رسالة وفاء إلى معلمي
فخري هوّاش البروة/ جديدة المكر
تاريخ النشر: 06/10/26 | 14:57
إلى كل معلّمٍ
لم يكتفِ بأن يعلّمنا الحروف،
بل علّمنا كيف نكون.
بُعِثتَ
لا لتملأ السبورة
بالكلمات،
بل لتوقظ فينا
ما كاد ينام:
السؤال،
والحلم،
والإنسان.
دخلتَ الصفَّ
وفي يدك طبشورة،
لكنّك كنت تحمل
أكثر من درس.
كنت تحمل
مفتاحًا صغيرًا
لبابٍ كبير
اسمه الغد.
يا سليل الطباشير البيضاء،
يا من كنتَ
تزرع الحرف
في أرضٍ عطشى،
وتسقيه
من عرق الأيام،
حتى إذا أزهر
صار علمًا،
وإذا أثمر
صار إنسانًا.
في كل صباح
كنت تدخل الصف
كما يدخل الضوء
إلى نافذةٍ مغلقة.
ترفع السبورة
فتعلو معها
قامة المعنى،
وتكتب…
فنرى في الحرف
طريقًا،
وفي الكلمة
نافذة،
وفي المعرفة
وطنًا
لا يُصادر.
علّمتنا
أن الوطن لا يُحفظ
عن ظهر قلب،
بل يُحفظ
حين نحمله
في الضمير.
علّمتنا
أن الهوية
ليست اسمًا على ورقة،
بل أثرًا
لا يستطيع النسيان
أن يمحوه.
علّمتنا
إشارات الطريق؛
أن نقف
حين يجب الوقوف،
وأن نمضي
حين تضيق الجهات،
وأن نرفع رؤوسنا
حين يحاول الخوف
أن يعلّمنا الانحناء.
كنتَ معلّمًا…
لكنّك كنت أيضًا
قدوةً تمشي أمامنا.
وحين عجزت الكلمات
عن شرح الطريق،
كانت خطوتك
هي الدرس.
وحين تعبنا،
كنتَ تقول للصمت:
ليس الآن…
ما زال في الحرف
متّسعٌ للضوء.
سلامٌ عليك
يا حارس الأبجدية،
يا من صنعت من الطباشير
ذاكرة،
ومن السبورة
سماءً صغيرة،
ومن الدرس
بدايةَ حياة.
سلامٌ على أصابعك
التي كتبتنا
قبل أن نعرف
كيف نكتب أنفسنا.
سلامٌ على قلبك
الذي لم يجفّ حبره،
وعلى صوتك
حين كان الصوت
مسؤولية.
وسلامٌ خاص
لقلمك الرصاص…
ذلك القلم
الذي ظلّ واقفًا
بين أصابعك،
لا ينحني،
لا يساوم،
ولا يعرف
كاتمَ الصوت.
يمحو خطأً
كي نتعلّم،
ويعيد الكلمة
كي تستقيم،
ثم يكتب من جديد…
كأنّه يقول لنا:
لا تخافوا من الخطأ،
فبعض الطريق
يُكتب بالمحو.
يا معلّمي…
إن سألتنا الأيام
ذات يوم:
من علّمكم
أن تبقوا واقفين؟
سنقول:
كان هناك
معلّم…
دخل صفّنا
بطبشورة،
وخرج من حياتنا
وهو يحمل
جزءًا من أرواحنا.
فلك المجد
ما دام فينا
حرفٌ يعرف الطريق،
ولك الوفاء
ما دام فينا
تلميذٌ يتذكّر
يدَ معلّمه.
كل عام وأنتم
اليد التي تكتب الغد،
والصوت الذي لا يُخرس،
والضوء الذي
لا يحتاج إلى سبورة.
في يوم المعلّم – تشرين الأوّل
05.10.2026



