كي لا تكون الضفة الغربية ورقة في صندوق الانتخابات الإسرائيلية
فتحي كليب / عضو المكتب السياسي
تاريخ النشر: 08/10/26 | 14:49
سعت اسرائيل إلى الاستفادة من التحالف الدولي الذي تشكل دعما لها بعد «طوفان الأقصى»، فعملت على فرض وقائع جديدة في الضفة الغربية، عبر توسيع وتيرة الاستيطان، وزيادة الجرائم والاعتداءات، وتكثيف الاقتحامات، ومحاصرة المدن والمخيمات، وتوسيع حملات الاعتقال، والسيطرة على الأراضي، وهدم المنازل، إلى جانب العديد من الممارسات الاحتلالية التي تستهدف الفلسطينيين وأرضهم ووجودهم.
والهدف واضح، كما عبر عنه أكثر من مسؤول في حكومة الفاشية الاسرائيلية، إلى جانب قيادات في ميليشيات المستوطنين، ويتمثل في دفع الفلسطينيين، أصحاب الأرض إلى مغادرة أراضيهم وممتلكاتهم، تمهيدا للسيطرة عليها. أي أن ما يحدث ليس مجرد سلسلة من الإجراءات الأمنية المنفصلة، وإنما مسار متكامل يقوم على الضغط على ابناء الارض الفلسطينيين، ودفعهم تدريجيا إلى الرحيل عن مناطقهم. وبمعنى أكثر وضوحا، فإن ما يجري هو تطهير عرقي موصوف في أدق تفاصيله، يجري تنفيذه عبر أدوات متعددة ومتدرجة.
أما ردة فعل المجتمع الدولي، فكانت وما زالت خجولة، واقتصرت في معظمها على بيانات الشجب والإدانة والدعوات إلى ضبط النفس، من دون الانتقال إلى خطوات سياسية عملية قادرة على وقف هذه الممارسات. وكان ذلك يعني، بكل بساطة، أن الدول الغربية لن تدخل في مواجهة حقيقية مع إسرائيل من أجل الفلسطينيين، وأن سقف الضغط الغربي، مهما بلغت حدته، سيبقى محدودا، بما يسمح لإسرائيل بمواصلة سياسة فرض الأمر الواقع على الأرض.
وقد قبل الفلسطينيون، إلى حد كبير، بهذه المعادلة، وظلوا يراهنون على تدخل غربي يمكن أن ينقذ الأرض والشعب في آن واحد، ويحافظ في الوقت نفسه على ما تبقى من اتفاق أوسلو ومن فرص الحل السياسي. غير أن التجربة المتراكمة أثبتت أن هذا الرهان بات أكثر صعوبة، في ظل استمرار الاستيطان وتغيير الوقائع الجغرافية والديموغرافية على الأرض، بينما يتراجع تدريجيا هامش إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية قابلة للحياة.
الدول الغربية اعتبرت، في كثير من الأحيان، أن ما يحدث لا يتجاوز حدود «العنف» ولم يتخذ طابعا جماعيا ومنظما، رغم أن مؤسسات الأمم المتحدة وثقت، في أكثر من مناسبة، أن جانبا مهما من هذه الممارسات يجري بصورة ممنهجة ومخطط لها، وتشارك فيها مستويات عليا من المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية. كما ان عمليات القتل والتهجير ومحاصرة المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية لا تجري بمعزل عن المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، وانما في إطار تنسيق متواصل، وبإشراف مباشر او غير مباشر من مسؤولين ووزراء في الحكومة الاسرائيلية.
وفي المقابل، تبدو اسرائيل مستفيدة من هذا الواقع الدولي، لأن غياب الإجراءات الرادعة يمنحها الوقت والمساحة الكافيين لتحويل كل اجراء ميداني الى واقع جديد يصعب التراجع عنه. فكل توسع استيطاني، وكل مصادرة لأرض، وكل عملية تهجير أو هدم، تعني عمليا اعادة رسم الخريطة الفلسطينية، وتضييق المساحة المتاحة امام اي حل سياسي مستقبلي.
ويبدو واضحا، من خلال استطلاعات الرأي في إسرائيل، أن حزب الليكود والتحالف الذي يقود الحكومة الإسرائيلية قد يواجهان صعوبة في تشكيل حكومة جديدة إذا جرت انتخابات في ظل المعطيات الحالية. وهذا يزيد من إمكانية إعادة فتح الملفات المرفوعة في وجه نتنياهو أمام «الأجهزة القضائية والسياسية»، ويضع مستقبله السياسي امام احتمالات اكثر تعقيدا.
وهنا يبرز الخوف من امكانية لجوء نتنياهو إلى سياسة «الهروب إلى الأمام»، وقلب الطاولة فوق رؤوس الجميع، من خلال القيام بمغامرة في أكثر من اتجاه، ونقل الصراع الداخلي الإسرائيلي إلى ساحات إقليمية أو فلسطينية جديدة. فكلما ازدادت الضغوط السياسية والقضائية الداخلية عليه، يصبح احتمال توظيف الملفات الأمنية والعسكرية في خدمة بقائه السياسي اكثر حضورا.
ورغم أن نتنياهو يسعى إلى اشعال اكثر من جبهة في وقت واحد، بهدف «توريط» الولايات المتحدة اولا، ومحاولة شد الناخب الإسرائيلي باتجاه خطر خارجي مفتعل أو متضخم، فإن الواضح انه بات مكبلا بعدد من القيود التي فرضتها الإدارة الأمريكية، خاصة على مستوى ادارة الحرب في غزة، والتعامل مع جبهات لبنان وايران وسوريا. وهذا يحد، ولو جزئيا، من قدرته على توسيع المواجهة الإقليمية بالطريقة التي يريدها.
الا أن الجبهة التي قد تكون مرشحة للاشتعال خلال الفترة المقبلة، طبعا من طرف واحد، هي جبهة الضفة الغربية، كونها الجبهة الأكثر تأثيرا في الانتخابات الإسرائيلية، لأسباب داخلية وانتخابية تتعلق بموقع الأمن والاستيطان في حسابات الناخب الإسرائيلي. كما أن الفوارق بين الموقفين الأمريكي والإسرائيلي تجاه الضفة تبدو محدودة، الأمر الذي قد يمنح الحكومة الإسرائيلية مساحة أوسع للتحرك وفرض وقائع جديدة، من دون خشية كبيرة من رد فعل أمريكي حاسم، في وقت تكون الادارة منشغلة هي الاخرى بالانتخابات الامريكية النصفية.
وفي ظل ذلك، لا يمكن للحالة الفلسطينية أن تظل في حالة انتظار، بينما تواصل إسرائيل رسم وصوغ وتنفيذ ما تريد من استراتيجيات، معتمدة على سياسة فرض الأمر الواقع، وعلى عامل الزمن باعتباره عنصرا لمصلحتها. فإسرائيل تتحرك على الأرض بصورة متواصلة، بينما يبقى الموقف الفلسطيني في كثير من الأحيان أسير ردود الفعل وانتظار المواقف الدولية.
السؤال الأساسي اليوم ليس فقط ماذا ستفعل إسرائيل، بل ما الذي يستطيع الفلسطينيون فعله في مواجهة هذه الاستراتيجية؟ وما هي الخيارات السياسية والوطنية والقانونية والشعبية القادرة على تغيير الواقع، أو على الأقل منع إسرائيل من تحويل إجراءاتها المؤقتة إلى وقائع دائمة؟
إن استمرار الحالة الفلسطينية على حالة من الثباتية والعجز، لم يعد خيارا قابلا للاستمرار، خاصة في ظل النزف الوطني المتواصل على أكثر من صعيد، وفي وقت تواصل إسرائيل رسم وصياغة وتنفيذ استراتيجياتها على الأرض، مستفيدة من الوقت ومن سياسة فرض الأمر الواقع. والمطلوب اليوم هو البحث الجدي في الخيارات التي يمتلكها الفلسطينيون، وتفعيل ما يمكن منها، بما يحفظ لشعبنا الفلسطيني حقوقه الوطنية، ويعزز صموده على أرضه، ويوقف، بالحد الأدنى، من مسلسل النزف المستمر، ويمنع تحويل الضفة الغربية، بشكل خاص، إلى ورقة في صندوق الانتخابات الإسرائيلية أو إلى ساحة مفتوحة أمام مشاريع الاستيطان والتهجير.
كما لا يمكن للحالة الفلسطينية أن تبقى في حالة انتظار، بينما تتحرك إسرائيل وفق حساباتها السياسية والأمنية والانتخابية، وتواصل تغيير الوقائع على الأرض بصورة متدرجة ومتسارعة. ومن هنا، فإن الحد الأدنى المطلوب هو بلورة رد فعل سياسي واضح من قيادة السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية، وبدعم فصائلي وشعبي فلسطيني، يعكس حجم المخاطر القائمة، ويؤسس لتحرك فلسطيني أكثر فاعلية.
وربما يشكل ذلك بداية الرحلة نحو استعادة زمام المبادرة، وإعادة استنهاض الحالة الفلسطينية، والانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل والتأثير. فالمبادرة الفلسطينية، إذا ما توفرت لها الإرادة السياسية والغطاء الشعبي والفصائلي، يمكن أن تفتح مسارا جديدا يعيد القضية إلى صدارة الاهتمام العربي والدولي، ويحول دون بقاء الفلسطينيين أسرى للوقائع التي تفرضها إسرائيل على الأرض. ومن المؤكد أن موقفا فلسطينيا واضحا وفاعلا سيكون قادرا على الدفع نحو مواقف عربية ودولية أكثر جدية، وربما يشكل نقطة انطلاق لإعادة بناء ميزان سياسي مختلف في مواجهة سياسة فرض الأمر الواقع.



