متنفَّس عبرَ القضبان (208)

حسن عبادي| حيفا

تاريخ النشر: 06/10/26 | 14:51

بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛
أصدرت كتاباً بعنوان “زهرات في قلب الجحيم” (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع)، وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024.
أواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن، صمتهن وصراخهن.
أتصل من بوابة الدامون مباشرة بالأهالي محاولاً أن أكون جسراً بينهم وبين بناتهم عبر القضبان؛
حاولت قدر المستطاع إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر “التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين”، وعبر الإعلام الدولي خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي المقيت، وهذا أضعف الإيمان؛
وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.
كتب الصديق رامي رمانة: “المحامي حسن عبادي ” ابن حيفا ” … ملاك على هيئة إنسان … نافذة الأسرى الفلسطينيين على العالم. ..كيف لي ألا أفتخر بصداقة شخص كرس كل وقته لنقل هموم ورسائل الأسرى للعالم .كل الأمنيات لك بمزيد من النجاحات في مسيرتك النضالية”.
وعقّبت رماح الحمامرة: “نحمل في صدورنا خليطًا ممزقًا من المشاعر تجاه أسيراتنا؛ فرحٌ يضيء قلوبنا كلما رأينا جباههن شامخة تتحدى السجّان، وقهرٌ يشتعل في عروقنا كلما تذكّرنا القيود التي تحاصر أجسادهن ولا تقدر أن تحاصر أرواحهن. غصّة تخنق الحناجر كلما حضر في البال طفل ينام بلا أم، أو أم تنام على وسادة الغياب. عجزٌ مرير يطعننا حين ندرك أننا نصرخ ولا يصل الصوت، نمدّ اليد ولا تصل. إنهنّ لسن مجرد أسيرات؛ هنّ عنوان الكرامة وامتحان ضميرنا، وجرحنا المفتوح الذي لا يندمل. في حضورهن يتقزّم السجّان، وفي صمتهنّ ينهزم القهر، لكننا نحن من نبقى مثقلين بواجب لا يحتمل التأجيل: ألّا نصمت، ألّا نخذلهن، ألّا نتركهنّ وحدهن في مواجهة هذا الليل الطويل.
إليك كل الشكر والامتنان أيها المحامي الحرّ، على عزيمتك التي لا تنكسر، وعلى إصرارك الذي لا يعرف طريق التراجع. شكرًا لأنك تطرق أبواب السجون لتصل إلى أسيراتنا، ولأنك تُخرج أصواتهن من بين الجدران لتُسمعها في زمنٍ أدار فيه العالم ظهره لقضيتهن. شكرًا لأنك تُكثّف جهودك حين يتقاعس الآخرون، وتبقى ثابتًا حين يختار الكثير الصمت. إن حضورك بينهن ليس مجرد واجب مهني، بل موقف رجولة وشرف، يُثبت أن الحق لا يزال يجد من يحمله، وأن الحرية لا تزال لها من يذود عنها”.
“البناطيل مهريّة ”
وصلت صباح الخميس 24.09.2026 سجن الدامون بأعالي الكرمل السليب، وأوصلت بداية وصل دفع الغرامة للأسيرة سلام منصور كي لا يتأخر تحرّرها من السجن، والتقيت مباشرة بالأسيرة ديمة محمد يوسف أمين، (مواليد 08.01.1972 من الطيرة/ رام الله، طبيبة نسائية، أم لكريم وليلى)،
بعد التحيّة مباشرة، أوصلتها أخبار العائلة وسلاماتها؛ (كريم وليلى دراستهم كويسة وليلى ابتدأت جامعتها) وحيدر مشتاق (ما جمعته الأرواح لا تفرقه الأسوار)، الأولاد والأحفاد بسلمو عليك ومشتاقين للقاء يوم الجمعة بوجودك، وابتسمت حين طمأنتها على مايا وميسو، وأن حيدر داير باله على الحديقة وبسقيها.
انفرجت أساريها حين أخبرتها باهتمام صديقنا الأديب المقدسيّ محمود شقير وأوصلتها سلاماته.
اعتقلت فجر 18.08.2026، (كنت لحالي بالبيت، صحيت على صوت الجنود ولقيتهم فوق راسي مع أضوية البارود بغرفة النوم، ما استوعبت كيف فاتوا رغم البوابة الحديديّة، وشفت الصالون معفشك. نقلوني من سيارة لسيارة، وضعي الصحي تدهور، عملوا لي تخطيط قلب وجابوا إسعاف مستعجل ونقلوني من بيت إيل لمستشفى هداسا في القدس، كل الوقت عيوني معصّبة، عملوا لي قسطرة عاجلة (قبلها ما كان عندي أمراض قلب)، جلطة من الأعصاب، بعد العمليّة رجّعوني لشرطة بنيامين، وهناك أغمي عليّ. نقلوني للمسكوبية (أسبوعين تحت الأرض)، النقل كثير سيئ، بعدها لزنازين المعابر في سجن الرملة، ليلة جهنميّة في الشارون، ما شربت ميّة 24 ساعة، وبعدها للدامون.
بعدني مش مستوعبة كيف فاتوا ع البيت. طمأنتها أن زوجها حيدر (وصلت البيت بعد ما طلعتِ انت بنص ساعة وزبطنا الأبواب).
ديمة بغرفة 3؛ برفقة ياسمين شعبان، آمنة وبنتها آيات سويلم، بسملة حواشين، أحلام اشتيّة، سلوى (جديدة/ مخيم جنين)، نقاء حامد (جديدة/ صحافية) [1]، نائلة سراديح، ربى قمحية، سلام منصور، وميرفت حمادنة. 6 صبايا بناموا ع الأرض.
الأمور في الدامون صعبة كثير، نزلت أكثر من 10 كيلو، كميات الأكل قليلة جداً، المشكلة الكبيرة نفسيّة وصعب تفكّر برّا من العزل والضغط، شعور بالغربة، والأحكام العالية مُحبطة.
في الدامون 84 أسيرة، غالبيتهم ضحايا فيسبوك، 25 أسيرة إداري.
شوب كثير، مش دايماً في فورة، خفّت القمعات، توتّر دائم، وضع الملابس سيئ للغاية، البلايز مبطّنة ومع الشوب بترطّب، البناطيل مهريّة، وضع الملابس الداخليّة مأساوي، وفوق هذا فراغ وروتين قاتل.
بعدني مصدومة من طريقة الاعتقال، بعد مش مستوعبتها.
طلبت إيصال سلاماتها لكريم (طالب هندسة صوت/ برلين)، وليلى (طالبة بِزنس/ ملاغا)، وحيدر (كل عام وأنت سالم – الحبسة حرمتنا نعيّد عيد ميلاده مع بعض ومشتاقة له رغم الأسوار).
قلقة على ملّفات المرضى، كلّها على جهاز التليفون يلّي أخذوه ساعة الاعتقال.
“العيادة بالقطّارة”
بعد لقائي بالأسيرة ديمة أمين أطلّت الأسيرة مها عبد الرحمن أحمد الرفاعي/ عناتا بخطى متثاقلة، وقبل التحيّة بادرت قائلاً: شدّ حالك وروّحي قبل عرس ميار، فبكت بكاء مريراً، دموع ونحيب الحسرة… والفرح وعقّبت (كان نفسي أحضر أوّل فرحة لحفيدة بالعيلة).
أوصلتها أخبار العائلة واشتياقها، (تبارك لعمار بعيد ميلاده، ومشتاقة لمدافشة عبد الرحمن).
اعتقلت فجر 11.02.2026، وساعة الاعتقال تلاحقها برفقة درب الآلام الذي عبرته.
مها بغرفة 9؛ برفقة منى أبو حسين، نهلة منى، نداء قطامش، لين مسك، بسملة سعد، سلوى غوادرة، يمامة هرينات وهناء محيي الدين.
طلبت إيصال سلامات الصبايا لأهاليهن؛ هناء ونهلة بدهن قائمة الأدوية، ذكرى مشتاقة لصورة تخرّجها المطبوعة على المكتبة، معايدة بشرى/ عروس الدامون لخطيبها وليد بعيد ميلاده، شهد ومنى، آلاء وندين.
الوضع في الدامون مأساوي. العيادة بالقطّارة. كبسيّات بنصّ الليل، نقص بالملابس الداخليّة ومقاساتها غريبة عجيبة، كميّات الأكل شحيحة ونوعيّته مش منيحة.
نزلت كثير كثير بالوزن.
طلبت إيصال سلاماتها للجميع؛ تبارك لميار مع كل بنات القسم، وتبارك لجنى (جابت معدل 97).
أمي: آسفة لكل لحظة تركتك فيها لحالك والتهيت عنك، بحبّك ومشتاقة لك قد الدنيا وما فيها.
مشتاقة لنورين وعبد الرحمن وسامية، لولاد عمار كلهم، لريتا وفلسطين بنات إياد، لأولاد ضرار وماهر، دايما ببالي.
سامية؛ خذي من مصريّاتي نقوط مزبّط لميار وهديّة منيحة وثقيلة.
لكن عزيزتيّ ديمة ومها أحلى التحيّات، والحريّة لك ولجميع حرائر الدامون على أمل لقاء قريب يجمعنا في رحاب الوطن.
الدامون/ حيفا أيلول 2026
[1] تحرّرت نقاء حامد يوم 29.09.26

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة