يوسف القرضاوي من خلال الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي الحلقة الثّالثة
معمر حبار
تاريخ النشر: 01/10/26 | 18:28
مالك بن نبي: “الظّاهرة القرآنية”. ترجمة عبد الصّبور شاهين. تقديم: محمّد عبد الله دراز (مقدّمة اللّغة الفرنسية: 1946) ومحمود محمّد شاكر. دار الفكر، دمشق، سورية. تصوير: 1406 هـ -1986، 288 صفحة.
مقدّمة القارىء المتتبّع:
يعترف صاحب الأسطر أنّ مقطع يوسف القرضاوي[1] الذي تحدّث فيه عن لقائه مع مالك بن نبي في القاهرة سنة 1964. هو الذي دفعه لإعادة قراءة كتاب “الظاهرة القرآنية”. وعرضها لحدّ الآن عبر الحلقة الأولى[2]، والثّانية[3].
ما قاله يوسف القرضاوي:
أوّلا: عاتب يوسف القرضاوي مالك بن نبي لأنّه -في نظره- تحدّث عن نجاة فرعون، والله تعالى يقرّ أنّ فرعون من المغرقين.
ثانيا: نقل يوسف القرضاوي أنّ مالك بن نبي أخبره أنّ المستشرقين يفضّلون ذلك. فكتبت ما يرضيهم.
ثالثا: اتّهم يوسف القرضاوي مالك بن نبي بأنّه متأثّر بالمستشرقين.
ما ذكره مالك بن نبي في الظّاهرة القرآنية:
قال عبر عنوان “الفرض الثاني” 248-254: “وأيضا فيما نراه في مشهد عبور بني إسرائيل البحر الأحمر حيث غرق فرعون وجنوده كما روى “سفر الهجرة”، ولكن رواية القرآن تكمل هذا العرض بتفصيل غير متوقع، وهو أيضا غير عادي !.. أعني: “النجاة البدنية” لفرعون الذي أفلت بأعجوبة من الغرق”. “ءَالَٰنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ اَ۬لْمُفْسِدِينَۖ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٗۖ وَإِنَّ كَثِيراٗ مِّنَ اَ۬لنَّاسِ عَنَ اٰيَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَۖ (92”. سورة يونس،92. صفحة 250
“ولقد تعمدنا ذكر النصوص الجوهرية للوثيقة الحيثية التي يستخدمها هذا المؤلف أساسا للبرهنة على موت فرعون”. 251
“بيد أن التبدل لا يكون مفهوما إلا إذا وقع حدث خطير غريب أيضا ليغير حياة الشخصية الفرعونية تغييرا عميقا، كأن يرى مثلا غرق جيشه ويرى نفسه أيضا غريقا في البحر الأحمر، والمسألة على كلّ حال تتعلّق بنجاة بدنية”.252
تعقيبنا على ما ذكره مالك بن نبي:
ينقل مالك بن نبي الرواية التي ترى أن فرعون غرق، ورواية “علماء الدراسات المصرية” التي ترى أنّه اختفى ولم يغرق. لكنّه يرى أنّه غرق كما نصّ على ذلك القرآن الكريم.
لم ينكر مالك بن نبي غرق فرعون. كما ذهب إلى ذلك يوسف القرضاوي. وذكر آية الغرق.
ضرورة فهم الفرضيات التي وضعها مالك بن نبي:
ما يجب فهمه أنّ مالك بن نبي تطرّق لمثال -أقول لمثال- غرق فرعون ليثبت نبوّة سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأنّ القرآن الكريم مستقلّ عن سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. ويمكن مراجعة الحلقة الأولى لمن أراد الزّيادة.
ذكر مثال غرق فرعون ضمن صفحات: 250 إلى 252. ولم يزد على ذلك.
اعتاد مالك بن نبي في كتابه على طرح جملة من الفرضيات. ثمّ راح يناقش كلّ فرضية بمفردها. وفي الأخير استخرج أنّ القرآن الكريم مستقلّ عن سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. ولا يتأثّر أبدا بالحالة الشعورية. وأنّ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. نبي مرسل وأميّ يوحى إليه، ولا يؤثّر أبدا في القرآن الكريم.
وبنفس الطريقة تعامل مع غرق فرعون. وبعدها مباشرة تعامل مع رفع سيّدنا عيسى عليه السّلام وأثبت أنّ ما ذكره القرآن الكريم أصدق، ورواية غيرهم غير صادقة.
ومن فهم هذه القواعد فهم المثال الذي ذكره مالك بن نبي عن غرق فرعون. ومن فاتته هذه القواعد فاته الكثير.
مالك بن نبي لم يتأثّر بالمستشرقين:
ليس من صلاحيات صاحب الورقة ردّ شهادة، ولا تكذيبها. فهذا حديث رواه -حينها- حيّ عن ميت. وكلاهما الآن بين يدي الله تعالى.
في المقابل، شهادة يوسف القرضاوي من أنّ مالك بن نبي “متأثّر؟ ” بالمستشرقين. لا يمكن قبولها بحال. ومردّ ذلك للأسباب التّالية:
ظلّ مالك بن نبي عبر كتابه الذي بين يديك يحذّر من المستشرقين، ويردّ أقوالهم، ويذكر مساوئ تلامذتهم من العرب الذين تأثّروا بالمستشرقين.
أفنى حياته كلّها ومن بدايتها لنهايتها في التّحذير من المستشرقين.
وألّف كتاب للمستشرقين[4]. وقد أفرد له صاحب الأسطر قراءة مفصّلة[5]. لمن أراد الزّيادة.
وحذّر مالك بن نبي من المستشرقين عن قراءة، وعلم، وتجربة، ومقارنة. ولذلك قسّمهم إلى قسمين: المستشرق المادح، والمستشرق الحاقد. وبيّن كيفية التّعامل مع كلّ قسم.
مالك بن نبي لا يكسب أحدا، ولا يجامل أحدا:
مالك بن نبي انتقد الجميع ودون استثناء. ولا يفرّق في الانتقاد بين قريب وبعيد، وجزائري وعربي وغربي، والأزهر والزيتونة والجمعية والزوايا، والسّاسة والفقهاء، وأقرب النّاس إليه وأشدّهم بغضا له. وقد تطرّق صاحب الأسطر وذكر الأسماء، والمواقف لمن أراد الزّيادة.
ومالك بن نبي لم يجامل قادة الثّورة الجزائرية وهم الأقوى. كيف يجامل غيرهم وهم الأضعف.
كلمة فاصلة:
قل عن مالك بن نبي ما شئت إلاّ أنّه متأثر بالمستشرقين، ويجاملهم.
أمنية:
دفعتني شهادة يوسف القرضاوي بشأن مالك بن نبي أن أستخرج كلّ ما كتبته عن موقف مالك بن نبي من المستشرقين بأنواعهم. وبما أنّ المقال لا يسمح بالاستطراد. سأفرد إذا سمح المقام مقال مفصّل عن ذلك. راجيا السّداد، والتّوفيق.
خاتمة:
رحم الله مالك بن نبي.
ورحم الله يوسف القرضاوي.
الخميس 19 ربيع الثّاني 1448، الموافق لـ 1 أكتوبر 2026
[2] مقالنا: النّبيّ الأميّ من خلال الظّاهرة القرآنية لمالك بن نبي.. الحلقة الأولى-معمرحبارالأحد 9 ربيع الثّاني 1448، الموافق لـ 20 سبتمبر 2026
[3] مقالنا: مقدمة عبد الله دراز ومحمود محمّد شاكر من خلال الظاهرة القرآنية لمالك بن نبيالحلقة الثّانية – معمر حبار
الجمعة 14 ربيع الثّاني 1448، الموافق لـ 25 سبتمبر 2026
[4] “إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث”، صفحات: 165-198، دار الفكر الجزائر، ودار الفكر دمشق-سورية، الطبعة الأولى 1412 هجري – 1991 ميلادي، ويضمّ الكتاب من 225 صفحة. [5] علاقة الصراع الفكري بالمستشرقين لدى مالك بن نبي من خلال إنتاج المستشرقين – معمر حبارالأربعاء 27 ربيع الثّاني 1445هـ، الموافق لـ 30 أكتوبر 2024



