحو المواقف الأصعب.

قد يبدأ الشخص بإلقاء التحية على شخص لا يعرفه جيدا، ثم المشاركة بتعليق قصير في مجموعة صغيرة، ثم التعبير عن رأيه في اجتماع والهدف ليس إجبار الإنسان على اقتحام المواقف بصورة مفاجئة، بل مساعدته على اكتساب خبرة جديدة تثبت له أنه يستطيع تحمل القلق والتعامل معه ومن المهم كذلك العمل على تقليل سلوكيات الأمان المفرطة، مثل إعداد كل جملة مسبقا، أو مراقبة تعابير الوجه باستمرار، أو تجنب النظر إلى الآخرين خوفا من تقييمهم. فهذه السلوكيات قد تمنحه شعورا مؤقتا بالحماية، لكنها أحيانا تمنعه من اكتشاف قدرته الحقيقية على التفاعل بصورة طبيعية.

وفي بعض الحالات، قد يوصي الطبيب المختص بالعلاج الدوائي، خصوصا عندما يكون القلق شديدا أو مؤثرا بوضوح في الحياة اليومية ويعتمد اختيار الدواء على تقييم فردي، مع متابعة الفوائد والآثار الجانبية ولا ينبغي بدء الأدوية أو إيقافها دون استشارة مختص مؤهل، أما تمارين التنفس والاسترخاء والنوم المنتظم والنشاط البدني وتقليل الإفراط في تناول الكافيين، فقد تساعد في إدارة القلق، لكنها لا تغني وحدها عن العلاج المتخصص عندما يكون الاضطراب شديدا أو مستمرا.

كيف نساعد شخصا يعاني من الرهاب الاجتماعي؟

تبدأ المساعدة بالإنصات دون سخرية أو تقليل من المعاناة. فعبارات مثل «أنت تبالغ» أو «لا يوجد ما يستدعي الخوف» قد تجعله يشعر بأنه غير مفهوم، حتى لو قيلت بنية التشجيع ومن الأفضل أن نقول له: «أفهم أن الموقف يسبب لك قلقا ويمكننا التفكير معا في طريقة تساعدك على التعامل معه» كما ينبغي تجنب دفعه إلى مواقف شديدة الصعوبة بصورة مفاجئة بهدف كسر خوفه، لأن التجربة المرهقة قد تزيد قلقه والأفضل تشجيعه على خطوات تدريجية يشارك في اختيارها، مع احترام قدرته الحالية دون تكريس التجنّب إلى أجل غير محدد.

أما الأسرة والمدرسة ومكان العمل، فيمكنها أن تسهم في خلق بيئة تحترم الاختلافات الفردية، وتقلل الإحراج العلني وتشجع المشاركة دون أن تجعل الخطأ سببا للسخرية وإذا بدأ الخوف يحد من العلاقات أو الدراسة أو العمل، أو دفع الشخص إلى الانعزال المستمر، فمن المهم تشجيعه على طلب المساعدة من أخصائي نفسي مؤهل أو مختص بالصحة النفسية.

رسالة إلى من يعيش خلف خوفه

إذا كنت تعاني من الرهاب الاجتماعي، فتذكر أن خوفك لا يختصر شخصيتك، وأن ارتباكك أمام الآخرين لا يلغي قدراتك وأن عدم قدرتك اليوم على القيام بأمر معين لا تعني أنك ستظل عاجزا عنه إلى الأبد، ليس مطلوبا منك أن تصبح أكثر الأشخاص جرأة ولا أن تتحدث في كل مجلس ولا أن تنال إعجاب الجميع، المطلوب أن تستعيد حريتك في الاختيار؛ أن تتحدث عندما تريد وتصمت عندما تختار الصمت وتشارك في الحياة دون أن يكون الخوف هو من يتخذ قراراتك نيابة عنك.

ولا تجعل رحلة التغيير امتحانا جديدا تثبت فيه أنك قوي بما يكفي، يكفي أن تبدأ بخطوة صغيرة، وأن تسمح لنفسك بالتعلم وأن تتعامل مع تعثرك بوصفه جزءا من الرحلة، لا دليلا على الفشل فالتعافي لا يعني بالضرورة اختفاء القلق تمامًا، بل قد يبدأ عندما تتعلم أن القلق شعور يمكن احتماله وليس أمرا يجب أن تطيعه في كل مرة.

وأخيرا، ربما لا تكون المشكلة دائمًا في نظرات الناس، بل في المعنى الذي تعلمنا أن نمنحه لتلك النظرات وحين نبدأ في مراجعة هذا المعنى ونمنح أنفسنا حق الخطأ والتعلم، قد نكتشف أن العالم الذي كنا نخشى مواجهته أوسع بكثير من الصورة التي رسمها لنا خوفنا، إن الإنسان لا يحتاج إلى أن يكون خاليا من الخوف حتى يعيش، بل يحتاج أحيانا إلى أن يتعلم كيف يمضي في حياته، حتى عندما يشعر بالخوف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة