هل سيأتي يوم نرى فيه بطريركًا عربيًّا أرثوذكسيًّا في البلاد ؟

بقلم: زهير دعيم

تاريخ النشر: 03/10/26 | 11:05

سؤال يراودني منذ زمن بعيد ، وربّما يراود كثيرين من أبناء كنيستنا الأرثوذكسية العربية في هذه البلاد:
نعم واسأل بالفم الملآن ، هل سيأتي يوم نرى فيه بطريركًا عربيًا أرثوذكسيًا يتربّع على كرسي البطريركية في اورشليم ، في أرض المسيح ومهد المسيحية ؟ أم أنّ هذا الحلم سيبقى مؤجّلًا جيلًا بعد جيل ؟
لسنا نطرح هذا السؤال انتقاصًا من أحد ، ولا رغبةً في إقصاء شعب أو قومية ، فالمسيحية رسالة محبة وأخوّة لكل العالم ، والكنيسة بيت الله المفتوح أمام الجميع ، بعيدًا عن اللغة والأصل والجنسية.
لكنّنا نطرحه انطلاقًا من حقّنا في أن نتساءل عن العدالة والشراكة، وعن مستقبل كنيستنا التي نعتزّ بها ونعتبرها جزءًا أصيلًا من تاريخنا وهويّتنا ووجودنا في هذه الأرض المقدّسة.
لقد عاش العرب المسيحيون الأرثوذكس ( علمًا انّني اعتبر نفسي مسيحيًّا قبل ان أكون ارثوذكسيًّا ) نعم عاش العرب المسيحيون الأرثوذكس في هذه البلاد أجيالًا طويلة ، وبنوا الكنائس ، وعمّروا الأديرة ، وحافظوا على الإيمان ، وأسهموا في صوْن الحضور المسيحيّ رغم كلّ الصعوبات. وقد قدّم كثيرون من أبنائهم وأجدادهم أراضي وممتلكات وأوقافًا للكنيسة ، إيمانًا منهم برسالتها ، وثقةً بأنّ هذه الممتلكات ستبقى أمانةً في خدمة المؤمنين والأجيال القادمة .

لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إلى أيّ مدى يشارك أبناء الكنيسة العرب في إدارة شؤونها واتخاذ القرارات المصيرية المتعلّقة بمستقبلها ؟
إنّ ملفّ الأراضي والممتلكات الكنسية ، وما أُثير حول عقود الإيجار الطويلة والتصرّف في بعض العقارات ، ليس أمرًا هامشيًا يمكن تجاوزه بالصمت. فقد تناولت دراسات أكاديمية موثّقة الخلافات التي نشأت بين قيادة البطريركية اليونانية وأبناء الرعية العرب بشأن إدارة العقارات وحقوق الجماعة المحلية.
وهنا لا بدّ من التأكيد أنّ ممتلكات الكنيسة ليست مجرّد عقارات وأرقام في دفاتر الحسابات ؛ إنّها أمانة تاريخية وروحية ، ارتبطت بتضحيات أجيال من المؤمنين ، ومن حقّ أبناء الكنيسة أن يعرفوا كيف تُدار هذه الأمانة ، وما مصيرها، ولأيّ غاية تُستثمر.
… إنّ الشفافية والمساءلة ليستا انتقاصًا من مقام رجال الدين ، بل هما من صميم الأمانة التي تفرضها المسؤولية الروحية والأخلاقية.
لسنا ضدّ إخوتنا اليونانيين ، ولسنا دعاة خصومة أو انقسام ؛ إنّما نحن مع العدالة ومع شراكة حقيقية تحفظ كرامة أبناء الكنيسة العرب ودورهم .
فالمحبة لا تعني الصمت عن القضايا التي تمسّ مستقبلنا ، والوحدة لا تعني أن يبقى فريق صاحب القرار، فيما يكتفي الآخرون بالمشاهدة والانتظار.
ومن هنا، فإنّ مطلبنا لا ينبغي أن يقتصر على السؤال عن جنسية البطريرك المقبل ، بل يجب أن يمتدّ إلى إصلاح العلاقة بين القيادة الكنسية والرعية، وتوسيع مشاركة المؤمنين العرب في إدارة شؤون الكنيسة ، وضمان الشفافية في التصرّف بأملاكها ، وإتاحة الفرصة أمام الكفاءات الروحية العربية لتصل إلى مواقع القيادة وفقًا للأصول الكنسية.
أليس من حقّنا أن نحلم ببطريرك عربي يعرف لغتنا ، ويحمل هموم أهلنا ، ويعيش أفراحهم وأحزانهم ، ويشعر بنبض قراهم ومدنهم ، ويصغي إلى شبابهم ومؤمنيهم؟
بطريرك يكون جسرًا للمحبة بين الجميع ، ويحفظ للكنيسة رسالتها الروحية ، ويصون أملاكها وحقوقها ، ويعمل على تثبيت الحضور المسيحي في الأرض التي سار عليها الربّ يسوع المسيح كما حدث في انطاكية ( سوريا عام 1899 ) حين انتخب البطريرك ميخائيل موسى الدوماني .
إنّني أؤمن بأنّ الكنيسة لا تقبل بإقصاء أبنائها، بل باحتضانهم ، ولا تحافظ على وحدتها بتهميش فئة منهم ، بل بإشراك الجميع في حمل الأمانة. فالمؤمن العربي ليس ضيفًا على كنيسته ، ولا غريبًا عن تاريخها ، بل هو ابنها وشريك في حاضرها ومسؤول عن مستقبلها.
فهل سيأتي يوم نرى فيه بطريركًا عربيًا أرثوذكسيًا في اورشليم، يقود الكنيسة بروح الإنجيل والمحبة والعدالة ؟ أم سنظلّ نحلم، فيما تمرّ السنوات وتتوالى الأجيال ؟

… إنّه سؤال أطرحه بمحبة لا بكراهية ؛ ومن منطلق الغيّرة على كنيستنا ، لا برغبة في هدمها. وكلّي أمل أن يأتي يوم يصبح فيه هذا الحلم موضوع حوار جادّ ومسؤول، يفضي إلى خطوات عملية تحفظ حقوق المؤمنين وتصون وحدة الكنيسة وكرامتها.

فكنيستُنا هي بيتُنا وتاريخُنا وأمانة أجدادنا… ومن حقّنا أن نسأل عن مستقبلها ، ومن واجبنا أن نعمل من أجل أن يكون هذا المستقبل أكثر عدلًا وشراكةً وشفافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة