لماذا تموت الأمم عندما يتوقف الإنسان عن التفكير؟
زكريا نمر (كاتب وباحث من السودان)
تاريخ النشر: 15/10/26 | 17:40
ليست أزمة العالم اليوم نقصا في المعلومات، بل نقصا في الحكمة. فالإنسان المعاصر يعيش وسط انفجار معرفي غير مسبوق؛ ملايين الكتب، ومليارات الصفحات الإلكترونية، وآلاف الجامعات، وأدوات ذكاء اصطناعي تستطيع الإجابة عن معظم الأسئلة في ثوان معدودة. ومع ذلك، تتزايد الحروب، وتنتشر الكراهية، وتتسع الفجوة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وتضعف القدرة على الحوار، ويصبح الرأي بديلا عن الحقيقة، والشائعة أقوى من البرهان. تفرض سؤالا فلسفيا عميقا: كيف يمكن لعالم يملك كل هذه المعرفة أن يغرق في هذا القدر من الجهل؟
الإجابة تكمن في الفرق بين امتلاك المعلومات وامتلاك العقل الناقد. فالمعلومات يمكن جمعها وحفظها، أما التفكير فهو مهارة تحتاج إلى تدريب طويل. ولهذا فإن المجتمعات التي تكتفي بتكديس المعلومات داخل عقول أبنائها، دون أن تعلمهم كيف يحللونها وينقدونها، لا تنتج علماء بقدر ما تنتج حافظين، ولا تبني حضارة بقدر ما تبني مخازن بشرية للمعلومات. تبدأ أهمية الفلسفة.الفلسفة ليست مادة جامعية مملة كما يتصور البعض، وليست ترفا فكريا يمارسه الأكاديميون في قاعات مغلقة، وليست مجموعة من النظريات القديمة التي انتهى زمنها، وإنما هي الطريقة التي يتعلم بها الإنسان كيف يفكر، وكيف يشك، وكيف يبحث، وكيف يميز بين الحقيقة والوهم. إنها ليست إجابات جاهزة، بل تدريب مستمر على طرح الأسئلة الصحيحة.ولهذا السبب، فإن أول ضحية في المجتمعات التي تعادي الحرية هي الفلسفة، لأن الإنسان الذي يتعلم التفكير يصبح أقل قابلية للخداع، وأكثر قدرة على مساءلة السلطة، وأشد تمسكا بالحقيقة من الشعارات.
إن السؤال الذي يجب أن يسبق أي مشروع إصلاح وطني ليس كم مدرسة بنينا؟ ولا: كم جامعة افتتحنا؟ وإنما: أي إنسان نريد أن نصنع؟ ذلك لأن التعليم ليس عملية نقل للمعلومات فقط، بل عملية تشكيل للعقل والضمير والشخصية. وكل نظام تعليمي يحمل في داخله فلسفة معينة، سواء أعلنها أم أخفاها.هناك تعليم يصنع إنسانا مستقلا، وهناك تعليم يصنع إنسانا تابعا.هناك تعليم يجعل الطالب يسأل، وهناك تعليم يعاقبه إذا سأل.هناك تعليم يعلم الطفل كيف يناقش، وهناك تعليم يطالبه بالطاعة المطلقة.وهناك تعليم يعتبر الخطأ بداية للتعلم، وتعليم يعتبر الخطأ جريمة تستحق العقاب.وهكذا، فإن الفرق الحقيقي بين الأمم لا يبدأ من الاقتصاد، بل يبدأ من الفلسفة التي تحكم مدارسها.
لقد اعتادت كثير من المجتمعات النامية أن تنظر إلى التعليم باعتباره وسيلة للحصول على وظيفة، بينما الحقيقة أن الوظيفة ليست سوى نتيجة جانبية للتعليم، أما غايته الكبرى فهي بناء الإنسان. فالدولة التي تنجح في بناء الإنسان تستطيع بعد ذلك بناء الاقتصاد والسياسة والمؤسسات والقانون، أما الدولة التي تهمل الإنسان فلن تنقذها الثروات الطبيعية مهما بلغت.وليس من قبيل الصدفة أن جميع الحضارات الكبرى بدأت بثورات فكرية قبل أن تبدأ بثورات اقتصادية. فالفكر يسبق الصناعة، والعقل يسبق المال، والتعليم يسبق التنمية.لقد أدرك فلاسفة التاريخ أن الإنسان لا يولد عالما، بل يصبح كذلك بالتربية. ولهذا كانت المدرسة أعظم اختراع عرفته البشرية، لأنها المكان الذي تتشكل فيه العقول قبل أن تتشكل الدول.لكن المشكلة أن كثيرا من المدارس تحولت إلى مصانع للشهادات، لا مصانع للعقول.
فالطالب يقضي سنوات طويلة في حفظ آلاف الصفحات، ثم ينسى معظمها بعد الامتحان، لأنه لم يتعلم كيف يستخدم المعرفة في حياته. لقد أصبح النجاح يقاس بعدد الدرجات، لا بعمق الفهم، وأصبحت الذاكرة أهم من العقل، والتلقين أهم من الحوار.إن هذا النموذج من التعليم لا يصنع باحثين، وإنما يصنع موظفين ينتظرون التعليمات. ولا يخرج مفكرين، بل يخرج أفرادا يخافون من السؤال، ويعتبرون الاختلاف خطرا، ويظنون أن الحقيقة ملك لمن يملك السلطة.و تكمن الكارثة.فالمجتمع الذي يمنع أبناءه من التفكير، لا يستطيع أن يطلب منهم الإبداع.والمجتمع الذي يحارب السؤال، لا يستطيع أن يشتكي من غياب العلماء.والمجتمع الذي يقدس الحفظ، لا ينبغي أن يتفاجأ عندما يعجز عن الابتكار.إن الإبداع لا يولد في بيئة الخوف، وإنما يولد في بيئة الحرية.ولذلك فإن أعظم ما تمنحه الفلسفة للإنسان ليس المعرفة، بل الشجاعة الفكرية؛ شجاعة الاعتراف بالخطأ، وشجاعة مراجعة القناعات، وشجاعة البحث عن الحقيقة حتى لو خالفت المألوف.
إن الفلسفة تعلم الإنسان أن العقل ليس عدوا للإيمان، ولا خصما للأخلاق، بل هو الوسيلة التي تجعل الإيمان أكثر وعيا، والأخلاق أكثر رسوخا، والإنسان أكثر مسؤولية.ولهذا فإن المجتمعات التي تحارب الفلسفة غالبا لا تحاربها لأنها بلا فائدة، بل لأنها تعلم الإنسان أن يقول: “لماذا؟” قبل أن يقول: “نعم ومنذ آلاف السنين، لم تتغير وظيفة الفلسفة. كانت وما زالت تدافع عن حق الإنسان في التفكير الحر، وفي الحوار، وفي البحث عن الحقيقة، وفي رفض أن يعيش أسيرا للخوف أو التقليد.أما التعليم الذي يخلو من الفلسفة، فإنه يتحول تدريجيا إلى آلة لإعادة إنتاج الجهل بطريقة منظمة؛ يمنح الإنسان شهادة، لكنه لا يمنحه عقلا، ويملأ ذاكرته بالمعلومات، لكنه يترك وعيه فارغا.ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ندرس الفلسفة؟ بل كيف يمكن أن نبني مجتمعا حرا إذا كنا لا نعلم أبناءنا كيف يفكرون؟



