حارس الخلود.. (قصّة قصيرة).
صباح بشير
تاريخ النشر: 14/10/26 | 16:07
أمضى “غسّان” أربعين عامًا من عمره موثّقًا في دار الأرشيف؛ يكتب بدقّة متناهية تواريخ ميلاد وإنجازات، ووفيات الشّخصيات العامّة والمنسيين، مؤمنًا أنّ تخليد حياة الآخرين هو أسمى غاية، كأنّه يحرس بوّابات الخلود للنّاس.
في إحدى الأمسيات، وبينما كان ينهي كتابة نعوةٍ لكاتبٍ مغمور، داهمته فجأة أزمة قلبيّة حادّة، فسقط قلمه من يده وبدأ يعاني ليلتقط أنفاسه الأخيرة وسط صمتٍ مطبق.
نظر حوله إلى جدران غرفته المليئة بالمجلّدات الّتي وثّق فيها حياة الغرباء؛ تصفّح بعينيه الذّابلتين تلك الأسماء المرصوفة على الرّفوف، فما وجد بينها حسًّا يخصّه، ولا اسمًا يشبهه، ولا حتّى شخصًا قريبًا يعلم أنّه يختفي الآن في هذا السّكون.
قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، برقت في عينيه شعلةٌ غريبة، كفاحٌ أخيرٌ ضدّ النّسيان. امتدّت يده الباردة بثقلٍ نحو الجيب الدّاخليّ لمعطفه، واستلّت قائمة الغرباء الّتي قضى عمره يدوّن أسماءهم، وبما تبقّى في أصابعه من رمق، قلب الورقة إلى وجهها الأبيض النّاصع، ثمّ تناول القلم المرتجف، وخطّ على حاشيتها بخطٍّ متعرّج ومتقطّع:
وأمّا غسّان، فقد عاش حافظا لأثرهم، وها هو قد صار أثرًا.
سقط القلم من يده المرتجفة، وتدحرج على الأرضية مستقرًّا بجوار كومةٍ من الصّحف القديمة، ثمّ انطفأ المصباح الخافت فوق مكتبه ببطء، ورحل دون أن يشعر به أحد.
لم يأتِ أحدٌ ليتفقّده؛ فالعالم الخارجيّ يمضي في صخبه، غير آبهٍ بأنّ الذّاكرة الّتي حفظت تواريخهم جميعا قد توقّفت عن النّبض.
ارتخى جسده وهدأت أنفاسه، وغرقت الغرفة في سكون أبديّ.



