يوريكا!

فخري هوّاش البروة / جديدة - مكر

تاريخ النشر: 09/10/26 | 9:41

بار~ايلان~ يوريكا! اكتشفنا كيف نحذف مواطنًا»
قال أرخميدس: «يوريكا!» فاكتشف قانون الطفو.

وسقطت التفاحة على رأس نيوتن، فاكتشف الجاذبية.
ورفع غاليليو عينيه إلى السماء، فاكتشف أن الأرض تتحرك، فاضطر العلم إلى أن يعيد ترتيب أثاثه.

وابن سينا، بدل أن يبحث عن طريقة للتخلص من الإنسان، أمضى عمره يبحث عن طريقة لإبقائه حيًا.

ثم، بعد كل هذا التراكم الحضاري، يأتي محاضر من جامعة بار إيلان ليفتح ملفًا أكثر طموحًا: كيف نتخلّص من العربي؟

أخيرًا، سؤال يستحق جامعة! فالماء سبق أن اكتشفه أرخميدس، والجاذبية أخذها نيوتن، والكواكب أزعج بها غاليليو رجال عصره، والطب أخذه ابن سينا… بقي العربي.

وهكذا اكتمل جدول الاختراعات.

لكن هناك عيبًا بسيطًا في التجربة: العربي لم يختفِ! وهذا، في البحث العلمي، نتيجة مزعجة جدًا.

فالباحث يريد متغيّرًا يمكن التحكم به.

والعربي، للأسف، مواطن.
المواطن كائن عنيد. يذهب إلى الجامعة التي يُكتب فيها البحث، ويعمل في المستشفى الذي قد يُذكر في الإحصاءات، ويمرّ في الشارع الذي يريد البعض أن يعيدوا تعريفه، ثم يعود إلى بيته دون أن يطلب إذنًا من الجدول.

وهنا تبدأ أزمة المنهج: كيف تضع إنسانًا في خانة؟

جرّب أن تسميه «نسبة»… ستكتشف أن النسبة لها اسم.

جرّب «متغيّرًا»… ستكتشف أن المتغيّر له أمّ وأب وأولاد.

جرّب «عبئًا»… ثم تذكّر أن العبء قد يكون طبيبك، أو معلمك، أو المهندس الذي وقّع على سلامة المبنى الذي تقف فيه أو حتى حارس العمارة. فتضطر، مرغَمًا، إلى إعادة الإنسان من الهامش إلى الصورة.

وهذا بالضبط ما لا تريده بعض المعادلات.
هي تريد عربيًا بلا وجه.

العربي المثالي في التقرير لا يملك بيتًا، ولا يتذكر طفولته، ولا يحب أمه، ولا يقلق على ابنه، ولا يخطط للغد… مجرد خانة نظيفة.

أما العربي الحقيقي فمزعج علميًا؛ لأنه يعيش! وهذه مشكلة كبيرة لمن قرر أن يدرس كيفية التخلص منه. فهو لا يختفي عندما تُغلق الدراسة: تغلق الورقة، فيعود إلى دكانه.

تنتهي المحاضرة، فيعود إلى بيته. ينتهي المؤتمر، فيذهب ليأخذ ابنته من المدرسة. كأن لديه حياة خارج البحث! يا لها من قلة تعاون مع العلم.
ولعل أعظم ما في الاكتشاف الجديد أنه لا يحتاج إلى آلة معقدة؛ يكفي أن تغيّر أسماء الأشياء: لا تقل «إقصاء»، قل: «حلّ ديموغرافي». لا تقل «إنسان»، قل: «متغيّر». لا تقل «مواطن»، قل: «مشكلة». ثم اكتب المعادلة بخط جميل وسيبدو كل شيء أكثر علميا.

وهكذا يستطيع المرء أن يصل، بهدوء أكاديمي كامل، إلى الفكرة التي كان أسلافه يحتاجون فيها إلى صراخ ورايات وحدود… أما الآن، فثمة جدول إكسل. يا للتقدم!

لكن ثمة شيء لم يتغير. حين يعود العربي إلى بيته مساءً، لا يعود «نسبة»؛ يعود إنسانًا. وحين يفتح ابنه الباب، لا يرى «متغيّرًا ديموغرافيًا»؛ يرى أباه. وحين تجلس أمّه إلى مائدة العشاء، لا تنتظر «مشكلة سكانية»؛ تنتظر ابنها.

وهنا، عند مائدة صغيرة، ينهار البحث كله.

لا تحتاج الحياة إلى لجنة أكاديمية كي تثبت أن صاحب الكرسي إنسان. فقط كرسي فارغ يكفي، صورة على الحائط تكفي، مفتاح على الطاولة يكفي، وصوت طفل يسأل: «متى سيعود أبي؟» يكفي.
عندها تصبح المعادلة أكثر وضوحًا: يمكنك أن تحذف المواطن من الورق، لكن لكي تحذفه من الحياة، عليك أولًا أن تحذف البيت، والذاكرة، والعائلة، والمستقبل… أي أنك لا تعود تتخلص من «العربي»، بل تحاول أن تتخلص من إنسان.
وهنا، للمرة الأولى، يصبح الاكتشاف فعلًا يستحق الصرخة: يوريكا! لقد وجدنا أخيرًا كيف يتحول الجهل إلى بحث أكاديمي.

والمشكلة الوحيدة أن العربي لم يقرأ الورقة. لذلك، في صباح اليوم التالي، سيستيقظ، ويفتح بابه، ويمضي إلى عمله. وسيكون هناك… وهذا، على الأرجح، هو المتغيّر الوحيد الذي عجزت المعادلة عن حذفه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة