من منطقُ العنفِ إلى منطقِ الإنسان: كيف نخرجُ من دائرةِ الدمِ والكراهية؟

الكاتب الباحث الدكتور رافع حلبي – دالية الكرمل

تاريخ النشر: 02/10/26 | 18:46

ليستِ المشكلةُ في الشَّرقِ الأوسط أنَّ النّاسَ لا يعرفون كيف يختلفون، فالاختلافُ سُنَّةٌ من سُننِ الحياة، ولا يمكن لمجتمعٍ بشريٍّ أن يعيشَ من دون تعدُّدٍ في الآراء والمصالح والهويّات والرُّؤى، إنَّ المشكلةَ الحقيقيَّةَ تبدأُ عندما يتحوَّلُ الاختلافُ من حالةٍ طبيعيَّةٍ بين البشر إلى مبرِّرٍ لإلغاء الآخر، وعندما يتحوَّلُ الدِّينُ إلى أداةٍ لتكفيره، والقوميَّةُ إلى وسيلةٍ لاحتقاره، والسّياسةُ إلى ذريعةٍ لقتله، والتّاريخُ إلى مخزنٍ مفتوحٍ للثَّأر، ومن هنا، فإنَّ الطّريقَ إلى فهمِ مآسي الشَّرقِ الأوسط لا يمرُّ عبر اختيارِ شعبٍ واحدٍ ليكون مذنبًا بصورةٍ جماعيَّة، ولا عبر تبرئةِ شعبٍ آخر بصورةٍ مطلقة، فالإنسانُ لا يرثُ جريمةَ غيره، ولا يحملُ ذنبَ قومه أو دينه أو طائفته، وإنَّما يجبُ أن تتبعَ المسؤوليةُ الفعلَ ومرتكبَه، لا الهويَّةَ الّتي وُلد فيها الإنسان.

إنَّ المشكلةَ المركزيَّةَ الّتي ينبغي أن نضعَ أيدينا عليها ليست تعدُّدَ الأديانِ والقوميّاتِ والطَّوائفِ، فالتّعدُّدُ في ذاته ليس مرضًا اجتماعيًّا ولا خطرًا على الإنسان، بل إنَّ الخطرَ يبدأُ عندما تتحوَّلُ الهويَّةُ من إطارٍ لتعريفِ الإنسانِ بذاته إلى أداةٍ لإلغاء الآخر، وعندما يصبحُ الانتماءُ سببًا للحكمِ على الإنسان قبل أن نعرفَ أفعالَه ومواقفَه ومسؤوليَّتَه الفرديَّة، فعندما يُقالُ للإنسان: أنتَ مذنبٌ لأنَّك يهوديٌّ، أو لأنَّك مسيحيٌّ، أو لأنَّك مسلمٌ، أو لأنَّك عربيٌّ، أو لأنَّك فلسطينيٌّ، أو لأنَّك إسرائيليٌّ، أو لأنَّك شيعيٌّ، أو لأنَّك سُنِّيٌّ، أو لأنَّك تنتمي إلى هذه الطَّائفةِ أو تلك، فإنَّنا نكونُ قد انتقلنا من منطقِ المسؤوليةِ إلى منطقِ الهويَّة، ومن منطقِ القانونِ إلى منطقِ الثَّأر، وهنا تبدأُ المأساة.

كشفت أحداثُ السنواتِ الأخيرة، ولا سيَّما هجومُ السَّابعِ من أكتوبر وما أعقبه من حربٍ ودمارٍ ومعاناةٍ هائلة، عن حجمِ الانهيارِ الّذي أصابَ قدرةَ الأطرافِ المتصارعةِ على رؤيةِ الإنسانِ في الطّرفِ الآخر، فقتلُ المدنيّين وخطفُهم وإرهابُهم لا يمكنُ أن يصبحَ مشروعًا سياسيًّا مقبولًا، كما أنَّ معاناةَ المدنيّين لا تتحوَّلُ إلى أمرٍ مباحٍ لمجرَّد أنَّهم ينتمونَ إلى الطّرفِ المقابل، وهنا يجبُ أن يكونَ المبدأُ واضحًا لا يحتملُ المساومة: الجريمةُ لا تصبحُ حقًّا لأنَّها ارتُكبت باسمِ قضيَّةٍ عادلة، والضحيَّةُ لا تفقدُ إنسانيَّتَها لأنَّها تنتمي إلى الطرفِ الّذي نختلفُ معه.

إنَّني، بوصفِي مواطنًا أعتزُّ بدولةِ إسرائيلَ وأراها دولتي ومجتمعي، أؤمنُ بحقِّ مواطنيها في الأمنِ والحياةِ والكرامة، وأرى أنَّ حمايةَ الدّولةِ لمواطنيها ليست ترفًا سياسيًّا، بل مسؤوليَّةٌ أساسيَّة، لكنَّني أؤمنُ في الوقتِ نفسه بأنَّ قوَّةَ الدّولةِ لا تُقاسُ فقط بقدرتِها على الانتصارِ العسكري، وإنَّما كذلك بقدرتِها على حمايةِ قيمةِ الإنسانِ حتّى في أكثرِ اللحظاتِ قسوة، وهذا المبدأُ لا ينتقصُ من إسرائيلَ، بل على العكس، إنَّ الدّولةَ الّتي تؤمنُ بسيادةِ القانونِ وقيمةِ الإنسانِ تكونُ أقوى عندما تجعلُ القانونَ معيارًا ثابتًا، لا أداةً انتقائيَّة، ومن الأخطاءِ الكبرى الّتي يجبُ أن نتجاوزَها أن نضعَ حركةَ حماسَ والشّعبَ الفلسطينيَّ في خانةٍ واحدة، فيمكنُ للمرءِ أن يكونَ شديدَ النّقدِ لحماسَ، وأن يرفضَ أيديولوجيَّتَها وأفعالَها وهجومَها على المدنيّين، وأن يطالبَ بمحاسبةِ المسؤولينَ عن الجرائمِ، من دون أن يجعلَ ذلك سببًا لاعتبارِ كلِّ فلسطينيٍّ مسؤولًا عن أفعالِ الحركة، وبالمثل، لا يجوزُ أن يُنظرَ إلى كلِّ إسرائيليٍّ باعتباره مسؤولًا عن كلِّ قرارٍ تتَّخذه حكومتُه، فالقاعدةُ الإنسانيَّةُ بسيطة: لا تُحاسبْ شعبًا على جريمةِ تنظيم، ولا تُجرِّمْ فردًا بسببِ هويَّتِه، ولا تجعلِ الدِّينَ أو القوميَّةَ دليلَ إدانة.

من أجلِ الخروجِ من الفوضى الأخلاقيَّةِ والسّياسيَّةِ الّتي تحكمُ كثيرًا من النّقاشاتِ في منطقتِنا، لا بدَّ من التّمييزِ بين أربعةِ مستوياتٍ مختلفةٍ من المسؤوليَّة، فالفردُ يُحاسَبُ على فعلِه الّذي ارتكبَه أو شاركَ فيه، لا على نسبِه أو دينِه أو قوميَّتِه، والتّنظيمُ المسلَّحُ أو السّياسيُّ يتحمَّلُ مسؤوليَّةَ قراراتِه وأعمالِه وأوامرِه، ولا يجوزُ نقلُ تلكَ المسؤوليَّةِ إلى جميعِ أفرادِ الشّعبِ أو الطّائفةِ الّتي ينتمي إليها، والسُّلطةُ السّياسيَّةُ تُسألُ عن قراراتِها وسياساتِها واستخدامِها للقوَّةِ ومدى التزامِها بالقانون، أمَّا المجتمعُ، فلا يعني تحمُّلُه مسؤوليَّةً مدنيَّةً وأخلاقيَّةً أن نحمِّلَه جرائمَ أفرادِه وتنظيماتِه، بل يعني مسؤوليَّتَه في مقاومةِ التَّحريضِ والكراهيةِ وحمايةِ قيمِ التّعايشِ وسيادةِ القانون، إنَّ هذا التّمييزَ ضروريٌّ، لأنَّ غيابَه يؤدِّي إلى أخطرِ أنواعِ الظُّلم، وهو تحويلُ مسؤوليَّةِ الفاعلِ إلى هويَّةِ الجماعةِ كلِّها.

حين نتحدَّثُ عن التَّطرُّف، فلنكن صريحين، فلا يجوزُ إنكارُ وجودِ تيّاراتٍ إسلاميَّةٍ متطرِّفةٍ مارستِ العنفَ باسمِ الدِّين، ولا تجاهلُ الجرائمِ الّتي ارتكبتها تنظيماتٌ جهاديَّةٌ مختلفةٌ خلال العقودِ الأخيرة، لكنَّه لا يجوزُ كذلك تحويلُ هذه الحقيقةِ إلى حكمٍ على الإسلامِ والمسلمين جميعًا، فالخلطُ بين الإسلامِ بوصفِه دينًا، وبين تفسيرٍ سياسيٍّ أو أيديولوجيٍّ للإسلام، وبين تنظيمٍ مسلَّحٍ يتبنَّى ذلك التّفسيرَ، خطأٌ منهجيٌّ قبل أن يكونَ خطأً سياسيًّا، والأمرُ نفسُه ينطبقُ على سائرِ الأديانِ والقوميّات، فالإنسانُ اليهوديُّ ليس مسؤولًا عن قرارٍ سياسيٍّ اتَّخذَه رئيسُ حكومتِه، والمسيحيُّ ليس مسؤولًا عن جريمةٍ ارتكبها تنظيمٌ مسيحيٌّ، والمسلمُ ليس مسؤولًا عن جريمةٍ ارتكبها تنظيمٌ إسلاميٌّ، والعربيُّ ليس مسؤولًا عن فعلِ عربيٍّ آخر، والدرزيُّ أو الكرديُّ أو الإيزيديُّ أو العلويُّ أو التّركمانيُّ لا يحملُ وزرَ أحدٍ لمجرَّد اشتراكِه معه في الهويَّة، إنَّ نقلَ المسؤوليَّةِ من الفاعلِ إلى الجماعةِ هو أحدُ جذورِ الكراهيةِ الّتي صنعت تاريخَ المنطقة، وهنا نصلُ إلى قاعدةٍ أراها من أهمِّ القواعدِ الّتي يجبُ أن تحكمَ مستقبلَ منطقتِنا: العدالةُ الّتي تتغيَّرُ بتغيُّرِ هويَّةِ الجاني ليست عدالةً، وإنَّما انحيازٌ مقنَّع، فإذا قتلَ فلسطينيٌّ مدنيًّا إسرائيليًّا، فالقتلُ جريمةٌ، وإذا قتلَ إسرائيليٌّ مدنيًّا فلسطينيًّا بغيرِ حقٍّ، فالقتلُ جريمةٌ، وإذا مارسَ تنظيمٌ إسلاميٌّ الإرهابَ، وجبَ رفضُ الإرهاب، وإذا مارسه تنظيمٌ من أيِّ أيديولوجيَّةٍ أخرى، وجبَ رفضُه بالمقياسِ نفسِه، وإذا ارتكبَ فردٌ جريمةً، فلا ينبغي أن يصبحَ دينُه أو قوميَّتُه درعًا يحميه، كما لا ينبغي أن يصبحَ انتماؤُه ذريعةً لإدانةِ أبناءِ جماعتِه، إنَّ المعيارَ الّذي نطلبُ تطبيقَه على خصومِنا يجبُ أن نقبلَه على أنفسِنا أيضًا، وإلَّا تحوَّلت الأخلاقُ إلى أداةٍ دعائيَّة، وتحولَ القانونُ إلى سلاحٍ في يدِ الأقوى، فنحنُ لا نحتاجُ إلى عدالةٍ لليهودِ وأخرى للعربِ، ولا إلى عدالةٍ للمسلمينَ وأخرى لغيرِ المسلمين، نحنُ بحاجةٍ إلى عدالةٍ واحدةٍ للإنسان، ولا يمكنُ فهمُ الصّراعِ الإقليميِّ من دون النّظرِ إلى الدّورِ الإيراني، وإلى تنافسِ القوى الإقليميَّةِ على النُّفوذ، وإلى استخدامِ التّنظيماتِ المسلَّحةِ والفاعلينَ من غيرِ الدّولِ في صراعاتٍ تتجاوزُ حدودَ الدّول، لكنَّ معالجةَ هذه المشكلةِ لا تكونُ بتحويلِ الصّراعِ إلى حربٍ دينيَّةٍ بين السُّنَّةِ والشِّيعة، ولا باعتبارِ كلِّ شيعيٍّ مسؤولًا عن سياسةِ الجمهوريَّةِ الإسلاميَّةِ الإيرانيَّة، ومرةً أخرى يجبُ أن نعودَ إلى القاعدةِ ذاتِها: نحاسبُ الدّولةَ على سياستِها، والتّنظيمَ على أفعالِه، والقائدَ على قراراتِه، والفردَ على جريمتِه، ولا نحاسبُ الإنسانَ على ولادتِه.

حين نناقشُ جماعةَ الإخوانِ المسلمينَ في مصر، ينبغي ألّا نكتفيَ بالشّعاراتِ، فقد دخلت مصرُ بعد عامِ 2013 مرحلةً شديدةَ الاضطراب، واتَّخذتِ الدّولةُ إجراءاتٍ واسعةً ضدَّ جماعةِ الإخوانِ المسلمينَ وأنصارِها، وصُنِّفت الجماعةُ إرهابيَّةً من جانبِ السُّلطاتِ المصريَّة، وفي المقابل وُجِّهت إلى الدّولةِ انتقاداتٌ حقوقيَّةٌ واسعةٌ بشأن الاعتقالاتِ والمحاكماتِ الجماعيَّةِ وأحكامِ الإعدامِ وغيرها من الإجراءات، والدّرسُ الذي ينبغي أن نستخلصَه من هذه التّجربةِ ليس أنَّ «القوَّةَ وحدَها تحلُّ المشكلة»، بل إنَّ الدّولةَ تحتاجُ إلى الجمعِ بين الأمنِ والقانونِ والعدالة، فالإرهابُ لا يُواجَهُ بالتّساهل، لكنَّه كذلك لا يُهزَمُ بصورةٍ مستدامةٍ إذا أصبحتِ العدالةُ نفسُها موضعَ شكٍّ، والدّولةُ القويَّةُ ليست الدّولةَ الّتي تستطيعُ أن تعاقبَ أكثر، وإنَّما الدّولةُ الّتي تستطيعُ أن تفرضَ القانونَ بقوَّةٍ وأن تحافظَ في الوقتِ ذاتِه على شرعيَّتِه، وإذا انتقلنا إلى السّويداءِ، فإنَّ المأساةَ هناك تؤكِّدُ أنَّ المجتمعَ الّذي يعيشُ تحت ضغطِ السّلاحِ والكراهيةِ والهويَّةِ المغلقةِ يمكنُ أن ينزلقَ بسرعةٍ من الخلافِ السّياسيِّ إلى العنفِ المجتمعي، وأهلُ السّويداءِ، مثلُ أيِّ جماعةٍ مدنيَّةٍ، لهم الحقُّ في الحياةِ والأمنِ والكرامة، ولا يجوزُ أن يصبحَ الانتماءُ الطّائفيُّ أو القوميُّ أو السّياسيُّ سببًا لإهدارِ الدّم، وهنا ينبغي أن نرفضَ المبدأَ الخطيرَ الّذي يقولُ: «لقد فعلوا بنا ذلك، ولذلك يحقُّ لنا أن نفعلَ بهم الشّيءَ نفسَه»، فهذا ليس عدلًا، وإنَّما هو توارثٌ للجريمة، فإذا قتلَ إنسانٌ إنسانًا، ثم قتلَ آخرُ قاتلَه انتقامًا، ثم جاء ثالثٌ لينتقمَ من الثّاني، فلن تنتهيَ السّلسلةُ أبدًا، وما يُسمَّى في بدايتِه «ثأرًا» يتحوَّلُ مع الزّمنِ إلى نظامٍ اجتماعيٍّ للكراهيةِ، وإذا أردنا أن نخرجَ من دائرةِ الصّراعِ، فلا يكفي أن نقولَ ماذا نؤيِّد، بل علينا أيضًا أن نحدِّدَ بوضوحٍ ما نرفضُه، مهما كان الفاعلُ ومهما كانت هويَّتُه، نرفضُ قتلَ المدنيّين، ونرفضُ خطفَهم واحتجازَهم وإذلالَهم، ونرفضُ الاغتصابَ والعنفَ الجنسيَّ والتّعذيب، ونرفضُ الإرهابَ واستهدافَ الأبرياءِ، ونرفضُ التَّحريضَ على قتلِ اليهودِ أو العربِ أو المسلمينَ أو المسيحيينَ أو الأكرادِ أو الدّروزِ أو العلويينَ أو التّركمانِ أو الإيزيديِّينَ أو أيِّ جماعةٍ بشريَّةٍ أخرى، نرفضُ معاداةَ اليهودِ بسببِ يهوديَّتِهم، كما نرفضُ معاداةَ العربِ بسببِ عروبتِهم، ونرفضُ معاداةَ المسلمينَ بسببِ إسلامِهم، ونرفضُ العقابَ الجماعيَّ الّذي يجعلُ الإنسانَ يدفعُ ثمنَ جريمةٍ لم يرتكبْها، ونرفضُ تحويلَ الأطفالِ إلى ورثةٍ للكراهية، ونرفضُ أن تصبحَ الجرائمُ الّتي يرتكبُها طرفٌ ذريعةً لارتكابِ جرائمَ جديدةٍ من الطّرفِ الآخر، إنَّ رفضَنا للجريمةِ يجبُ أن يكونَ مطلقًا، لا انتقائيًّا.

أما الحلُّ، فلا يكونُ في مطالبةِ النّاسِ بأن يحبُّوا بعضَهم بعضًا بالقوَّة، فهذا غيرُ واقعي، ولا في إلغاء الاختلاف، فهذا مستحيل، ولا في مطالبةِ الضّحيَّةِ بأن تنسى جراحَها، فهذا غيرُ إنساني، إنَّ الحلَّ يبدأُ من بناءِ قواعدَ مشتركةٍ لإدارةِ الاختلاف:
– أوَّلُها قداسةُ الإنسانِ قبل قداسةِ الصّراع.
– ثانيها المسؤوليَّةُ الفرديَّةُ والقانونيَّةُ بدلَ المسؤوليَّةِ الجماعيَّة.
– ثالثُها رفضُ قتلِ المدنيِّين وخطفِهم وتعذيبِهم أيًّا كان الفاعلُ وأيًّا كانت هويَّتُه.
– رابعُها إخضاعُ القوَّةِ للقانونِ لا إخضاعُ القانونِ للقوَّة.
– خامسُها الفصلُ بين الدِّينِ والتّطرُّف، وبين الشّعبِ والتّنظيم، وبين الدّولةِ وحكومتِها، وبين المواطنِ والسّياسةِ الّتي لا يملكُ بالضّرورةِ سلطةَ صنعِها.
– سادسُها تربيةُ الأجيالِ الجديدةِ على التّفكيرِ النّقديِّ بدلَ توريثِها كراهيةَ الأسلاف.
– سابعُها إقامةُ نظامٍ إقليميٍّ يجعلُ الأمنَ المتبادلَ مصلحةً مشتركةً، بدلَ أن يبقى كلُّ طرفٍ مقتنعًا بأنَّ أمنَه لا يتحقَّقُ إلَّا بانعدامِ أمنِ الآخر.

إذا أردنا أن تتحوَّلَ هذه المبادئُ من أفكارٍ أخلاقيَّةٍ إلى مشروعٍ قابلٍ للحياة، فإنَّ الطّريقَ يحتاجُ إلى خمسِ مساراتٍ متوازية:

1. مسارِ التّعليمِ والوعي، بحيث يتعلَّمُ الطفلُ أنَّ المختلفَ عنه ليس عدوًّا بالفطرة، وأن يميِّزَ بين النقدِ والكراهية، وبين الاختلافِ والعداء، وبين الدِّينِ والتوظيفِ السياسيِّ للدِّين.
2. مسارِ سيادةِ القانون، فلا أمنَ دائمًا من دون قانون، ولا سلامَ مستدامًا من دون عدالة، وتكونُ الجرائمُ الكبرى خاضعةً للتّحقيقِ والمحاسبةِ وفقَ قواعدَ قانونيَّةٍ واضحةٍ بعيدًا عن الانتقامِ الجماعي.
3. مسارِ مكافحةِ التّطرُّف، من خلالِ مواجهةِ الأيديولوجيّاتِ الّتي تبرِّرُ قتلَ الأبرياءِ وتفكيكِ أفكارِها وتجفيفِ مصادرِ تجنيدِها وتمويلِها إلى جانبِ الإجراءاتِ الأمنيَّةِ والقانونيَّةِ المشروعة.
4. مسارِ حمايةِ المدنيِّين، بحيث تكونُ حمايةُ الإنسانِ قاعدةً لا تتغيَّرُ بتغيُّرِ موقعِه الجغرافيِّ أو هويَّتِه القوميَّةِ والدينيَّة.
5. مسارِ الأمنِ الإقليميِّ المشترك، لأنَّ المنطقةَ الّتي يعيشُ فيها كلُّ طرفٍ في خوفٍ دائمٍ من الآخر لن تستطيعَ بناءَ مستقبلٍ مستقر، ولذلك يجبُ أن يتحوَّلَ الأمنُ تدريجيًّا من معادلةِ «أمنِ طرفٍ في مواجهةِ أمنِ الطّرفِ الآخر»، إلى منظومةٍ تجعلُ الاستقرارَ مصلحةً مشتركة.

هنا أصلُ إلى فكرةٍ أراها جوهريَّة: لن يستطيعَ الإسرائيليُّ أن يعيشَ في أمنٍ دائمٍ إذا ظلَّ الفلسطينيُّ مقتنعًا بأنَّه لا يملكُ مستقبلًا، ولن يستطيعَ الفلسطينيُّ أن يعيشَ في أمانٍ دائمٍ إذا ظلَّ الإسرائيليُّ مقتنعًا بأنَّ وجودَه نفسَه مهدَّد، ولن تستطيعَ دولُ المنطقةِ بناءَ مستقبلٍ مستقرٍّ إذا بقيتِ الطّائفيَّةُ والميليشياتُ العابرةُ للحدودِ والتّدخُّلاتُ الإقليميَّةُ وقودًا دائمًا للصّراع، لذلك فإنَّ الأمنَ الحقيقيَّ لا ينبغي أن يكونَ «أمني أنا مقابل انعدامِ أمنِك»، بل «أمني وأمنُك ضمنَ منظومةٍ تحمي الإنسانَ والقانونَ والحدودَ والكرامة»، وهذه ليست دعوةً إلى التّنازلِ عن الحقِّ في الدّفاعِ عن النّفسِ، ولا إلى التّغاضي عن الإرهابِ أو الجرائم، بل إلى إدراكِ حقيقةٍ تاريخيَّةٍ بسيطة: القوَّةُ تستطيعُ أن توقفَ معركةً، لكنَّها لا تستطيعُ وحدَها أن تبنيَ سلامًا دائمًا.

السلامُ يحتاجُ إلى قوَّةٍ تحميه، وقانونٍ ينظِّمه، وعدالةٍ تمنحه الشّرعيَّة، وإنسانٍ يختارُ ألّا يورِّثَ أبناءَه كراهيةَ آبائِه، وأمَّا العربُ والمسلمون، فإنَّني لا أقبلُ أن يُختصرَ العربُ في الإرهاب، كما لا أقبلُ أن يُختصرَ المسلمونَ في التّطرُّف، هناك عربٌ ومسلمون قاتلوا الإرهابَ، وعلماءُ ومثقفونَ ومفكِّرونَ وأطبّاءُ ومهندسونَ وفنَّانونَ ومواطنونَ عاديُّونَ عاشوا حياتَهم بعيدًا عن العنف، وفي الوقتِ نفسِه، لا يجوزُ استخدامُ وجودِ هؤلاء الأبرياءِ ذريعةً لإنكارِ الجرائمِ الّتي ارتكبتها جماعاتٌ رفعت شعاراتٍ دينيَّة، وعلينا أن نستطيعَ قولَ الأمرين معًا: نرفضُ الإرهابَ باسمِ الإسلام، ونرفضُ كذلك كراهيةَ المسلمينَ بسببِ الإرهاب، وهذا هو الموقفُ الّذي يجمعُ بين العقلِ والإنسانيَّة، إنَّني أعتزُّ بدولتي إسرائيل، وأؤمنُ بحقِّها في الوجودِ والأمنِ والدّفاعِ عن مواطنيها، وأرفضُ قتلَ المدنيِّين الإسرائيليِّين وخطفَهم وإرهابَهم، كما أرفضُ أن يتحوَّلَ هذا الرّفضُ إلى كراهيةٍ جماعيَّةٍ للفلسطينيِّين أو العربِ أو المسلمين، وفي الوقتِ نفسِه، فإنَّ الدّفاعَ عن إسرائيلَ لا ينبغي أن يمنعَ الإنسانَ الإسرائيليَّ من النّظرِ في المرآةِ الأخلاقيَّةِ وسؤالِ نفسِه: هل ما أفعلهُ اليومَ يقرِّبُني من مستقبلٍ يستطيعُ فيه أبنائي وأبناءُ جيراني أن يعيشوا بأمان، أم أنَّني أتركُ لهم ميراثًا جديدًا من الدّم؟

هذا السؤالُ لا يخصُّ الإسرائيليَّ وحدَه، إنَّه سؤالٌ للفلسطينيِّ والعربيِّ والإيرانيِّ واليهوديِّ والمسلمِ والمسيحيِّ، ولكلِّ إنسانٍ يعيشُ في هذه المنطقة، لقد آنَ الأوانُ أن نتوقَّفَ عن توريثِ الموت، وأن نفهمَ أنَّ العدوَّ الحقيقيَّ ليس الإنسانَ المختلف، وإنَّما الفكرةُ الّتي تجعلُ قتلَ المختلفِ فضيلةً، وإذلالَه حقًّا، وإلغاءَه ضرورةً، فالإنسانُ لا يولدُ عدوًّا، وإنَّما قد تصنعُ منه الكراهيةُ عدوًّا، ولا يولدُ متطرِّفًا بالضّرورة، وإنَّما قد تصنعُ منه بيئةٌ فكريَّةٌ مغلقةٌ وخطابٌ دينيٌّ أو قوميٌّ أو سياسيٌّ متشدِّدٌ مشروعَ عنفٍ يمشي على قدمين، ولهذا فإنَّ معركةَ المستقبلِ ليست فقط مع البندقيَّة، وإنَّما مع الفكرةِ الّتي تسبقُ البندقيَّة، وليست فقط مع التّنظيمِ الّذي يمارسُ العنفَ، وإنَّما مع الثّقافةِ الّتي تمنحُ العنفَ شرعيَّتَه في وعيِ الإنسان.

عندما نصلُ إلى هذه القاعدة، يصبحُ بالإمكانِ أن نقولَ شيئًا بالغَ البساطة، لكنَّه قد يكونُ أصعبَ مشروعٍ في تاريخِ الشَّرقِ الأوسط: نختلفُ في الدِّين، ولا نتقاتلُ بسببِ الدِّين، نختلفُ في السّياسةِ، ولا نقتلُ بسببِ السّياسة، نختلفُ في التّاريخِ، ولا نورِّثُ أبناءَنا ثأرَ التّاريخ، ندافعُ عن أوطانِنا، ولا نحوِّلُ الدّفاعَ إلى كراهيةٍ للإنسان، ونحاسبُ المجرمَ، أيًّا كان اسمُه ودينُه وقوميَّتُه، لأنَّ العدالةَ لا ينبغي أن يكونَ لها دينٌ أو قوميَّ، وعندها فقط يمكنُ أن نبدأَ البحثَ عن حلٍّ حقيقي، لا حلٍّ ينتصرُ فيه طرفٌ على طرف، بل حلٍّ ينتصرُ فيه الإنسانُ على منطقِ الدّم، وينتصرُ القانونُ على منطقِ الثَّأر، وينتصرُ العقلُ على منطقِ الكراهية، وتنتصرُ الحياةُ على ثقافةِ الموت، وهذه الأفكار ليستْ من جانِبٍ واحدٍ، بل واجبٌ على الجميعِ تقبلها وتبنّيها، فهي في جوهرِها، ليست هزيمةً لأحد، بل هي الانتصارُ الوحيدُ الّذي يستحقُّ أن نورِّثَه لأبنائِنا، لأنَّه انتِصار الخير على الشّرِ بتوقف العداوات والإساءات بين الجميع، وانتصار الإنسانِ على ذاتِهِ ونَصْرهُ دُخولَهُ في دائِرَةِ العَدالةِ والحُرِّيَّةِ والمُساواةِ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة