مشاركة واسعة في “مهرجان الوفاء” الفني في كفرقرع

تاريخ النشر: 14/10/26 | 13:39

في ليلةٍ استثنائية تجاوزت حدود العرض الفني إلى رحاب الذاكرة الوطنية والوجدان, احتضنت مدينة كفرقرع مؤخرا فعاليات “مهرجان الوفاء” الذي بادرت اليه ونظمته البلدية , في حدث ثقافي مهيب حصد أصداءً واسعة، وأشعل موجات من الإعجاب والانفعال والتفاعل الجماهيري، مؤكداً أن الثقافة حين تُصاغ برؤيا إبداعية أصيلة، تصبح مساحةً جامعةً للذاكرة والهوية والانتماء، ومنبراً يليق بشعبٍ جعل من الفن صوتاً لروحه، ومن الأغنية حافظةً لحكايته، ومن الكلمة الحرة رايةً لا تنكسر. وجاء المهرجان في شقّين متكاملين، جمعا بين استحضار القامة الفنية الفلسطينية الراحلة شفيق كبها، بما يمثّله إرثه الشعبي والتراثي من حضور راسخ في الذاكرة الفلسطينية، وبين استضافة أولى وحصرية في المثلث للكونسيرت الموسيقي المتميّز “شدّوا الهمة… أنغام مارسيل”، بقيادة المايسترو مهران مرعب؛ في مبادرة ثقافية نوعية فتحت أمام الجمهور القرعاوي والقطري أفقاً فنياً رفيعاً، وأكدت أن كفر قرع قادرة على احتضان المشاريع الموسيقية الكبيرة، وصناعة أحداث تتجاوز أثرها حدود المكان، وتترك بصمتها في المشهد الثقافي الفلسطيني. وتولّت السيدة مها زحالقة مصالحة مديرة القصر الثقافي القرعاوي عرافة المهرجان، فأدارت الأمسية بإقتدار لافت، وحضور آسر، ولغة متينة حملت من الرقي بقدر ما حملت من حرارة الانتماء. وجاءت مقدمتها وكلمتها القوية لتؤسسا للمشهد برمّته، واضعتين الحضور أمام جوهر المهرجان ورسالته . أما في الشق المخصّص لروح الفنان الراحل شفيق كبها، وبحضور العائلة الكريمة للراحل، فقد تحوّل المسرح إلى مساحة وفاء مفتوحة، تتجاور فيها الدموع والأغنيات والتصفيقات، وتستعيد فيها الجماهير صوتاً لم يغب، وذاكرةً لم تخفت. غنّى الحضور لشفيق، واستعادوا ألحانه ومواويله واغانيه، في لحظات مؤثرة بدا فيها الفنان الراحل حاضراً بين الناس، لا بوصفه اسماً في سجل الراحلين، بل صوتاً متجذراً في الوجدان الشعبي، تختزن أغنياته ملامح المكان ودفء الناس وعبق التراث ملقبة إياه مديرة القصر الثقافي بالموال الفلسطيني الابدي الخالد وواصفة اغتياله بأنه جرح في رزنامة التراث الشعبي، مؤكدة ان الفيديو الذي تم بثه هو لمسيرة الوفاء التي قدمتها كفر قرع لروح ابي السائد وصولا الى مهرجان الوفاء، كما وازدانت هذه المحطة بفقرة الدبكة الشعبية التي أشعلت حماسة الجمهور، ولا سيما فقرة «كسر ربك بيسر»، المستلهمة من العبارة الشهيرة التي ارتبطت بشفيق كبها وألفها هو، والتي اختارتها مديرة قسم الثقافة عنواناً للمشهد لما تحمله من دلالات ومعانٍ، لتتحول إلى لازمة احتفالية رافقت فقرات الدبكة، وأعادت إلى الذاكرة روح الفنان وحضوره المحبوب. ولم تكن العبارة مجرد استعادة لكلمة مألوفة على ألسنة محبيه، بل جسراً وجدانياً أعاد وصل الجمهور بإرثه، في لحظة امتزج فيها الإيقاع الشعبي بالحنين، وتحوّلت فيها الدبكة إلى تحية فنية نابضة لروح شفيق كبها، كل هذا عشية ذكرى الاغتيال الذي يصادق يوم 22 من أكتوبر وذكرى الميلاد الذي يصادف يوم 24 أكتوبر أيضا وقوفا عند هذه المفارقة العظيمة للقدر.

وفي واحدة من أبرز مفاجآت المهرجان وأكثرها تميّزاً، استقبلت كفر قرع فرقة المهلاوية للفنون الشعبية والدبكة، بقيادة الفنان جمال حبيب الله، في استضافة نادرة وأولى من نوعها ضمن هذا السياق، قدّمت خلالها الفرقة عروضاً متألقة من الدبكة الفلسطينية على ألحان اغاني الفنان الراحل. وقدّمت الفرقة لوحةً تراثيةً مفعمة بالحيوية والإتقان، أعادت فيها الألحان إلى فضائها الشعبي الأصيل، وجعلت من الحركة والإيقاع والتناسق الجسدي لغةً أخرى للوفاء، فيما تفاعل الجمهور بحماسة لافتة، فغنّى وصفّق وشارك في صناعة أجواء احتفالية رائعة، كما واختتمت هذه الفقرة بالوقوف وقراءة الفاتحة لروح المغدور شفيق كبها.
ولعلّ المشهد الأكثر رسوخاً في الذاكرة، والأشدّ دلالةً على البعد الوطني والإنساني للمهرجان، كان تلك اللحظة التي دعت فيها مديرة قسم الثقافة الجمهور إلى الوقوف، وحمل أغصان الزيتون التي تم قطفها خصيصا لهذا السبق الثقافي الجديد والخلاق الذي تبادر اليه بلدية كفر قرع وقصرها الثقافي وتنفرد به عن سواها، والمشاركة في مشهدية جماعية مهيبة، ارتفعت فيها الأصوات مردّدةً قصيدة “منتصب القامة أمشي” للشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم واغصان الزيتون تزين الهامات شموخا وعزا وانتماء، في لحظات تآلفت فيها الأغصان مع الأصوات، والوجوه مع الكلمات، ليبدو المشهد أقرب إلى لوحة سريالية عظيمة، تختزل حكاية شعبٍ يصر على الحياة، ويتمسّك بأرضه وذاكرته، ويواجه محاولات المحو بمزيد من الحضور والإبداع. لم تكن أغصان الزيتون تفصيلاً بصرياً في عرض فني، بل رمزاً فلسطينياً عميق الدلالة، ولم يكن ترديد القصيدة مجرّد مشاركة غنائية، بل إعلاناً جماعياً عن الكرامة والثبات والتمسّك بالهوية. وقد ارتقت هذه المشهدية إلى مستوى اللحظات التاريخية التي تتجاوز حدود الاحتفال، لتستقر في الذاكرة باعتبارها تعبيراً مكثفاً عن الوعي الوطني حين يتجسد في الفن، وعن الثقافة حين تتحوّل إلى موقفٍ وانتماء وتجسيد عظيم لنشيد منتصب القامة امشي مرفوع الهامة امشي للشاعر سميح القاسم.
وفي الشق الموسيقي الذي حمل عنوان «شدّوا الهمة… أنغام مارسيل»، عاش الجمهور تجربة فنية مغايرة، احتفت بعالم مارسيل خليفة الموسيقي، وما يمثّله من مكانة استثنائية في الوجدان العربي والفلسطيني، ومن ارتباط وثيق بالشعر الوطني والإنساني، وبالكلمات التي صاغها كبار الشعراء، وفي مقدمتهم محمود درويش وسميح القاسم. وقد أضفت قيادة المايسترو مهران مرعب على الحفل ملامحه الفنية الخاصة، في عمل موسيقي استقطب اهتمام الجمهور، وجمع بين جمال اللحن وقوة النص وعمق الرسالة، ليكتمل بذلك المشهد الذي أراده المهرجان: وفاءٌ لفنانٍ من ذاكرة الأغنية الشعبية الفلسطينية، واحتفاءٌ بقامة موسيقية عربية جعلت من الفن مساحةً للحرية والكرامة والانتماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة