قراءة في مسرحية “عايشين عَ المعاش” للمخرج محمد عيد: حين يتحوّل الكذب إلى بيتٍ يسكنه الجميع

سعيد العفاسي: صحافي ناقد فني

تاريخ النشر: 09/10/26 | 19:38

دور أحداث مسرحية “عايشين ع المعاش” في منزل زياد منصور بمدينة الناصرة، خلال صباح ماطر يبدو في بدايته عادياً ومستقراً، غير أن هذا الهدوء الظاهري سرعان ما ينكسر، لتتحول الشقة إلى فضاء تتوالد داخله الأكاذيب والمفارقات، ويصبح كل باب مفتوح على احتمال جديد، وكل شخصية وافدة تهديداً إضافياً للمنظومة التي بناها زياد بعناية. فالبيت، الذي يفترض أن يكون فضاء للأمان والحميمية، يتحول تدريجياً إلى مختبر للكذب، ومسرح للمطاردة، ومكان تتشابك داخله الحقيقة بالوهم. يعيش زياد مع زوجته رشا، بينما يؤجر الطابق العلوي لصديقه المقرّب رائد عيسى، الذي يستعد للزواج من ياسمين، لكن زياد يخفي عن زوجته وصديقه حقيقة ستصبح لاحقاً مركز الفعل الدرامي كله، لقد فقد عمله قبل عامين، وبدلاً من مواجهة واقعه، اختار أن يلتف عليه. بدأ الاحتيال على مؤسسة التأمين الوطني بحكاية تبدو محدودة، ثم سرعان ما أخذت الحيلة تتناسل، فأصبح زياد ينتحل شخصية “عيد أبو راس”، ويختلق حالات لمرضى وعاطلين عن العمل وأرامل وأيتام وعائلات منكوبة، ويصنع من هذه الشخصيات الوهمية ملفات ومطالبات تستجلب المساعدات والشيكات. وهنا يتحول الفعل البسيط إلى منظومة كاملة، فالكذبة لا تبقى منفردة، وإنما تحتاج إلى كذبة أخرى كي تحميها، وهذه الثانية تحتاج إلى ثالثة، إلى أن يجد زياد نفسه داخل شبكة من الشخصيات والأسماء والقصص المصطنعة، حتى يكاد يفقد السيطرة على اللعبة التي ابتكرها. وهذه إحدى أقوى المفارقات الدرامية في النص، أن الشخصية التي تظن أنها تستخدم الكذب وسيلة للنجاة، تكتشف في النهاية أن الكذب هو الذي بدأ يستخدمها.
تدخل جينيا، موظفة التأمين الوطني، إلى المنزل للتحقق من وضع “عيد أبو راس”، فتجد منظومة متشابكة من الادعاءات والملفات. يضطر زياد إلى التنكر في شخصية الرجل المريض، مدعياً إصابته بالنقرس والعجز، محاولاً إخفاء هويته الحقيقية. لكن حضور جينيا لا يعني مجرد وصول شخصية جديدة؛ إنه وصول للعين الرقابية التي تهدد بانكشاف العالم المصطنع الذي بناه زياد. الأكثر تعقيداً أن رائد عيسى يجد نفسه، رغماً عنه، داخل هذه المتاهة، يكشف له زياد حقيقة الاحتيال، ثم يبلغه بأن المؤسسة تعتقد أنه مات، بعدما أبلغها بوفاته، لتبلغ المفارقة مستوى أكثر عبثية، رائد حي في الواقع، لكنه ميت في السجلات. لقد أصبح للإنسان وجودان متناقضان؛ وجوداً مادياً يمشي ويتكلم ويحب ويخطط للزواج، ووجوداً بيروقراطياً لا يتجاوز خانة في ملف رسمي، وتتحول هذه المفارقة إلى مادة خصبة للكوميديا، لكنها في الوقت نفسه تحمل دلالة اجتماعية عميقة حول سلطة الورق والملف والوثيقة في تعريف الإنسان وتحديد وجوده. ثم تتوالى الشخصيات الحكومية والاجتماعية على المنزل، ومن بينها نجود المنجد وصبحية الياسين، إلى جانب العم غسان، فتتسع دائرة الخطر، ويصبح المنزل أشبه بفضاء مغلق لا يسمح لأحد بالخروج من اللعبة، وكلما دخلت شخصية جديدة، اضطر زياد إلى إنتاج “كذبة” رواية جديدة، وكلما اقتربت الحقيقة، ابتكر حيلة أخرى لتأجيل لحظة الانكشاف. وهنا تتولد الكوميديا من آلية دقيقة، الشخصية لا تضحك لأنها تقول نكتة، تضحك لأنها تجد نفسها مضطرة إلى التصرف في ظرف مستحيل، يصبح الباب أداة تهديد، والغرفة مخبأً، والملابس وسيلة لانتحال الهوية، والصمت أكثر بلاغة من الكلام. وتبلغ اللعبة ذروتها حين يُدفع رائد إلى التنكر في هيئة رشا منصور، مرتدياً ملابس نسائية، حتى يتمكن من توقيع إحدى الأوراق. وعندما تصل ياسمين، خطيبته، وتراه حياً بعدما أصبح ميتاً في رواية زياد، ثم تراه في هيئة امرأة، تبلغ المفارقة الكوميدية أقصى درجاتها.
غير أن الضحك لا يلغي الألم الكامن خلف هذه اللعبة، فخلف كل تلك التنكرات والحكايات المختلقة يقف رجل فقد عمله ولم يجد وسيلة لمواجهة هشاشته الاقتصادية، ولذلك فإن الكوميديا في “عايشين عَ المعاش” تنبني على مفارقة اجتماعية، الإنسان الذي يريد أن يحافظ على كرامته أمام محيطه قد يجد نفسه، تحت ضغط الحاجة، مضطراً إلى صناعة حياة بديلة، ثم يصبح أسيراً لها. وعندما تنهار المنظومة، يجد زياد نفسه أمام الحقيقة التي ظل يهرب منها. يعترف بأنه فقد عمله، وأنه هو من اخترع المطالبات والشكاوى، وأنه خدع الآخرين، لكن اعترافه الأهم أن أصعب ما فعله لم يكن الاحتيال على مؤسسة رسمية، كان الكذب على زوجته، لينتقل العرض من الكوميديا إلى لحظة إنسانية صافية، لأن الحقيقة التي كانت تبدو طوال الوقت عدواً للشخصية تصبح في النهاية طريق خلاصها. وتأتي رشا الطرف الذي يعيد الإنسان إلى مركز الحكاية. فهي لا تختزل علاقتها بزوجها في الوظيفة والمال، وإنما تنظر إليه شريكاً في الحياة، وهكذا تفتح النهاية نافذة مختلفة على الأزمة، قد يكون الفقر مؤلماً، وقد تكون البطالة قاسية، لكن الكذب هو الذي يحول الأزمة الاجتماعية إلى مأزق أخلاقي وشخصي.
لا تُقاس قيمة العرض بما يقدمه النص من حكاية فحسب، وإنما بما يستطيع الركح أن يفعله بهذه الحكاية، لقد استطاع المعد والمخرج محمد عيد أن يحول النص إلى فعل حي يتنفس بالحركة والصوت والجسد والضوء والفضاء. ولم يأتِ الأداء منفصلاً عن الإخراج، ولا الإضاءة معزولة عن الفعل، ولا الكوميديا مجرد وسيلة لإضحاك الجمهور؛ بدت العناصر مجتمعة في خدمة فكرة مركزية تستند إلى المفارقة الاجتماعية. في قلب هذا الاشتغال يأتي الممثل صانع الشخصية وحامل توترها الداخلي، فقد استطاع كل ممثل أن يقود الشخصية التي تقمصها إلى درجة عالية من التحقق الأدائي، من خلال الانضباط والمرونة والقدرة على الإنصات إلى الآخر، فالتفاعل كان فعلاً ركحياً يقوم على الإشارة والإيماءة وتغير النبرة وحركة الجسد ورد الفعل، ولم يكن مجرد تبادل للحوار، وهذه التفاصيل هي التي تمنح الكوميديا حياتها، لأن الضحك المسرحي قد يولد من نظرة أو صمت أو ارتباك يد أكثر مما يولد من نكتة مباشرة. وقد بدا الاشتغال على الشخصيات منطلقاً من الداخل نحو الخارج؛ أي من تفكيك دوافع الشخصية ومخاوفها وتناقضاتها، ثم تحويل ذلك كله إلى سلوك ركحي مسرف في السلاسة بدون تعقيدات تشخيصية، وهذه الطريقة تكتسب أهميتها في عرض تنتمي شخصياته إلى واقع اجتماعي مأزوم، إذ لا يكفي أن نعرف أن الشخصية فقيرة أو عاطلة أو محاصرة بالديون، بقدر ما ينبغي أن يظهر أثر ذلك في جسدها، وفي نبرتها، وفي علاقتها بالآخر وبالمكان.
يبرز هذا الأمر بصورة أوضح مع الفنان إبراهيم أبو شقرة، والفنان نور مغربي، والفنانة رحيق حاج يحيى سليمان، حيث وقع على عاتقهم جانب مهم من الثقل الدرامي، فالأدوار المركبة تتطلب بحثاً عميقاً وسرعة في الانتقال بين الحالات، مع الحفاظ على وحدة الشخصية وعدم السقوط في المبالغة. اضطلع الفنان إبراهيم أبو شقرة بدور محوري في قيادة الفعل المسرحي منذ اللحظة الأولى، إذ جعل من حضوره الأدائي محرّكًا لتنامي الحدث وتصاعد التوتر وتوليد المواقف، فالشخصية التي يؤديها تمثل مركزًا تتقاطع عنده خيوط الكذب، ومنها تتفرع الأفعال وردود الأفعال، بحيث تصبح كل محاولة للسيطرة على الموقف سببًا في إنتاج مأزق جديد. وقد استطاع أن يمنح هذا المسار المتصاعد طاقة أدائية تعتمد بصورة واضحة على التكامل بين الجسد والصوت. فعلى مستوى الجسد، اشتغل على طاقة حركية متبدلة تتناسب مع التحولات النفسية للشخصية. فالجسد لا يبقى في حالة واحدة؛ يتوتر حين يقترب الخطر، ويتسارع حين تضيق مساحة المناورة، ويستعيد شيئًا من الثبات حين يعتقد أن بإمكانه الإمساك بخيوط الموقف. وتتحول حركة اليد، والتفاتة الرأس، وتبدل الوقفة، واتساع المسافة أو تضييقها مع الشخصيات الأخرى إلى مؤشرات على درجة القلق والسيطرة. كما أن انتقاله السريع في الفضاء الركحي يؤدي وظيفة في هندسة المشهد، إذ يدفع الآخرين إلى الحركة والاستجابة، ويعيد توزيع بؤرة الانتباه باستمرار. ويظهر الإيقاع الجسدي بصورة أكثر وضوحًا في لحظات الارتباك؛ فكلما تشعبت الأكاذيب، ازداد توتر الجسد، وتقلصت القدرة على الحفاظ على السكون، لتصبح الحركة انعكاسًا مباشرًا للصراع الداخلي. وهنا يتجاوز الجسد وظيفته التوضيحية ليصبح حاملًا للمعنى، إذ يكشف ما تحاول الشخصية إخفاءه بالكلام. أما صوتيًا، فقد أظهر قدرة لافتة على التلوين الصوتي، من خلال التحكم في طبقات الصوت وسرعته وحدته، وربطها بدرجات الانفعال. فالصوت يرتفع حين تضيق دائرة الخطر، ويهدأ حين يحاول استعادة السيطرة، ويتسارع مع تدفق الأكاذيب، بينما تتيح لحظات التوقف والصمت مساحة لإظهار التردد والقلق. وبذلك لا يعمل الحوار بوصفه حاملًا للمعلومة فقط، وإنما يتحول الصوت نفسه إلى فعل درامي يكشف الحالة النفسية للشخصية. وتنبع قوة الأداء من التفاعل بين المسارين الصوتي والجسدي؛ فحين يتناقض ما تقوله الشخصية مع ما يفعله جسدها، تتولد المفارقة المسرحية، ويصبح المتفرج أكثر وعيًا بالفجوة بين محاولة إخفاء الحقيقة وانكشافها أدائيًا. ومن هنا اكتسبت التحولات بين الجدية والمرح والقلق صدقها التمثيلي، لأنها لم تعتمد على الانتقال المفاجئ بين نبرات جاهزة، بل نشأت من تغير الدافع الداخلي وانعكاسه على الجسد والصوت. كما انعكست هذه الطاقة على الشخصيات المحيطة به؛ فحركة أبو شقرة وصوته كانا بمثابة محفزين للفعل ورد الفعل، يستدعيان الشك أو التصديق أو الحذر أو الانقياد. وبذلك لم يكن أداؤه فرديًا معزولًا، بقدر ما أصبح جزءًا من إيقاع جماعي تتغذى فيه الشخصيات بعضها من بعض. لقد نجح إبراهيم أبو شقرة، إذن، في بناء شخصية تتشكل لحظة بلحظة تحت ضغط المأزق، وجعل من الجسد والصوت أداتين مركزيتين في تصعيده. فالجسد يكشف ارتباك الشخصية قبل أن تعترف به، والصوت يحاول باستمرار أن يستعيد السيطرة التي يفقدها الموقف، ومن هذه المسافة بين السيطرة والانهيار تتولد الطاقة الكوميدية والدرامية للعرض.
من جهتها، نجحت الفنانة رحيق حاج يحيى سليمان في إحكام قبضتها على شخصية جينيا، والإمساك بخيوطها الخارجية والداخلية ضمن بناء أدائي متماسك، جعل الشخصية تؤدي وظيفتها الدرامية بوصفها عين المؤسسة التي تراقب وتتحقق وتبحث عن الثغرة الكامنة خلف سيل الأكاذيب. ولم تتعامل رحيق مع اللكنة الروسية بوصفها إكسسوارًا صوتيًا أو علامة غرائبية تستجلب الضحك، أدخلتها في صميم البناء النفسي للشخصية، حتى غدت جزءًا من إيقاعها الكلامي وطريقة حضورها وتفاعلها مع المحيط. ويبرز التلوين الأدائي في قدرتها على ضبط الإيقاع الداخلي والخارجي لجينيا؛ فالحركة محسوبة، والإيماءة مقتصدة، والانتقال بين الوقوف والجلوس والنظر والتعامل مع الأوراق والملفات يتم ضمن اقتصاد حركي يتلاءم مع شخصية إدارية صارمة، لا تترك مجالًا للعاطفة كي تتدخل في أداء وظيفتها. هنا لا تصبح لغة الجسد مجرد وسيلة لتوضيح الشخصية، تتحول إلى علامة أدائية تكشف طبيعتها، نظرة فاحصة، وقفة مستقيمة، حركة يد دقيقة، وطريقة في إمساك الملف أو الورقة توحي بأن جينيا لا تدخل البيت بوصفها فردًا عاديًا، وإنما بوصفها امتدادًا للآلة البيروقراطية. وتكمن قوة الأداء كذلك في حفاظ رحيق على الدافع الداخلي للشخصية، حتى حين يتبدل إيقاع المشهد وتتسارع الأحداث من حولها. فهي لا تنجرّ إلى الفوضى التي يصنعها الآخرون، ولا تسمح للتحولات الخارجية بأن تخلخل منطق جينيا الداخلي؛ بل تظل ثابتة في موقعها، تراقب، تستجوب، تقارن، وتبحث عن التناقض. ومن ثمّ، فإن حضورها لا يقوم على رفع الصوت أو المبالغة في الانفعال، وإنما على الاقتصاد في التعبير، وهو اقتصاد يمنح الشخصية سلطة مضاعفة. وبهذا المعنى، نجحت رحيق في تحويل جينيا إلى شخصية تتجاوز وظيفتها الإجرائية داخل الحكاية؛ فهي تمثل العقل البيروقراطي الذي يقرأ الإنسان من خلال الملف، ويقيس حياته بالأرقام والوثائق والتقارير. ومن خلال هذا البناء، يتحول الفعل المسرحي الذي تقوم به جينيا من مجرد تفتيش إداري إلى آلية لتصعيد الصراع وكشف المستور، فتغدو كل ورقة تحملها، وكل سؤال تطرحه، وكل نظرة توجهها، جزءًا من عملية خنق تدريجي لشبكة الأكاذيب، حتى يصبح وجودها نفسه تهديدًا دراميًا متناميًا بانهيار العالم الذي شيده زياد من الوهم.
برز الفنان نور مغربي بقدرته على بناء شخصية تقوم على ثنائية البلاهة والامتثال، وهي ثنائية لم يقدمها بوصفها غباءً ساذجًا أو ملمحًا كاريكاتوريًا جاهزًا، وإنما جعل منها منطقًا داخليًا يحكم سلوك الشخصية وموقعها داخل البناء الدرامي. فالشخصية تبدو محدودة الحيلة، قليلة المبادرة، ضعيفة القدرة على اتخاذ القرار، وسريعة الانقياد لأوامر زياد منصور، حتى ليبدو كأن خيوطها موضوعة في يد الآخر، يحركها وفق مقتضيات الكذبة كلما اتسعت حلقاتها وتشعبت مسالكها. غير أن قوة أداء نور تكمن في أنه لم يجعل هذه التبعية تلغي الشخصية، منحها إيقاعًا أدائيًا خاصًا يجعلها حاضرة داخل الفعل المسرحي، لا مجرد أداة صامتة في يد زياد. فهو يبني ردود أفعاله من الداخل، ويمنح التردد والاستجابة والتصديق والامتثال درجات متفاوتة، الأمر الذي يحول البلاهة إلى عنصر فاعل في إنتاج المفارقة. وكلما ازداد اعتماد زياد عليه، بدا الأخير وكأنه يوسّع دائرة المأزق بيده، في حين يتحول نور إلى حلقة ضرورية في سلسلة الأكاذيب التي لا تكف عن إنتاج أكاذيب جديدة. وقد تألق نور في ضبط الإيقاع الكوميدي والتحكم في مستلزماته الأدائية، فلم يلجأ إلى المبالغة أو الاستعراض الجسدي المفتعل، اشتغل على التفاصيل الدقيقة التي تمنح الشخصية صدقها المسرحي. فالنظرة، والتفاتة الرأس، وطريقة الوقوف، وتوقيت الاستجابة، وحركة اليد، وحتى لحظة الصمت قبل تنفيذ الأمر، كلها تحولت إلى وحدات صغيرة من الفعل الكوميدي. وفي لحظات عديدة، كانت لغة الجسد تقول أكثر مما يقوله الحوار، لأن الجسد يكشف هشاشة الشخصية وترددها وانقيادها قبل أن تنطق. كما أن التلوين في ردود الفعل أسهم في صناعة المفارقة؛ فالشخصية لا تدرك دائمًا حجم الورطة التي تنخرط فيها، بينما يدرك المتفرج ما يترتب على امتثالها، فتتولد المفارقة المسرحية من الفجوة بين وعي الشخصية ووعي الجمهور. ومن هنا يصبح الامتثال نفسه فعلًا كوميديًا، لأن كل استجابة جديدة لأوامر زياد لا تحل المشكلة، وإنما تدفعها إلى مستوى أكثر تعقيدًا. لقد استطاع نور مغربي أن يجعل من شخصيته أداة مرنة داخل ماكينة الكذب، تتحرك وفق الخيوط التي يمدها الآخرون، لكنها لا تفقد إيقاعها الخاص. وبذلك لم تكن وظيفته إضحاك الجمهور فحسب، ساهمت في تصعيد المأزق، وتوليد سلسلة من الأفعال وردود الأفعال التي تمنح العرض حيويته، وتجعل الشخصية عنصرًا أساسيًا في هندسة الفرجة الكوميدية.
اشتغلت الفنانة عبير لاون بوعي أدائي لافت على بناء شخصية رشا، مستثمرة أدوات الممثل في تشكيل شخصية المرأة الوفية لزوجها، المتمسكة باستمرارية العلاقة الزوجية والحفاظ على تماسك البيت. وقد تأسس أداؤها على فعل مسرحي يقوم على المقاومة والاحتواء أكثر مما يقوم على المواجهة المباشرة؛ فهي تستقبل سلوكيات زوجها الملتبسة، لكنها لا تمنح الشك سلطة تفكيك العلاقة، تحوّل التجاهل إلى خيار درامي يحافظ على بنية الشخصية وموقفها. وقد انعكس ذلك على الإيقاع الداخلي للأداء، فجاء هادئًا ورصينًا، مع اقتصاد واضح في الحركة والانفعال، الأمر الذي منح الشخصية قوة لا تستمدها من الصراخ أو المبالغة، وإنما من السيطرة على الانفعال وتوظيف الصمت والنظرة والوقفة بوصفها علامات أدائية دالة. كما وظفت لاون لغة الجسد في ترسيخ صورة المرأة المدافعة عن كيانها الأسري؛ فالحركة عندها ليست زائدة عن الفعل، هي مرتبطة بالدافع الدرامي، فيما أسهمت النبرة الصوتية وتدرجاتها في الكشف عن مستويات الشخصية النفسية دون الوقوع في الأداء التقريري. ومن خلال هذا الاقتصاد الأدائي، حافظت الممثلة على التوازن بين البعد النفسي والبعد الوظيفي للشخصية، وفي انتقالها إلى شخصية الخطيبة ”ياسمين” الباحثة عن رائد، أعادت عبير لاون بناء جهازها الأدائي وفق مقتضيات شخصية مختلفة في دوافعها وإيقاعها ومجالها التعبيري. فقد رفعت منسوب الطاقة الحركية والانفعال الجسدي، وأطلقت مساحة أكبر للتعبير الصوتي والإيمائي، بما يتلاءم مع شخصية تتحرك تحت ضغط الانتظار والبحث واللوعة. وهنا برزت قدرتها على توظيف المفارقة المسرحية؛ إذ يتولد الضحك من جدية الشخصية في بحثها عن رائد ومن شدة تعلقها به، لا من السعي المباشر إلى صناعة النكتة. ومن منظور الأداء، تكشف التجربتان عن قدرة عبير على التلوين الأدائي والاشتغال على الفارق بين الإيقاع الداخلي والخارجي للشخصية؛ فحين تتطلب الشخصية الصمت والاحتواء، تلجأ إلى الانضباط، وحين يتطلب الموقف الانفعال والحركة، توسع مجالها الجسدي والصوتي. وهذه المرونة جعلت أداءها يتجاوز مجرد تجسيد الشخصيات إلى إنتاج فعل مسرحي فاعل داخل بنية العرض، تتكامل فيه الحركة والصوت والإيماءة والإيقاع مع الدافع النفسي والوظيفة الدرامية.
أما الفنانة رغدة أبو حسين، فقد واجهت تحديًا أدائيًا لافتًا من خلال تجسيد شخصيتين متباينتين ليس فقط في السمات النفسية، وإنما في وظيفتهما الدرامية داخل بنية العرض، نجود المنجد، موظفة الشؤون الاجتماعية، وصبحية ياسين، مفتشة قطرية في التأمين الوطني. في شخصية نجود، اتجه الأداء نحو بناء شخصية تؤدي وظيفة الاحتواء والتخفيف وفتح قنوات التواصل مع الشخصيات الأخرى. فالسلاسة والتعاطف والاستعداد للمساعدة لم تكن مجرد صفات شخصية، وإنما أدوات درامية تساهم في تليين مسار الحدث، وخلق مساحة للحوار والتفاعل، وإبراز الجانب الإنساني في المواقف. لذلك جاء أداؤها قائمًا على الهدوء، والإصغاء، ومرونة الإيماءة، واقتصاد الحركة، بما يجعل الشخصية وسيطًا بين الحالات والشخصيات، ويسمح للفعل المسرحي بالتقدم من خلال التفاهم والتواصل بدلًا من الصدام. في المقابل، تؤدي صبحية ياسين وظيفة درامية نقيضة؛ فهي شخصية تدخل إلى الفعل المسرحي من موقع السلطة والرقابة والمساءلة، وبالتالي تصبح عنصرًا فاعلًا في إنتاج الضغط وتصعيد الموقف. وقد ترجمت رغدة هذه الوظيفة من خلال تغيير واضح في الطاقة الأدائية؛ فالنبرة أكثر حدة، والحركة أكثر حسمًا، والحضور الجسدي أكثر صلابة، فيما تبدو العلاقة مع الآخرين محكومة بمنطق الأمر والتوجيه لا بمنطق الإصغاء والمساعدة. ومن ثم تتحول الشخصية إلى قوة ضاغطة داخل المشهد، تدفع الشخصيات الأخرى إلى التبرير أو الدفاع أو المواجهة. استطاعت رغدة أبو حسين أن تجعل هذا التباين الوظيفي محسوسًا عبر اختلاف الإيقاع، والنبرة، ولغة الجسد، وطريقة إدارة المسافة مع الشخصيات الأخرى، الأمر الذي جعل انتقالها بين الشخصيتين انتقالًا في المنظومة الأدائية والوظيفة الدرامية معًا، وليس مجرد تبديل في المظهر الخارجي.
بدوره، نجح الفنان إبراهيم دسوقي في بناء شخصية العم غسان بوصفها شخصية تؤدي وظيفة درامية مركبة داخل العرض؛ فهو ليس مجرد شريك لزياد في عمليات النصب، يمثل حلقة الوصل بين مخططاته وتنفيذها، وشاهدًا على مسارات الكذب والاحتيال، وعنصرًا مساعدًا في دفع الأحداث إلى الأمام. ومن خلال حضوره، تتسع دائرة التورط، إذ يتحول غسان من مجرد مشارك في اللعبة إلى طرف يسهم، بقصد أو بلا مبالاة، في تعقيد المأزق وتوليد مواقف جديدة. وتنبع الوظيفة الدرامية للشخصية من التناقض بين استهتاره وخطورة ما يشارك فيه؛ فهو يتعامل مع عمليات النصب وكأنها جزء من لعبة أو مغامرة عابرة، الأمر الذي يمنح المشاهد مساحة للكوميديا، لكنه في الوقت نفسه يكشف عبثية الموقف وخطورته. ومن هنا يصبح غسان أداة لتوليد المفارقة المسرحية، كلما تعامل مع الحدث بخفة، ازدادت النتائج تعقيدًا، إلى أن يتحول الاستهتار نفسه إلى سبب في وقوعه داخل دائرة الخطر، وصولًا إلى إصابته. وقد استطاع إبراهيم دسوقي ترجمة هذه الوظيفة عبر لغة جسدية متحركة وإيقاع أدائي سريع، فجعل من حركة الشخصية واستجابتها للمواقف جزءًا من صناعة الحدث، فالحركة هنا لا تقتصر على التعبير عن طبيعة غسان، وإنما تؤدي وظيفة في تسريع الإيقاع، وربط المواقف، وإنتاج الكوميديا، ومواكبة التحولات المتلاحقة. كما أن تفاعله مع زياد يكشف طبيعة العلاقة بينهما؛ فغسان يتحرك غالبًا داخل المسار الذي يرسمه زياد، لكنه في الوقت نفسه يضيف إلى هذا المسار ارتباكًا ومفاجآت تزيد من تعقيد اللعبة. وبذلك تتحدد الوظيفة الدرامية للعم غسان في كونه محرّكًا ثانويًا للحدث، ووسيطًا بين المخطط والتنفيذ، ومصدرًا للمفارقة الكوميدية، وعنصرًا في تصعيد المأزق. وقد منح هذه الوظائف حضورًا أدائيًا واضحًا، فحافظ على خفة الشخصية واستهتارها، وفي الوقت نفسه جعل هذا الاستهتار سببًا دراميًا في تطور الأحداث وتفاقمها، وصولًا إلى اللحظة التي تنقلب فيها اللعبة عليه.
لقد استطاع أداء الممثلين أن يحافظ، في مجمله، على توازن بين الحركة والانفعال، وبين ما تقوله الشخصية وما تضمره. أما إدارة الخشبة، فقد حافظت على الامتداد المطلوب بين المشاهد، وهو ما أسهم فيه كل من ابراهيم ابو شقرة ورحيق حاج يحيى سليمان ونور مغربي، ورغدة أبو حسين، وإبراهيم دسوقي، وعبير لاون، عبر انتقالات سلسة في إيقاع العرض، فالانتقال المسرحي ليس إجراءً تقنياً محضاً، هو جزء من هندسة الفرجة؛ وكلما كان محسوباً، ظل المتلقي مشدوداً إلى الحكاية دون أن يشعر بانقطاع في نبضها. وفي هذا البناء حضرت إضاءة امطانس مزاوي عنصراً دراماتورجياً فاعلاً، فلم تقتصر على إظهار الشخصيات، وإنما أسهمت في خلق الجو النفسي وتوجيه عين المتلقي ومنح بعض اللحظات أبعاداً دلالية إضافية. وقد واكبت الإضاءة الكوميديا الهادفة كما واكبت المواقف التي تتطلب الحدة والصرامة، من غير أن تتحول إلى استعراض بصري يزاحم الفعل المسرحي. أما الملابس التي صممتها صابرين حسون طافش فقد انسجمت مع طبيعة الشخصيات ومنحتها ملامحها الخارجية، لكنها تجاوزت الوظيفة الزخرفية لتصبح علامة من علامات البناء المسرحي، تربط المظهر الخارجي بالوضع الاجتماعي والنفسي للشخصية، وتكتسب أهميتها بصورة خاصة في لحظات التنكر وتبدل الهويات، وعلى مستوى الإخراج، استطاع محمد عيد أن يبني العرض المسرحي على سلاسة المواقف والابتعاد عن بهرجة التشخيص، وهذه السلاسة ليست تبسيطاً للفعل المسرحي، بقدر ما هي نتيجة أعمق لضبط حركة الممثلين وتوزيعهم داخل الفضاء الركحي وتحديد لحظات الدخول والخروج والإمساك بالإيقاع الداخلي للمشاهد، ليصبح الجسد لغة ثالثة إلى جانب الحوار والفعل؛ فالوقفة والحركة والالتفاتة والمسافة بين شخصيتين كلها علامات تضيف إلى النص ولا تكرر ما يقوله. غير أن الديكور الذي أنجزه الفنان مروان صباح، يظل المجال الأكثر قابلية للنقاش النقدي، فقد أدى وظيفة تأثيث الفضاء، لكنه لم يبلغ دائماً مستوى السينوغرافيا على اعتبارها نظاماً دلالياً متكاملاً. فالديكور يحدد المكان، بينما السينوغرافيا تنتج معنى المكان، وهذا الفرق مهم في عرض تقوم بنيته على أزمة اقتصادية واجتماعية حادة. فإذا كان زياد ورائد يعيشان وضعاً مادياً مأزوماً، ويبحثان عن موارد تضمن استمرار العيش، فإن البيت يبدو، في بعض لحظاته، أكثر ترفاً وغربة عن الشخصيات. وهنا يتولد سؤال سيميائي مشروع، هل ينتمي هذا البيت حقاً إلى الشخصيات التي تتحرك داخله؟، أم أنه مجرد إطار خارجي يحتضن الحكاية؟، كان يمكن للفضاء أن يصبح مرآة للتصدع الداخلي للشخصيات؛ أن يحمل الجدار آثار الأزمة، وأن تصبح الأشياء اليومية علامات على الفقر والقلق والانتظار، لقد حاولت الإضاءة أن تمنح المكان بعضاً من هذه الوظيفة، وأن تتجاوز محدودية الديكور بصناعة المناخ وتوزيع الضوء، غير أن الحاجة ظلت قائمة إلى اشتغال سينوغرافي أعمق يجعل الفضاء شريكاً في إنتاج الدلالة، لا مجرد خلفية للأحداث.
ومن هنا تتأكد الحاجة إلى لغة سيميائية أكثر كثافة؛ فالمسرح لا يكتفي بأن يقول، يجعل الأشياء تقول، الجسد علامة، والصمت علامة، والضوء علامة، والملابس علامة، والفضاء علامة، وحتى المسافة بين شخصيتين يمكن أن تحمل معنى. وكلما اتسعت شبكة العلامات، أصبح العرض أكثر قدرة على اقتفاء أثر الحكاية في تطورها، وعلى تحويل الأحداث من مجرد سلسلة من المواقف الكوميدية إلى بناء فرجوي متعدد الطبقات. أما المكياج الذي سهرت عليه هبة اغبارية، فقد أدّى دورًا أساسيًا في بناء الملامح الخارجية للشخصيات وتعزيز اندماجها داخل النسيج الدرامي والكوميدي، اتسم الاشتغال على الوجوه بالاقتصاد في استعمال المواد، بعيدًا عن المبالغة أو التزيين الزائد، مع التركيز على إبراز الملامح الطبيعية وتحديد الفروق الدقيقة التي تمنح كل شخصية فرادتها. كما أسهم هذا الاختيار الجمالي في تسهيل الانتقال السلس من شخصية إلى أخرى، خصوصًا في الحالات التي يتطلب فيها الأداء تعدد الأدوار، إذ أصبح الوجه مجالًا للتحول الدرامي، تتبدل ملامحه بإشارات بسيطة، لكنها ذات أثر واضح في تشكيل الشخصية وتثبيت حضورها على الخشبة.
بخصوص الموسيقى التي تكلف بها الفنان معين دانيال، فقد اضطلعت بدور درامي واضح في بناء الأجواء النفسية للمشاهد، ولم تكن مجرد خلفية مرافقة للفعل المسرحي، أسهمت في خلق مستوى الإحساس والتوتر الملائم لكل موقف، وجاء توظيفها منسجمًا مع التحولات الدرامية والكوميدية، فتتصاعد حدتها حين يتطلب المشهد توترًا أو ترقبًا، وتهدأ حين يقتضي السياق منح المتلقي فسحة للتأمل أو الاستيعاب، كما ساعدت على الانتقال بين الحالات والمشاهد، وربطت بينها إيقاعيًا وشعوريًا، بما عزز الانسجام العام للعرض، وأضفى على لحظاته كثافة وجدانية أسهمت في تعميق أثرها لدى المتلقي. ومع ذلك، فإن العرض المسرحي ”عايشين عَ المعاش” نجح في خلق فرجة بيانية تتأسس على التفاصيل الصغيرة، حركة جسد، إيماءة وجه، ارتباك يد، نظرة خاطفة، أو صمت يأتي في اللحظة المناسبة، ومن هذه التفاصيل يرتفع الضحك من مجرد استجابة آنية إلى موقف نقدي؛ إذ يضحك الجمهور من المفارقة، ثم يكتشف أن مصدر الضحك هو في جوهره مأزق اجتماعي مؤلم. وهنا تكمن قيمة العرض، أنه لا يقدم الكوميديا هروباً من الواقع، ولكن بطريقة أخرى للنظر إليه، إننا نضحك من رجل صنع لنفسه حياة من الأكاذيب، لكننا نكتشف خلف هذا الضحك بطالةً وحاجةً وخوفاً من الفشل وعجزاً عن الاعتراف بالحقيقة، وكثيرا ما نرى أن شخصية “زياد منصور” تعيش بيننا ونصادفها في كل مكان دون أن نلهج ببنت شفة، لذلك تتحول الكوميديا إلى مرآة اجتماعية، ويصبح الضحك شكلاً من أشكال المساءلة.
في النهاية، استطاع العرض المسرحي “عايشين عَ المعاش” أن ينقل النص من عالمه الأصلي إلى فضاء محلي دون أن يفقد نواته الإنسانية، وأن يجعل من خصوصية الناصرة مدخلاً إلى سؤال أكثر اتساعاً حول الإنسان حين تضيق به سبل العيش. لقد بدأت الحكاية بكذبة، ثم تكاثرت الأسماء، وتوالدت الأكاذيب، وتشعبت الشخصيات، حتى أصبح الكذب عالماً كاملاً لا يستطيع صاحبه الخروج منه إلا بالاعتراف. وهكذا يظل جوهر المسرحية كامناً في تلك المفارقة البسيطة والعميقة معاً، الكذبة التي تبدأ وسيلة للنجاة قد تنقلب إلى هلاك، وكل كذبة جديدة لا تفتح باب الخلاص، وإنما تبني جداراً إضافياً في هذا الهلاك، ومن هنا نجح العرض في أن يضحكنا من أوجاعنا، ثم يعيدنا، بعد انطفاء الضحك، إلى السؤال الأكثر مرارة، هل نعيش فعلاً على المعاش، أم أننا نعيش على هامش حياة لم تعد تمنح الإنسان إلا ما يكفي لاستمرارها؟ تكمن عالمية النص المسرحي “Cash on Delivery” للكاتب المسرحي البريطاني مايكل كوني، نجل الكاتب والممثل البريطاني راي كوني، في قدرته على مغادرة جغرافية الحكاية والانفتاح على الإنسان في همومه اليومية، وفي حيله الصغيرة، وفي تلك المسافة الملتبسة بين الحاجة والرغبة، وبين العجز عن مواجهة الواقع ومحاولة الالتفاف عليه، فالأمكنة في النص قابلة للتبدل، والوجوه قابلة للتغيير، والسياقات الاجتماعية والثقافية قد تختلف، لكن جوهر الحكاية يظل واحداً، حاجة الإنسان إلى المال، وضغط الواقع الاقتصادي، وإغراء الاحتيال حين تضيق سبل العيش، ثم تورط الفرد في شبكة من الأكاذيب لا يعود قادراً على التحكم في خيوطها. وهنا تتجلى براعة كوني في تحويل موقف محلي إلى مفارقة إنسانية ذات قابلية كونية؛ فالاحتيال، حين تغذيه البطالة والحاجة والطمع والظروف الاجتماعية، لا وطن له ولا زمن، إننا أمام حكاية يمكن أن تقع في لندن أو الناصرة أو أي مدينة أخرى، لأن آلية المأزق واحدة، وإن اختلفت الأسماء والملامح، تتبدل الأمكنة، وتتغير اللهجات، وتتعدد المرجعيات الاجتماعية، لكن الإنسان يبقى هو الثابت في قلب اللعبة المسرحية. من هذه الخاصية تحديداً استطاع الفنان محمد عيد أن يلبس النص الأصلي ثوباً محلياً، وأن يعيد إنتاجه في صيغة “عايشين عَ المعاش”، دون أن يفقده جوهره الإنساني، فالاقتباس هنا لا يبدو نقلاً حرفياً للأحداث بقدر ما هو إعادة توطين للحكاية داخل بيئة لها حساسيتها الاجتماعية والاقتصادية ولغتها ومخزونها اليومي، لقد انتقلت الحكاية من سياقها الأصلي إلى فضاء الناصرة، وأصبحت الشخصيات تتحرك داخل واقع مألوف للمتلقي، بما يجعل المفارقة أكثر قرباً، ويجعل الضحك أكثر التصاقاً بالحياة.
قدم العرض الأول لمسرحية “عايشين ع المعاش” مساء يوم الأربعاء 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026 على خشبة المسرح العربي أم الفحم، إعداد وإخراج الفنان محمد عيد، تشخيص: إبراهيم أبو شقرة، رحيق حاج يحيى سليمان، نور مغربي، رغدة أبو حسين، إبراهيم دسوقي، عبير لاون، تصميم إضاءة: امطانس مزاوي، موسيقى: معين دانيال، تصميم وتنفيذ الملابس: صابرين حسون طافش، تصميم وتنفيذ الديكور: مروان صباح، ملابس ومكياج: هبة اغبارية، مدير انتاج ومساعدة مخرج: إليان فرانش، انتاج المسرح العربي أم الفحم، الإدارة الفنية: الفنان هشام سليمان، دراماتورجيا: سعيد العفاسي، إدارة عامة: محمد صالح اغبارية.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة