إسهال الشعارات وإمساك الأفعال: كيف يُنقذ الشارع العربي أحزابه من التآكل؟
بقلم: فخري هوّاش البروة / جديدة المكر
تاريخ النشر: 03/10/26 | 16:54
تعيش الجماهير العربية في الداخل اليوم واحدة من أعقد مراحل النضال السياسي؛ مرحلة يتداخل فيها التغول الحكومي الممنهج لليمين الإسرائيلي لتصفية الوجود العربي، مع تراجع وبنيوية الأداء الحزبي والنخبوي. ومع إسدال الستار على أزمة شطب رئيس حزب التجمع سامي أبو شحادةبقرار طوعي مرير وضغط قضائي غير رسمي من محكمة العدل العليا.
برزت مجدداً التساؤلات العميقة حول جدوى أدواتنا الحالية، لتعيد تذكيرنا بالمعادلة القاتلة: “إسهال في المنظرين، وإمساك في العاملين”.
خطوة أبو شحادة: عقلانية “الفعل” في زمن الشعارات
في بيئة سياسية اقتاتت عقوداً على العناد الأيديولوجي والخطابات الرنانة، جاءت خطوة أبو شحادة بسحب ترشحه كـ فعل سياسي عقلاني وتنفيذي بامتياز. أدرك الرجل ببراغماتية واعية أن الإصرار على نيل قرار شطب رسمي من قضاة العليا سينتج سابقة قضائية تخنق العمل السياسي العربي بأكمله مستقبلاً. آثر التضحية بالذات لحماية الهيكل، مقدماً نموذجاً نادراً للعمل الواقعي على حساب الوجاهة البرلمانية.
في المقابل، جاء رد فعل بقية القيادات غارقاً في طوفان تنظيري وبلاغي؛ بيانات مستهلكة تبرع في تشخيص “الفاشية” وعقم الميدان، يقابلها خضوع تام لقواعد اللعبة التي تفصلها أدوات الدولة. وتجلى العقم في تحول الفضاء الرقمي ومنصات التواصل إلى ساحة حرب وتصفية حسابات ومناكفات بينية مخجلة، انشغلت في تخوين متبادل ومحاصصة المقاعد، بدلاً من توجيه السهام نحو السلطة؛ مما عزز حالة الإحباط واللامبالاة لدى الناخب العربي وعمق “المقاطعة المستترة”.
معركة الصناديق: رفع نسبة التصويت كأداة ردع جماعية
أمام هذا التحدي، تصبح المغادرة نحو مربع اليأس والمقاطعة بمثابة انتحار سياسي وهدية مجانية لليمين الفاشي. إن الرد الحقيقي على محاولات شطب أبو شحادة وإقصاء الصوت العربي لا يكون بالانكفاء، بل بتحويل الغضب الجماعي إلى قوة تصويتية هائلة.
إن رفع نسبة التصويت في الشارع العربي يتجاوز فكرة “منح الشرعية للكنيست”؛ إنه أداة الردع السياسية الوحيدة المتاحة لحماية الوجود، وإفشال مخططات اليمين الرامية لتقليص وزننا السياسي وتحويلنا إلى ملاحق هامشية. النزول إلى الصناديق في هو إعلان بقاء صاخب يثبت للدولة ومحاكمها أن الشرعية تُستمد من الحاضنة الشعبية لا من أروقة القضاء الإسرائيلي.
نحو قاعدة بنيوية جديدة: ضبط العلاقة بين القاعدة ورأس الهرم
إن إنقاذ العمل السياسي من “إسهال التنظير” يتطلب ثورة هيكلية في بنية الأحزاب العربية؛ فالأزمة ليست في الفكرة بل في التنظيم. نحن بحاجة ماسة لـ بناء قاعدة بنيوية جديدة تضبط العلاقة بين القاعدة الشعبية ورأس الهرم الحزبي وفق المحددات التالية:
● مأسسة المحاسبة وتفعيل الرقابة: يجب ألا يظل القيادي أو النائب في مأمن من المساءلة حتى الدورة الانتخابية التالية. تحتاج الأحزاب إلى مجالس رقابية منتخبة من القواعد تملك صلاحية سحب الثقة، ومحاسبة النواب على أدائهم الميداني والبرلماني بانتظام.
● الديمقراطية التشاركية لا النخبوية: إنهاء عقلية “المكتب السياسي المغلق” والانتقال إلى صناعة القرار التشاركي عبر استفتاء القواعد الشعبية في القرارات المصيرية (كالتحالفات، أو الانسحابات، أو الموقف من التوصيات).
● الاستثمار في الكوادر الميدانية: تحويل فروع الأحزاب في البلدات العربية من مكاتب موسمية لتعليق اليافطات إلى مراكز حيوية للتطوير والعمل الاجتماعي، حيث يتم تصعيد القيادات بناءً على حجم إنجازها الميداني (في مواجهة الجريمة، الأرض، والمسكن) وليس لغتها الخطابية.
خاتمة
لم تعد الجماهير العربية بحاجة إلى محللين سياسيين يشرحون لها حجم الظلم؛ فالجرح نازف ومكشوف. إن خطوة سامي أبو شحادة يجب أن تكون نقطة تحول: نهاية زمن “الظاهرة الصوتية”، وبداية هندسة بديل سياسي متين. إن الانتقال من “أمة تتقن الكلام” إلى “أمة تتقن البناء” يبدأ من صياغة عقد اجتماعي وحزبي جديد، يعيد الاعتبار للعاملين في الميدان، ويجعل من صندوق الاقتراع حصناً أخيراً لكرامة هذا الشعب وجوده.
________________________________________



