مقدّمة القارئ المتتبّع لمالك بن نبي[1]

معمر حبار

تاريخ النشر: 05/10/26 | 22:26

مالك بن نبي و: الجمعية، وأحمد بن بلة، وهواري بومدين، وجمال عبد الناصر، وأحمد طالب الإبراهيمي، والثّورة الجزائرية، والزوايا، واليابان، وماليزيا، والاحتلال الفرنسي، والغرب، وغاندي، والقابلية للاستدمار، وسارتر، وفانون

مقدّمة القارئ المتتبّع لمالك بن نبي :
صاحب الأسطر وهو يفتّش عن أوراق تتعلّق بمالك بن نبي لكتابة مقال لم يشأ ربّك أن يكتب له الظّهور. إذ به يعثر ودون سعي منه على هذه الورقة التي كتبها منذ سنوات 2019، و2020، و2021. ففضّل أن يعيد إخراجها في الهيئة التي بين يديك، وإعادة تنظيمها، ويضع لها عناوين فرعية. ومحتفظا بأسلوبها، ولغتها ودون تغيير. ما يدلّ أنّ صاحب الأسطر لا يحذف، ولا يبدّل، ولا يغيّر.
بعض الشخصيات كانت أيّام كتابة هذه الأسطر على قيد الحياة كأحمد طالب الإبراهيمي رحمة الله عليه.
المراحل المعبّرة عن موقف مالك بن نبي من عبد الحميد بن باديس:
تعامل مالك بن نبي مع عبد الحميد بن باديس من خلال ثلاثة مراحل:
مرحلة الإعجاب:
حين كان مالك بن نبي صغيرا كان معجبا بوقار عبد الحميد بن باديس، وملامحه الخارجية، وبعض ما يعجب الطفل والطالب.
مرحلة النقد:
انتقده في بعض أفكاره، واختياره لبعض الأشخاص، وبعض مواقفه.
بلغ النقد أشدّه في مؤتمر 1936 وقد عاب عليه أن يجعل ابن باديس من فرحات بن جلول، وفرحات عباس قادة له. وهم الذين انسلخوا من ماضيهم وتبرّؤوا من مجتمعهم حتّى أنّ فرحات قال كلمته المشؤومة “أنا فرنسا”. ورغم ذلك ظلّ ابن باديس يدافع عنه.
كلّ المشاكل التي اعترت مالك بن نبي من جهة الجمعية كانت -في تقديري- جرّاء موقف مالك بن نبي من ابن باديس، والجمعية سنة 1936.
مرحلة الاحترام:
تجلّت في ثناء مالك بن نبي على ابن باديس وتفسيره سنة 1964. وظلّ يحترمه إلى أن لقي ربّه. لكنّه لم يندم على نقده لابن باديس، والجمعية. وقد دوّنها في مذكراته، وأيامه، ودفاتره وبالتفصيل. ما يعني أن النقد لا يلغي الاحترام.
مالك بن نبي والجمعية “الظّاهرة القرآنية”، وفرحات عباس:
لقي مالك بن نبي ظلما شديدا من طرف الجمعية بسبب مواقفه تجاهها منذ مؤتمر 19365. حتّى أنّها حرمته من المنحة واستهزأت به حين ألّف “الظّاهرة القرآنية”، ومنعت مقالاته من النشر حين منعت مقالته وهو يرد على فرحات عباس حين قال كلمته المشؤومة “أنا فرنسا”.
قاعدة بشأن فهم طبيعة العلاقة بين الكبار:
من اعتمد على مرحلة وأخفى مرحلة فقد أخطأ، وظلم.
من تمام العدل أن يذكر المتتبّع رأي مالك بن نبي في ابن باديس، والجمعية عبر المراحل الثلاث فيقول: موقف مالك بن نبي في المرحلة الفلانية الأولى كذا، وفي المرحلة الثانية كذا، وفي المرحلة الثالثة كذا.
احترم مالك بن نبي ابن باديس وظلّ يحترمه لشخصه. وانتقده، وظلّ ينتقده لموقفه الذي يرى فيه أنّه لا يخدم الجزائر، واعتبره تنازل عن حقّ الجزائر، وسعي لرفع أناس فوق الرؤوس وقد أساؤوا بتصرفاتهم الشنيعة للجزائر كفرحات بن جلول، وفرحات عباس.
الغرض هو الوقوف على قواعد في التعامل مع الشخصية فقيها كان أو، سياسي، أو رياضي، أو رئيس دولة، أو وزير، أو عسكري، أو مؤرّخ، أو شاعر، أو طبيب، أو مهندس، أو إمام، أو جزائري، أو عربي، أو تركي، أو سعودي، أو إيراني. الإعجاب بالشخصية لا يمنع النقد. والنقد لا يعارض الاحترام.
مالك بن نبي ليس التلميذ المعجب، ولا الحاقد:
أوصي بأخذ موقف مالك بن نبي من ابن باديس، والجمعية بعين الاعتبار مع نقده إذا توفرت عوامل النقد. لأنّه ليس المعجب، ولا الحاقد. بل هو الناقد. بل كان الناقد الذي يحترم الشخص الذي ينتقده بأدب. ولذلك
مالك بن نبي وأحمد بن بلة، وهواري بومدين :
أسمع وأقرأ باستمرار عبارة مالك بن نبي المفكر العظيم المقهور في وطنه والمهمّش في بلده وعليه أقول:
مالك بن نبي لم يكن مهمّشا في وطنه، ولم يكن مهمّشا في عهد أحمد بن بلة، وعهد هواري بومدين. بل زار العالم، وطبعت كتبه، وحضر المؤتمرات باسم الجزائر.
لا أعرف -فيما قرأت لحدّ الآن- أنّ الجزائر منعت كتبه في عهد أحمد بن بلة، ولا في عهد هواري بومدين.
مالك بن نبي وطبع كتبه في الجزائر:
كان في كلّ مرّة يتحدّث عن التأخر في طبع كتبه، ويحاول أن ينسبها لما يسميه بالصراع الفكري. لكن سرعان ما تطبع فيما بعد. ما يعني -في نظري- أنّ مالك بن نبي بالغ وبشكل كبير في التحدّث عمّا يعتبره تأخّرا في طبع كتبه.
مالك بن نبي وطبع كتبه في فرنسا:
لا أعرف -فيما قرأت- أنّ الاستدمار الفرنسي منع كتبه. بدليل أنّه طبع كتبه الأولى باللّغة الفرنسية بفرنسا. وحين جاء لمصر سنة 1956 جاء ليترجمها. أي جاء وهو يحمل أربعة كتب على الأقل كتبها في فرنسا وباللّغة الفرنسية.
مالك بن نبي ومناصب العمل في فرنسا المحتلّة:
لقي مالك بن نبي ضغوطا في إيجاد منصب عمل وهو المتحصّل على شهادة مهندس دولة في الهندسة سنة 1935. ويرجع السّبب إلى ما يسميه بالصراع الفكري، وماسينيون بفرنسا. لكنّه بمجرّد ماحطّ بالجزائر سنة 1963 عيّن مديرا عاما للتعليم العالي وهو بمثابة وزير التعليم العالي.
مالك بن نبي وأحمد طالب الإبراهيمي:
لقي مالك بن نبي ظلما، وإجحافا من طرف أحمد طالب الإبراهيمي. وقد ذكر سوء معاملته، وقلّة أدبه، وحقده، وبغضه عبر “دفاتره”.
للأمانة، لم يذكر -فيما قرأت- أنّ هواري بومدين كان من وراء ذلك.
مالك بن نبي والجمعية وقادة الثورة الجزائرية:
لم يستعن قادة الثورة الجزائرية بمالك بن نبي، واستعانوا بفرانز فانون. ولم يعجب هذا الموقف مالك بن نبي. ومن ناحيتي لا أعتبره ظلما، ولا إجحافا. بل هو موقف اتّخذه قادة الثورة الجزائرية. لأنّي لم أقف لحدّ الآن على وجهة نظر قادة الثورة الجزائر لحدّ الآن.
مالك بن نبي بين الأمّة واليابان:
تحدّث مالك بن نبي عبر كتبه، ومناسبات عن أنّ الأمّة الإسلامية انطلقت في نفس الفترة التي انطلقت فيها اليابان. فوصلت اليابان إلى الحضارة، والتقدم بينما الأمّة العربية ظلّت في تخلّفها.
أضيف: لم يعد المثال الذي ذكره مالك بن نبي يجدي. لأنّ الأمّة الإسلامية حاليا انطلقت في قطار الحضارة قبل عدّة مجتمعات كأمريكا اللاتينية، وإفريقيا، وآسيا. لكن تقدّمت البرازيل، والأرجنتين، وكوبا، وفنزويلا، وجنوب إفريقيا، ونيجيريا، والكاميرون، واثيوبيا بسنوات طوال. وظلّت الأمّة الإسلامية في تقهقرها وتخلّفها. المسألة لا تتعلّق بالدول التي فاقتنا رغم أنّنا انطلقنا سويا في طريق الحضارة. بل في كوننا انطلقنا قبل دول ووصلت قبلنا للمحطّة النهائية للحضارة. وبتعبير الفقهاء: المثال الذي ذكره مالك بن نبي في وقته يذكر الآن للاستئناس وليس للتعليم، وأخذ العبر.
مالك بن نبي ونقده لشيوخ الزوايا :
مالك الذي انتقد: عبد الحميد بن باديس، والبشير الإبراهيمي، والعقبى، وغيرهم. هو نفسه الذي انتقد بشدّة الشيخ الزهواني رئيس جمعية الزوايا .
أقول: من كان ناقدا فلينتقد الجميع دون استثناء . استثنى في النقد فقد أساء وتجاوز.
ومالك بن نبي الذي انتقد ابن باديس سنة 1936. هو نفسه الذي أثنى على ابن باديس في رسالة له سنة 1964. وهو يمدح تفسيره بكلمات عظيمة.
مالك بن نبي والدول الأسيوية :
من الكذب، والزّور القول أنّ دولا تأثّرت بفكر مالك بن نبي كماليزيا، وأندونسيا.
مالك بن نبي لم يتأثّر بالحضارة الغربية :
انتقد مالك بن نبي الحضارة الغربية. وهو الذي نشأ بين ظهرانيها، وكتب باللّغة الفرنسية. فأخذ منها الأحسن ونقله إلى وطنه الجزائر، وأمّته الإسلامية.
وطه حسين عميد كلية الآداب بمصر تعامل مع الحضارة الغربية بانبهار. وهو الذي يكتب باللّغة العربية. فلم يستفد من حسناتها، وظلّ التّابع.
المنبهر بالحضارة الغربية لا يبني حضارة. والنّاقد يتعلّم من الحضارة الغربية، وينقلها لأمّته، ويختار لها ما يناسب تربتها، ويعزّز أركانها، ويحفظ صفاء مائها.
مالك بن نبي وغاندي :
انتقدت -وما زلت- الأستاذ مالك بن نبي رحمة الله عليه في كونه تأثّر بفكرة غاندي الداعية للسّلم. والجزائر حينها تحت الاستدمار الفرنسي، والاغتصاب، والنهب، والتعذيب.
لست ضدّ مالك بن نبي الذي دعا لفكرة السّلم. لكن أنتقده بشدّة لأنّه دعا للسّلم أيّام الاستدمار الفرنسي. ولو دعا للسّلم أيّام السّلم لوقفت إلى جنبه.
دعوة مالك بن نبي للسّلم أيّام الاستدمار الفرنسي -في تقديري- من الأخطاء التي وقع فيها مالك بن نبي رحمة الله عليه.
بالغ -في تقديري- في الإشادة بفكرة غاندي الداعية للسّلم. والجزائر يومها تحت الاستدمار الفرنسي. وعتابي له في مبالغته بالإشادة بسلم غاندي والجزائر تحت الاستدمار.
قلت، وما زلت: لو أشاد بفكرة غاندي أيّام السّلم لأيّدناه، أمّا وقد ظلّ يردّد بسلم غاندي أيّام الاستدمار، فهذا ممّا انتقدناه، وما زلنا ننتقده عليه.
وقف مالك بن نبي إلى جنب الثورة الجزائرية بطريقته. وحاشا لله أن يقف مالك بن نبي ضدّ الثورة الجزائرية.
مالك بن نبي والشخصيات التي تتحدّث عنه :
قلت هذا العام لصاحب حصّة حول شخصية علمية فكرية: هؤلاء الذين استضفتهم لم يدرسوا الشخصية، ولا يعرفونها إنّما هم مشاهير قدّمهم الإعلام العاصمي على أنّهم علماء. وعلينا أن نفرّق بين الوجوه الإعلامية التي صنعها الإعلام على أنّهم علماء، والذين أفنوا حياتهم في القراءة، والمقارنة، والبحث.
مالك بن نبي والقابلية للاستدمار، المعامل الاستدماري:
القابلية للاستدمار: تعني أن المرء يرجع تخلفه، وتراجعه، وعدم نهوضه، وقبوله للذل والهوان للاستدمار. وليس لكسله، وجهله، وخنوعه، وإفراطه، وتبذيره. دون نكران دور الاستدمارالذي يأتي في المرتبة الثانية بعد القابلية للاستدمار.
المعامل الاستدماري: كلّ عمل يقوم به المرء مبني على خلفية المستدمر فهي صفر في النهاية. ولو كان صاحبها صاحب نية حسنة، وغاية جيّدة، ومنطلق فاضل.
هناك فرق بين مصطلح القابلية للاستدمار، ومصطلح المعامل الاستدماري. والثّاني امتداد للأوّل. ولا يحقّ استبدال أحدهما بالآخر، ولا إلغاء هذا أو ذاك.
المصطلحين يصلحان لفهم، ودراسة المجتمع المحلي، والقومي، والعالمي حاليا مع مراعاة الخصوصية الحالية المعاصرة.
مالك بن نبي وهواري بومدين :
سألني صديقنا باديس العجيري عبر الخاص:
السلام عليكم ورحمة الله
كيف حالك أستاذ؟
هل مالك بن نبي التقى بالرئيس هواري بومدين؟ وهل مقولته المشهورة شعب يقرأ شعب لا يجوع ولا يستعبد وأين أجد مصدرها؟ وجزاك الله كل خير أستاذ.
أجبت: التقى الأستاذ مالك بن نبي بالرئيس هواري بومدين رحمة الله عليهما.
للزيادة راجع مقالنا .
مالك بن نبي وأحمد بن بلة، وهواري بومدين، وجمال عبد الناصر:
أخالف مالك بن نبي في نظرته لعبد الناصر، وأحمد بن بلة، وهواري بومدين. وأنتقده بشدّه وأنا الذي لا أخفي إعجابي به. لكن أظلّ أحترم شخصه وقد ذكرت ذلك في مقالاتي، وأسطري عبر صفحتي وعاب علي بعض الزملاء موقفي هذا واعتبروا ذلك مساسا برجالنا ورموزنا. لكن زادتني الأيام ثباتا، ورسوخا ووضوحا. ولله الحمد من قبل ومن بعد في انتظار ما ينفي موقفنا تجاه موقفه.
مالك بن نبي، وسارتر، وفانون :
الذي أعرفه -لحدّ الآن- أنّ سارتر وعبر كتابه “عارنا” وقف ضدّ الاستدمار الفرنسي في الجزائر. وضدّ تعذيب الجزائريين، وإذلالهم، وحرمانهم حقوقهم. وقد قرأت الكتاب وعرضته عبر صفحتي.
وقرأت لفانون فوجدته وقف ضدّ الاستدمار الفرنسي، ووقف بقوّة مع المجاهدين والثورة الجزائرية حتّى أنّ قادة الثورة الجزائرية قرّبوه وفضّلوه على مالك بن نبي، وجعلوه ناطقا باسم الثورة.
سارتر، وفانون يلتقيان في وقوفهما ضدّ الاستدمار الفرنسي في الجزائر، ويقفان مع الجزائر وحقوق الجزائريين.
ما زلت أبحث عن موقف صاحب “المعذبون في الأرض” من الاستدمار الفرنسي، راجيا أن يعينني الأصدقاء على ذلك.

الثّلاثاء 25 ربيع الثّاني 1448، الموافق لـ 6 أكتوبر 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة