انحباس الأمطار وذكريات الشيخ المُغربي

كتب: جهاد عقل

تاريخ النشر: 05/10/26 | 22:17

دُعيتُ قبل أيام إلى مرافقة مجموعة شبابية في جولة لزيارة أماكن تاريخية في بلدتي عرعرة. وكان من بين المواقع التي طلبت المرشدة زيارتها مقام الشيخ خلف الأثري، ثم مقام الشيخ المُغربي.

وخلال الحديث مع الشباب والشابات، لمستُ مدى حاجتهم إلى التعرّف على تاريخ بلدتهم ومعالمها وعادات أهلها وتقاليدهم. ولفت انتباهي أن بعض ما نُقل إليهم في زيارات سابقة ظلّ محصورًا في حكايات وخرافات كنّا نسمعها ونردّدها ونحن أطفال، من دون التمييز بين الموروث الشعبي وما تسنده الوثائق التاريخية.

وللحكايات الشعبية مكانتها في ذاكرتنا، فهي تعبّر عن جانب من حياة أهلنا ومعتقداتهم، لكن معرفة تاريخ المكان تستدعي أيضًا العودة إلى الأبحاث والمستندات، ومقارنة الروايات، والتفريق بين المعلومة الموثّقة والحكاية المتوارثة.

ومن المصادر المهمة في هذا المجال كتاب الدكتور محمد عقل “المفصّل في تاريخ وادي عارة، من بداية العهد الكنعاني إلى نهاية العهد العثماني: الجذور والعائلات والمواقع”، الصادر عام 2004، الذي يقدّم معلومات عن هذين المقامين وغيرهما من معالم المنطقة.

الشيخ خلف: بين التوثيق والرواية الشعبية

يقع مقام الشيخ خلف في القسم الجنوبي من مقبرة عرعرة. ويورد الدكتور محمد عقل معلومات عن هويته ونسبه وصلته بالبلدة، مشيرًا إلى أن نسبه “يعود الى دار البَرّي، وهي حمولة أصلها من كفر راعي ويقطن أبناؤها، حالياً في يعبد الفريديس”. (ص 428)

إسم العائلة اليوم عائلة بريّة.

ويذكر أن دفنه في عرعرة كان “بناء على وصية منه” ، ويضيف: “وقد جاء أقاربه من الفريديس وبنوا حول قبره مقاماً…”.

كما ينقل رواية عن كبار السن في عرعرة، تفيد بأنه عمل راعيًا، و”كان رجلاً صالحاً وصاحب كرامات وعلامات ربّانيّة، وتوفاه الله في عرعرة فجاء أقاربه من الفرديس وبنوا له مقاماً”. (ص 428)

وفي الأدب، تناول الكاتب يوسف جمّال الحكايات المرتبطة بالمقام في قصته “الشيخ خلف والمَدَد”، مشيرًا، في سياقها القصصي، إلى أن الشيخ خلف عاش في عرعرة حتى وفاته، “فبنى له أهل البلد مقاماً، في المقبرة الواقعة على سفح جبل الخطاف الذي تقع عليه القرية، وما زال صامداً في مكانه حتى اليوم”.

وهنا ينبغي قراءة النص الأدبي في سياقه، بوصفه معالجة قصصية للموروث الشعبي، مع إبقاء التمييز بينه وبين البحث التاريخي القائم على فحص المصادر والروايات.

مقام الولي محمد المُغربي

يقع مقام الشيخ المُغربي في حارة الباطن بعرعرة. ويشير الدكتور محمد عقل إلى أن أهالي البلدة لا يعرفون شيئًا عن اسمه، ثم يوضح:

“استناداً الى ما ورد في أحد سجلات المحكمة الشرعية في حيفا، يمكننا أن نقرر أن إسمه هو محمد المغربي ويبدو أنه كان ينتمي إلى الحركة الصوفية المسماة بالقادرية، أو الى حمولة زيد الكيلاني..”. (ص 431)

وتفتح هذه الإشارة الوثائقية بابًا لمعرفة صاحب المقام، مع الانتباه إلى أن انتماءه إلى القادرية أو إلى حمولة زيد الكيلاني ورد بصيغة الترجيح.

دعوات الاستسقاء وذاكرة القرية

كانت للشيخ المُغربي مكانة خاصة في الوجدان الشعبي لأهالي عرعرة. وارتبط مقامه بالدعاء لشفاء مريض أو الوفاء بنذر، كما ارتبط بمسيرات الاستسقاء حين تنحبس الأمطار ويشحّ الماء.

وفي وصف هذه العادات، يكتب الدكتور محمد عقل:

“إعتاد رجال القرية زيارة المكان عند إحتباس الأمطار حيث دقّوا العدّة وصلوا صلوات الإستسقاء، أما النساء فكنّ يتجمعن في ساحة العين، أو ساحة المسجد القديم، ثم يجبن شوارع القرية وطرقاتها حتى يصلن إلى قبر سيدنا المُغربي، يتقدّمهن الأطفال والصبية وهن يرددن الأغاني التالية”:

سيدي المُغربي بْنِسْتَرجيكْ

رَشْقِ المطر يعبر بيك

وإحنا بنتوجه عليك

وإنتي توجه على الله

يا رب ما هو بطر

بنطلب منك المطر

يا رب ما هي غِيّه

بنطلب منك الميه

يا رب مطر مطر

حتى نسقي هالبقر

(ص 432)

تختزن هذه الأهازيج صورة من حياة القرية، حين كان المطر حاجة يومية يتعلّق بها الزرع والماشية ورزق العائلات. وفي كلماتها البسيطة نسمع قلق الناس من الجفاف، ورجاءهم بالماء والخير، ونستعيد مشهد النساء والأطفال وهم يجوبون طرقات عرعرة.

تاريخنا باقٍ… وصونه مسؤوليتنا

بين البحث التاريخي والرواية الشعبية والمعالجة الأدبية، تبقى هذه المقامات جزءًا مهمًا من تاريخنا العربي الفلسطيني وذاكرة بلداتنا. وصونها يحفظ معالم المكان، ويتيح للأجيال الجديدة أن تتعرّف على حياة من سبقوها.

ولا ننسى الاعتداء الذي تعرّض له مقام الشيخ خلف في 24 كانون الأول عام 2000، حين عاث فيه مجهولون تخريبًا. فهذا المقام جزء من تاريخ بلدتنا وشعبنا، وحمايته مسؤولية لا يجوز التهاون فيها.

أما مقام الشيخ المُغربي، فمن المؤسف أنه ما زال يعاني الإهمال. وقد شاركتُ، قبل نحو عام، في جلسة دعا إليها المجلس المحلي، وقدّمنا خلالها اقتراحات إلى فريق هندسي، واتُّفق على إعداد مخطّط لتحويل المساحة المحيطة بالمقام إلى حديقة تراعي حرمة المكان وتنسجم مع الحيّ السكني المحيط به. ومع ذلك، ما زال الوضع على حاله.

إن مسؤوليتنا، هيئاتٍ رسميةً وشعبيةً وأهالي، أن نحافظ على هذه الأماكن، ونصونها، ونوثّق تاريخها، ونعرّف أبناءنا وبناتنا بها. وما أحوجنا إلى جولات تربط الشباب ببلدتهم، وتفتح أمامهم باب السؤال والبحث والمعرفة.

وفي ظل استمرار انحباس الأمطار، تعود إلى الذاكرة كلمات الأطفال التي يوردها المصدر نفسه:

يا ربنا يا ربّنا

جيب المطر عَ بلادنا

هم الكبار اللي أذنبوا

وإحنا الصغار شو ذنبنا

طلبنا اللقمه من أمنا

ضربتنا على ثِمّنا

(ص 432)

كلمات تحمل رجاء الصغار ووجع الحاجة، وتعيد إلينا أصوات أهلنا في طرقات القرية. ومع هذا الرجاء، نرفع الدعاء:

اللهم اسقِ بلادنا غيثًا نافعًا، تُحيي به الأرض، وتروي به الزرع، وترحم به الناس. اللهم اجعله مطر خير وبركة، وأدم على أهلنا نعمة الماء والرزق والأمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة