حينَ تضيقُ الأرضُ بالرّوحِ.

الكاتب الباحث الدكتور رافع حلبي – دالية الكرمل

تاريخ النشر: 30/09/26 | 12:07

كيف أفهمُ هذا الوجودَ، يا صديقتي الوحيدة، الّتي ما التَقيتُ بها من قَبل، وما تَحدّثتُ إليها مُنذُ البِدايةِ، ولم تلتقِ بكِ روحي… كيف أفهمُ ما يُمكنُ أن يأخذني إلى آخرِ العالمِ، ثم يُعيدُني إلى هنا في لحظات؟ وكيف أفهمُ سرعةَ الزّمنِ حينَ تتلاشى المسافاتُ بينَ الأماكن، فيصبحُ البعيدُ قريبًا، والقريبُ بعيدًا، وكأنَّ الوجودَ كلَّهُ حركةٌ سريعةٌ بينَ لحظةٍ تولدُ ولحظةٍ تنقضي، كلّما حاولتُ أن أُثبّتَ قدميَّ على هذه الأرضِ، هبّتْ عليَّ العواصفُ من أقربِ النّاسِ إليَّ، وضربتني عصيُّ القسوةِ كأنّها براكينُ تتفجّرُ بلا إنذار، أو زلازلُ تهزُّ ما ظننتهُ ثابتًا في أعماقي، فأجدُني، من شدّةِ ما ألقى، كأنّي هاربٌ بروحي من سيفٍ وسيافٍ لا يعرفُ الرّحمة، أو من إنسانٍ لم يكتفِ بما أراقَ من دماء، ولم يدركْ أنّ الإنسانَ ليس عمرًا مباحًا في لحظةِ غضب، ولا روحًا يجوزُ انتهاكُها لأنّها اختلفتْ في الفكرِ أو الموقفِ أو طريقةِ النّظرِ إلى الحياة… فكيف تريدينني، يا صديقتي، أن أجلسَ مطمئنًّا بينَ جموعٍ من البشرِ وقد امتلأتْ أيديهم بالأشياء، بينما فرغتْ بعضُ القلوبِ من معناها؟ وكيف أجدُ لنفسي مكانًا في عالمٍ لا تكفي فيهِ صورةُ الإنسانِ، إذا لم يجدْ في أعماقِه طيبَ القلب، وصفاءَ النّفس، ونقاءَ الرّوح، ووهجَ الضّمير؟

لقد حاولتُ مرارًا أن أسيرَ بينهم، وأن أبحثَ عن المساحةِ المشتركةِ الّتي تجمعني بهم، وأن أقتربَ من طرائقِهم في الحياة، وأن أتنازلَ أحيانًا عن شيءٍ من اختلافاتي كي لا أبدو غريبًا عنهم، لكنّي سرعانَ ما أدركتُ أنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ أن يعيشَ طويلًا ضدَّ حقيقتِهِ الدّاخليّة، فقد يستطيعُ أن يجاملَ، وأن يصمتَ، وأن يبتسمَ في المكانِ الّذي لا يريدُ أن يبتسمَ فيه، لكنّهُ لا يستطيعُ أن يقتلَ ما استقرَّ في أعماقِه من يقين… اكتشفوا، كما اكتشفتُ… أنّني مختلفٌ عنهم في أشياءَ كثيرة، مختلفٌ في طريقةِ التّفكير، وفي قراءةِ الأحداث، وفي فهمِ الإنسان، وفي النّظرِ إلى الحياةِ وما فيها، وفي علاقتي بكلِّ ما خلقَ اللهُ تعالى، الفقير لله تعالى، لا يرى هذا الوجودَ ساحةً يتصارعُ فيها البشرُ على امتلاكِ الحقيقة، ولا أرى الإنسانَ سيّدًا مطلقًا على الإنسان، ولا أستطيعُ أن أقبلَ أن تتحوّلَ الجماعةُ إلى سلطةٍ على العقلِ والضميرِ والرّوح، وأكثرُ ما يؤلمني أنَّ بعضَ البشرِ لا يريدونَ منك أن تكونَ إنسانًا حرًّا، بل يريدونَك أن تكونَ صورةً منهم، تفكّرُ كما يفكّرون، وتقولُ ما يقولون، وتصمتُ حينَ يصمتون، وتغضبُ حينَ يغضبون، وتحبُّ ما يحبّون، ولا تحبُّ ما لا يحبُّون… فإذا خرجتَ عن دائرتهم، لم يسألوا أنفسهم: لماذا اختلف؟ بل يسألونَ: كيف نعيدُهُ إلى ما نريد؟

يا صديقتي، لقد استقرَّ في أعماقي منذ زمنٍ بعيدٍ شعورٌ بأنّي عبدٌ للباري تعالى، لا عبدٌ للبشر، ولذلك لم أستطعْ أن أهبَ إرادتي لمن يريدُ أن يجعلَ من قربهِ سلطةً، أو من جماعتهِ قيدًا، أو من رأيهِ حقيقةً لا يجوزُ لأحدٍ أن يناقشَها، ولعلَّ أعمقَ ما عبّرتُ بهِ عن هذا المعنى قولٌ ظلَّ يرافقُني في رحلتي مع الحياة: قِمّةُ الحُرّيّةِ العُبوديّةُ للبَاري تَعالى.

لا أفهمُ العبوديّةَ هنا بمعناها الّذي يفرضُهُ الإنسانُ على أخيهِ الإنسان، وإنما أفهمُها باعتبارها تحرّرًا من كلِّ عبوديّةٍ بشريّةٍ تستلبُ الإرادةَ وتصادرُ العقلَ وتُخضعُ الضّمير، فالإنسانُ قد يظنُّ نفسَهُ حرًّا، وهو أسيرُ خوفِه من الآخرين، أو أسيرُ رغبتِه في رضاهم، أو تابعٌ لجماعةٍ لا يستطيعُ مخالفتَها، أو خاضعٌ لأهواءٍ تجرّهُ حيثُ لا يريد، أما حينَ يتحرّرُ من كلِّ ذلك، ويختارُ بوعيٍ وإرادةٍ أن يكونَ عبدًا للباري تعالى وحده، فإنّهُ لا يفقدُ حرّيّتَهُ، بل يجدُ فيها معناها الأصفى والأنقى والأعمق، ولهذا لم أعدْ أبحثُ عن رضا الجميع، لأنّي أدركتُ أنَّ إرضاءَ الجميعِ غايةٌ لا يبلغُها إنسان، وأنَّ من يجعلُ قيمتَهُ رهينةً لقبولِ الآخرينِ بهِ سيظلُّ طوالَ حياته يبدّلُ وجهَهُ بحسبِ الوجوهِ التي أمامَهُ.

الفقير لله تعالى، لا يريدُ منهم شيئًا، ولا أحملُ في قلبي نيّةَ سوءٍ تجاهَ من أساءَ إليَّ، وليسَ من طبعي أن أبحثَ عن الانتقام، لأنّي لا أريدُ أن أسمحَ للإساءةِ الّتي وصلتْ إليَّ أن تُفسدَ ما بقيَ في داخلي من خير وإيمان… قد أبتعدُ، نعم، وقد أختارُ الصمتَ، وقد أغلقُ بعضَ الأبوابِ الّتي لم يعدِ الوقوفُ عندها يليقُ بروحي، لكنّي لا أريدُ أن أحملَ الكراهيةَ معي، فالابتعادُ أحيانًا ليس عقوبةً للآخر، بل حمايةٌ للإنسانِ من أن يفقدَ نفسهُ وهو يحاولُ أن يثبتَ للآخرينَ شيئًا، وقد تعلّمتُ أنَّ ليستْ كلُّ وحدةٍ هزيمةً، وليستْ كلُّ جماعةٍ وطنًا، وليسَ كلُّ قربٍ محبّةً، وليسَ كلُّ ابتعادٍ كراهيةً، فقد يعيشُ الإنسانُ وسطَ آلافِ البشرِ وهو أشدُّ النّاسِ وحدةً، وقد يجلسُ وحيدًا في مكانٍ بعيدٍ عن الجميعِ، بينما يشعرُ أنَّ العالمَ كلَّهُ يسكنُ في أعماقِه، ولذلك لم أعدْ أخشى وحدتي كما كنتُ أخشاها من قبل، لقد أصبحتْ الوحدةُ أحيانًا مساحةً أستعيدُ فيها صوتي بعدَ أن تضيعَ الأصواتُ من حولي، وأستعيدُ فيها قدرتي على التّمييزِ بينَ ما أريدهُ حقًّا وما يريدُهُ الآخرونَ منّي، وأعرفُ أنَّ الاختلافَ ليس خطيئةً، وأنَّ الإنسانَ لا يُقاسُ بعددِ الأشخاصِ الّذين يشبهونه، بل بقدرتهِ على أن يُحافظَ على إنسانيّتِهِ وهو يعيشُ بينَ كمٍّ هائِلٍ مِن الّذين يختلفونَ عنه.

لعلَّ أصعبَ ما في الحياةِ أن تكتشفَ أنَّ بعضَ من أساءوا إليكَ لم يكونوا يبحثونَ عن أذىً حقيقيٍّ لك، بقدرِ ما كانوا عاجزينَ عن تقبّلِ وجودِ إنسانٍ لا يستطيعونَ امتلاكَهُ أو إخضاعَهُ أو تغييرَهُ، وعندها تفهمُ أنَّ بعضَ الصّراعاتِ لا تبدأُ لأنّك أخطأتَ، بل لأنّك رفضتَ أن تتخلّى عن نفسك، ومع ذلك، لا أريدُ أن أجعلَ من اختلافِ الآخرينَ عنّي سببًا لاحتقارِهم، فالإنسانُ الّذي يرفضُ أن يكونَ تابعًا لا ينبغي لهُ أن يتحوّلَ هو نفسهُ إلى متكبّرٍ على غيره، إنَّ الحرّيّةَ الّتي أطلبُها لنفسي لا تكتملُ إلا إذا اعترفتُ بحقِّ الآخرِ في أن يكونَ مختلفًا عنّي وحرٌّ أيضًا، ولهذا سأظلُّ ما استطعتُ وفيًّا لروحي، حريصًا على صفاءِ قلبي، متمسّكًا بعقلي، رافضًا أن أكونَ تابعًا لِوَهمٍ بشريٍّ مهما ارتفعَ صوتُه، ومؤمنًا بأنَّ الإنسانَ يستطيعُ أن يعيشَ حرًّا دونَ أن يؤذيَ أحدًا، وأن يختلفَ دونَ أن يكرهَ، وأن يبتعدَ دونَ أن ينتقمَ، وأن يتمسّكَ بعقيدتِهِ دونَ أن يحوّلَها إلى سيفٍ على الآخرين، فإن ضاقتْ بي الأرضُ يومًا، فلن أظنَّ أنَّ الوجودَ قد ضاقَ بي، لأنَّ في الرّوحِ مساحاتٍ أوسعَ من الأرض، وفي الإيمانِ آفاقًا أبعدَ من المسافات، وفي الصّدقِ وطنًا لا يحتاجُ الإنسانُ فيهِ إلى إذنٍ من أحدٍ كي يكونَ نفسَهُ، وربّما لن أستطيعَ في نهايةِ المطافِ أن أفهمَ الوجودَ كلَّهُ، فهذا الوجودُ أكبرُ من أن يُحاطَ بهِ بعقلِ إنسانٍ واحد، لكنّي أستطيعُ أن أفهمَ موقفي منه، وأن أعرفَ لماذا أعيشُ، وكيف أريدُ أن أعيشَ، ولمن أكونُ، وإلى أينَ أمضي، وحينَ أصلُ إلى هذه النّقطةِ، لا تعودُ كثرةُ النّاسِ من حولي هي الّتي تمنحُني الأمان، ولا إعجابُهم هو الّذي يمنحُني القيمة، ولا قبولُهم هو الّذي يحدّدُ حقيقتي.

يكفيني أن أبقى إنسانًا لا يظلمُ، وقلبًا لا يتعمّدُ الأذى، وعقلًا لا يقبلُ أن يُستعبدَ، وروحًا تعرفُ طريقَها إلى خالقِها، فإذا بقيتْ لي حرّيّتي، وبقيَ في قلبي نورُ الخير، وبقيتُ عبدًا فقيرًا للباري تعالى، فلن يكونَ في هذا الوجودِ ما يستطيعُ أن يستعبدَ روحي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة