بين المقاطعة والمشاركة… أين تكمن مصلحة شعبنا؟
علي اسماعيل اسماعيل عضو بلديه كفرقرع سابقا
تاريخ النشر: 11/10/26 | 13:04
ليس كل من قاطع الانتخابات متخاذلًا، وليس كل من شارك فيها بطلًا أو خائنًا. فالمقاطعة موقف، والمشاركة موقف، ولكلٍّ قناعاته وحساباته السياسية، ومن حق الجميع التعبير عنها والدفاع عنها بالحجة والمنطق.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول القناعات الشخصية إلى أحكام على الآخرين، وحين يحتكر البعض الوطنية والنضال، ويوزّعون صكوك المواقف والمبادئ، وكأن الحقيقة حكرٌ عليهم، وكأن من يخالفهم في الوسيلة يخالفهم بالضرورة في الانتماء والقضية.
وهنا لا بد من التمييز بين الشعارات السياسية والنظرة الواقعية إلى حياة الناس. فهناك نساء وأطفال، وعمال وموظفون، وعائلات تكافح يوميًا من أجل لقمة العيش، وطلاب يبحثون عن مستقبل أفضل، وأناس يواجهون غلاء المعيشة، وأزمات السكن، والعنف، والتمييز، وضيق فرص العمل، وسائر تحديات الحياة اليومية. هؤلاء لا يعيشون في فراغ سياسي، ولا يستطيعون تعليق احتياجاتهم ومصالحهم إلى حين تحقّق الشعارات الكبرى.
نحن نتحدث عن واقع فُرض علينا، وعن منظومة سياسية وقانونية تؤثر في تفاصيل حياتنا، شئنا أم أبينا. والتعامل مع هذا الواقع لا يعني بالضرورة القبول به أو التسليم له، كما أن رفضه لا يعفينا من مسؤولية البحث عن الوسائل الممكنة لحماية الناس والدفاع عن حقوقهم وتحسين ظروف حياتهم.
إن الدفاع عن الأرض والحقوق والكرامة الوطنية لا يكون بالشعارات وحدها، ولا يُقاس بعدد من صوّتوا أو قاطعوا، بل بمدى قدرتنا على حماية مجتمعنا، وانتزاع حقوقنا، والتأثير في واقعنا، وتقليل الخسائر عن شعبنا.
نعم، المشاركة وحدها لا تكفي لتحقيق التغيير، لكن المقاطعة وحدها لا تصنع بديلًا أيضًا. فالسؤال الجوهري ليس مَن دخل الصندوق ومَن ابتعد عنه، بل ماذا حقق كلٌّ منا لشعبه؟ وما المشروع الذي يقدّمه؟ وكيف يمكن تحويل المواقف إلى قوة حقيقية تخدم الناس وتحمي مستقبلهم؟
ومن حق من يؤمن بالمقاطعة أن يدافع عن موقفه، لكن من حق الناس أيضًا أن يسألوه عن البديل العملي، وعن الأدوات التي ستواجه بها المقاطعة السياسات المفروضة عليهم، وتحمي مصالح النساء والأطفال والعمال وسائر شرائح المجتمع. فرفض الواقع موقف، لكن تغييره يحتاج إلى مشروع وأدوات وعمل متواصل.
ومن هنا، اسمحوا لنا ببعض المداعبة السياسية: إذا كانت المشاركة في الكنيست لا تنسجم مع قناعات البعض، فماذا عن لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، التي تضم في تركيبتها أعضاء كنيست إلى جانب ممثلين عن الأحزاب والهيئات المختلفة؟! أليست هذه أيضًا مساحة للعمل المشترك والتنسيق والتأثير، رغم الاختلافات السياسية؟ أم أن التعامل مع أعضاء الكنيست يصبح مقبولًا في إطار، ومرفوضًا في إطار آخر؟
لسنا هنا لننتقص من لجنة المتابعة أو من دورها، بل لنطرح سؤالًا مشروعًا حول اتساق المواقف: إذا كان المبدأ هو رفض كل إطار يضم أعضاء كنيست، فكيف نفسّر المشاركة في أطر أخرى تضمهم؟ أما إذا كانت المسألة تتعلق بطبيعة العمل وأهدافه وحدود التعاون، فالأجدر أن يكون النقاش حول النتائج والجدوى، لا حول الشعارات وحدها.
من يؤمن بالمقاطعة، فليطرح مشروعًا بديلًا قادرًا على التأثير والتغيير، ومن يؤمن بالمشاركة، فليثبت أن مشاركته وسيلة لخدمة الناس والدفاع عن مصالحهم. أما الاكتفاء بتخوين هذا أو التشكيك في نوايا ذاك، فلا يبني وطنًا، ولا يحمي أرضًا، ولا يصون كرامة.
القضية أكبر من صناديق الاقتراع، وأكبر من المقاطعة والمشاركة، وأكبر من الأشخاص والحسابات الحزبية الضيقة. إنها قضية شعب يبحث عن الأمن والكرامة والحقوق والمستقبل.
لسنا بحاجة إلى مزيد من المزايدات، بل إلى نقاش سياسي مسؤول، ورؤية واضحة، ووحدة مجتمعية تحترم الاختلاف، وتُبقي مصلحة الناس فوق كل اعتبار.
فلنختلف في الوسائل دون أن نتبادل الاتهامات، ولنحاسب المواقف بنتائجها، لا بعلوّ الأصوات ولا بقوة الشعارات.
فالوطنية ليست شهادة يمنحها أحد لأحد، والنضال ليس احتكارًا لفئة دون أخرى، والمواقف لا تُقاس بما نقوله عن أنفسنا، بل بما نقدّمه لشعبنا.
وفي النهاية، من حق كل إنسان أن يختار طريقه، لكن من واجب الجميع أن يسألوا أنفسهم بصدق: هل يخدم هذا الطريق شعبنا فعلًا؟ وهل يقودنا إلى تغيير حقيقي، أم يزيد انقسامنا ويعمّق خلافاتنا؟
مصلحة شعبنا هي البوصلة، وكرامة مجتمعنا هي الخط الأحمر، والعمل المسؤول هو المعيار ، ونقطه .



