السويداء… حين لا تنتهي المأساة بصمت الرصاص
بقلم كمال إبراهيم
تاريخ النشر: 04/10/26 | 8:22
قد يصمت الرصاص، لكن ذلك لا يعني دائمًا أن المأساة انتهت. فهناك جراح تبدأ بالظهور بعد هدوء الأحداث، حين يعود الإنسان إلى منزله ويكتشف أن استعادة الحياة أصعب بكثير من مجرد النجاة.
في السويداء، لا يمكن النظر إلى ما بعد العنف بوصفه صفحة منفصلة عما حدث. فالخوف الذي دخل البيوت لا يخرج منها سريعًا، والفقد يترك أثره في العائلات، والقلق على المستقبل يتحول إلى جزء من تفاصيل الأيام. وبين كل ذلك يحاول الناس أن يفعلوا أبسط الأشياء وأكثرها أهمية: أن يعيشوا.
الحياة بعد الأزمات لا تحتاج إلى الأمن وحده، على أهميته، بل تحتاج أيضًا إلى مقومات تجعل البقاء ممكنًا. الماء والكهرباء والدواء والغذاء والاتصالات ليست خدمات يمكن تأجيل الحديث عنها، بل هي أساس الاستقرار اليومي وشرط أساسي لاستعادة شيء من الحياة الطبيعية.
فالأسرة التي نجت من الخطر تحتاج إلى أن تجد الماء في منزلها، والمريض يحتاج إلى دوائه، والطالب يحتاج إلى مدرسته ووسائل التواصل مع عالمه، والعامل يحتاج إلى فرصة للعودة إلى عمله ومصدر رزقه. وهكذا يصبح إصلاح تفاصيل الحياة نوعًا آخر من مواجهة آثار المأساة.
لكن المسألة لا تتوقف عند الخدمات.
هناك أيضًا الإنسان من الداخل. هناك من فقد شخصًا عزيزًا، ومن عاش ساعات من الخوف، ومن أصبح ينظر إلى الغد بقلق. وهذه جراح لا تظهر بالضرورة في الصور ولا تحضر دائمًا في الأخبار، لكنها تبقى حقيقية في حياة أصحابها.
لهذا فإن التعافي ليس مجرد عودة الكهرباء إلى منزل أو فتح طريق أو استئناف خدمة. التعافي الحقيقي هو أن يستعيد الإنسان شعوره بالأمان، وأن تستطيع الأسرة التفكير في المستقبل، وأن يعود الأطفال إلى مدارسهم وهم يحملون كتبهم بدل أن يحملوا الخوف، وأن تستعيد الأسواق والشوارع والبيوت وظيفتها الطبيعية بوصفها أماكن للحياة.
المشكلة أن الاهتمام بالمناطق المنكوبة كثيرًا ما يبلغ ذروته أثناء الأحداث، ثم يبدأ بالتراجع عندما تهدأ الأخبار. بالنسبة إلى السكان، قد تبدأ المرحلة الأصعب عندما تغادر الكاميرات ويتراجع الاهتمام، بينما تبقى الأسئلة اليومية معلقة: كيف نعيش؟ كيف نعيد بناء ما فقدناه؟ ومتى يعود الاستقرار؟
السويداء لا تحتاج إلى الشفقة بقدر ما تحتاج إلى أن يبقى الإنسان في قلب أي حديث عن مستقبلها. حقه في الأمن، وفي الخدمات، وفي التعليم والعمل والعلاج، وفي أن يعيش داخل منزله بكرامة، يجب أن يكون أساس أي طريق نحو التعافي.
لأن نهاية العنف ليست بالضرورة نهاية المأساة.
النهاية الحقيقية تبدأ عندما يعود الناس إلى حياتهم، وتستعيد البيوت طمأنينتها، والمدارس طلابها، والأسواق حركتها بالرخص ، وحين يصبح التفكير في الغد مرتبطًا بالأمل بدل الخوف.
عندها فقط يمكن القول إن المجتمع بدأ يتجاوز جراحه.
أما قبل ذلك، فالمأساة لم تنتهِ بعد.



